قصة ليلى وكريم بقلم صابرين محمد

لمحة نيوز

ما اهتمتش.
لكن لما قامت تمشي، لمحت عنوان الورقة.
إعلان خاص... مطلوب زوجة تكون أم بديلة.
وقفت مكانها.
أترددت لحظات، ثم مدت إيدها تمسك الورقة علشان تلحق السيدة وترجعهالها.
خرجت تدور عليها، لكنها كانت اختفت وسط الزحام.
رجعت تقعد مكانها وبصت للورقة مرة تانية.
وقرت أول سطر مرة تانية.
مطلوب زوجة تكون أم بديلة 
وقفت عند الكلمة وفضلت تبصلها ثواني طويلة، كأنها أول مرة تشوفها مكتوبة، لأن الكلمة دي عمرها ما كانت ضمن خططها ولا أحلامها، هي أصلًا لسه ما اتجوزتش وكل اللي كانت بتحلم بيه في الشهور الأخيرة إن أمها تدخل العملية وتخرج منها بخير وترجع تقعد في مكانها على الكنبة وتزعقلها لأنها نسيت تاكل أو لأنها رجعت من الشغل متأخرة.
نزلت بعينها على السطر اللي بعده.
المقابل خمسة ملايين جنيه.
خمسة ملايين 
الرقم كان أكبر من كل الأرقام اللي فضلت تحسبها طول الأسبوع وأكبر من كل الديون اللي خنقتها وأكبر من قدرتها حتى إنها تتخيل إن مبلغ بالشكل ده ممكن يبقى في مقابل قرار واحد.
بدأت تقرأ الورقة من أولها لآخرها بهدوء، كلمة كلمة، من غير ما تفوّت سطر وكأنها بتدور على جملة واحدة تقول لها إن اللي قدامها خدعة، لكنها ملقتش غير كلام رسمي وإجراءات قانونية وسرية تامة ورعاية
طبية كاملة وفي آخر الصفحة عنوان مكتب ورقم تليفون وسطر صغير مكتوب فيه يُرجى الحضور شخصيًا لتحديد موعد المقابلة.

فضلت باصة للعنوان شوية وبعدين طوت الورقة بسرعة وحطته جوه شنطتها وهي بتحاول تقنع نفسها إنها هترجعه لصاحبته أول ما تسأل عليها وإن الموضوع انتهى عند كده، لكن مهما حاولت تشغل نفسها، كانت الجملة الأخيرة اللي سمعتها من موظف الحسابات وهي خارجة من المكتب بترجع تدق في ودانها بنفس البرود لو الدفعة الأولى ما اتدفعتش خلال اتنين وسبعين ساعة، هيتلغي معاد العملية.
خرجت من المستشفى وهي ماشية من غير ما تبص حواليها وعدت قدام الصيدلية، فسمعت راجل كبير بيقول للدكتور بصوت مكسور يعني مفيش حل غير لما نوفر الفلوس؟ والدكتور نزل عينه في الأرض من غير ما يعرف يرد، فحست إن الوجع في المكان ده واحد وإن اللي بيفرق بين كل واحد والتاني هو حجم المبلغ اللي ناقصه.
لما وصلت البيت وقفت قدام باب الشقة ثواني قبل ما تطلع المفتاح من شنطتها وبصت من غير قصد على الملف الأبيض اللي كانت داسّة عليه بين حاجتها، فمدت إيدها طلعته وفضلت تبص لرقم التليفون المطبوع في آخر الإعلان، ثم رجعته مكانه بسرعة، كأنها بتخاف حتى من مجرد النظر إليه.
دخلت الشقة، لقت أمها نايمة على الكنبة بعد ما غلبها التعب والبطانية الخفيفة
مغطية رجليها والشال اللي كانت بتخيطه واقع على الأرض، فقربت منها بهدوء، عدلت البطانية ورفعت الشال وحطته جنبها وبعدين فضلت واقفة تبصلها وهي نايمة وكل اللي بيدور في دماغها سؤال واحد لو معاد العملية ضاع هتعوضه بإيه؟

دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها، طلعت الورقة من الشنطة للمرة التانية وبعدين التالتة وبعدين العاشرة وكل مرة كانت تقول لنفسها إنها هتمزقها وترميها، لكن إيديها كانت ترجع تفردها من جديد وعينيها تقف عند رقم التليفون المكتوب في آخر الصفحة.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها أمها تكح من بره كحة طويلة خلت قلبها ينقبض، مسحت دموعها بطرف كمها وأخدت نفسًا عميقًا ومدت صباعها ناحية شاشة الموبايل وكتبت الرقم رقمًا رقمًا وبعد ما ظهر قدامها كامل، فضلت ثواني طويلة باصة على زر الاتصال، كأن الضغطة دي فاصلة بين حياتين.
وأخيرًا غمضت عينيها وضغطت.
رنّة واتنين وتلاتة 
وبعدين جالها صوت راجل هادئ، فيه وقار السنين بيقول
مكتب المستشار عادل السيوفي اتفضل.
ليلى بلعت ريقها ولسه هتقفل الخط من الخوف، لكن الصوت رجع يقول بهدوء
ألو حضرتك معايا؟
غمضت عينيها وهمست بصوت مبحوح خرج بالعافية
أنا بتصل بخصوص إعلان الأم البديلة.
وساد صمت قصير، قبل ما الراجل يكرر بنفس الهدوء
اتفضلي يا آنسة
أنا سامعك.

غمضت ليلى عينيها للحظة وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها كلها في نفس واحد وبعدها قالت بصوت مهزوز
أنا قريت الإعلان ولو الشروط زي ما مكتوبة فأنا موافقة.
سكت الراجل كام ثانية وبعدها رد بهدوء
القرار ده ما ينفعش يتاخد في مكالمة تليفون، تعالي المكتب بكرة وهشرحلك كل حاجة بالتفصيل وبعدها القرار هيبقى بإيدك لو حبيتي تمشي هتمشي ولو حبيتي تكملي هنكمل.
قفلت المكالمة وهي حاسة إن صوابعها كلها بتترعش وكأنها لسه ماسكة التليفون رغم إنه بقى فوق الترابيزة.
وفي تاني يوم، خرجت من البيت بعد ما قالت لأمها إنها رايحة إنترفيو شغل وأمها ابتسمتلها بنفس الابتسامة اللي كانت بتحاول تخبي بيها وجعها وقالتلها تدعي ربنا يكرمها، بينما ليلى كانت عارفة إنها رايحة لأصعب خطوة ممكن بنت تمشيها في حياتها.
وصلت عنوان المكتب وقعدت شوية قدام العمارة، بصت على الباب أكتر من مرة وكل مرة كانت تقول لنفسها إنها هتمشي ومش هتطلع، لكن أول ما افتكرت فاتورة المستشفى وصوت الدكتور وهو بيقول إن التأخير بقى خطر، قامت من مكانها وطلعت.
استقبلها المستشار عادل السيوفي بهدوء ورحب بيها وطلب منها تتفضل تقعد.
ولسه هي بتحاول تهدي رعشة إيديها 
الباب اتفتح.
دخل راجل طويل، لابس بدلة سودة، ملامحه جامدة، لكن التعب
كان باين في عينيه أكتر من أي حاجة تانية.

وقف المحامي وقال
أستاذ كريم دي الآنسة ليلى.
رفع كريم عينه ناحيتها وبصلها نظرة سريعة
تم نسخ الرابط