باعت رحمها عشان تنقذ أمها من الموت وبعد ما ولدت أخدوا الطفل بقلم صابرين محمد

لمحة نيوز

معاها بمنتهى القسوة، يدقق في أصغر تفصيلة في شغلها ويرجع لها التقارير لأسباب تافهة ويطلب منها تعيد الملف مرة واتنين وعشرة ولو غلطت غلطة بسيطة يسمعها كلامًا جارحًا قدام زمايلها وكأنه مستني منها أي هفوة عشان يثبت لنفسه إنها فعلًا الإنسانة اللي احتقرها طول السنين دي.
أما ليلى، فكانت كل مرة تبصله فيها تحس إن جرحها بيتفتح من جديد وكانت بتقول لنفسها وهي بتحاول تبلع إهانته إنت اللي حرمتني من ابني كان بإيدك تخليني أشوفه دقيقة واحدة، لكنك اخترت تمنعني حتى من دي. ومع إنها كانت بتكرهه من قلبها، إلا إنها كانت مضطرة تستحمل، لأنها كانت محتاجة الشغل أكتر من أي وقت فات.
لكن الأيام ابتدت تعمل اللي ماقدرتش السنين تعمله.
كان كريم كل شوية يلمح حاجة تهد الصورة اللي أمه رسمتهاله عنها.
يشوفها واقفة في الممر تتابع طفل واحدة من الموظفات بعينيها لحد ما يختفي ونظرتها تبقى مليانة حنين غريب ميشبهش نظرة واحدة باعت طفلها بإرادتها.
وفي مرة وهو بيدور على ملف في الأرشيف، سمع صوت بكاء خافت ولما قرب من الباب لقاها قاعدة لوحدها، ماسكة فانلة أطفال صغيرة كانت جايباها هدية لابن زميلتها وبتضمها لصدرها وهي بتحاول تمنع دموعها ولأول مرة حس إن الوجع اللي في عينيها مستحيل يكون تمثيل.
وبعدها بأيام، عرف بالصدفة إنها متبرعة بجزء ثابت من مرتبها كل شهر للمستشفى اللي كانت والدتها بتتعالج فيها ولما المدير المالي عرض عليها مكافأة كبيرة بعد نجاح أحد المشروعات، رفضتها بهدوء وقالت إنها بتعمل شغلها وبس.
وقف ساعتها يسأل نفسه لأول مرة 
هي دي فعلًا الست اللي باعت طفلها عشان الفلوس؟
وكان كل ما يشوف منها موقف جديد، الشك يكبر جواه، لكنه كان يهزه بعنف ويرجع يقول
لنفسه إن أمه مستحيل تكون كدبت عليه.
لحد اليوم اللي قلب كل حاجة.
كان بيدور مع المستشار عادل السيوفي في ملفات قديمة تخص العقد، فوقعت من بين الأوراق ورقة صغيرة مطوية.
فتحها من باب الفضول 
ولقى بخط إيد ليلى
لو سمحتوا حتى لو مرة واحدة في السنة طمنوني إنه بخير وأنا أوعدكم مش هطلب أشوفه.
فضل باصص للورقة ثواني طويلة، قبل ما يرفع عينه للمحامي ويسأله بصوت متوتر
إيه ده؟
تنهد المستشار وقال
دي الورقة اللي سابتها يوم الولادة كانت كل أمنيتها تعرف إنه بخير.
اتجمد كريم مكانه.
يعني هي ما طلبتش فلوس زيادة؟
بصله المحامي باستغراب.
فلوس إيه؟ الآنسة ليلى عمرها ما طلبت جنيه زيادة كل اللي طلبته إنها تشوف الطفل أو تطمن عليه، لكن حضرتك كنت مسافر وطلبك كان واضح إن ميبقاش فيه أي تواصل.
حس كريم إن الأرض بتتحرك من تحته.
خرج من عند المحامي وراح لأمه في نفس اليوم واجهها بكل اللي عرفه، لكنها فضلت تلف وتدور وتغير كلامها وتحاول تقنعه إنها عملت كده لمصلحته وكل إجابة كانت بتقولها كانت بتزود شكه أكتر.
ولما خرج من عندها، كان خلاص أخد قراره.
لازم يسمع الحقيقة من ليلى نفسها.
وفي مساء اليوم التالي وقف قدام باب شقتها وماكانش لوحده 
كان ماسك إيد ابنه
رن الجرس.
فتحت ليلى الباب بهدوء، لكن أول ما وقعت عينيها على الصغير، اتجمدت مكانها وشحب وشها وبقت تبصله كأن الزمن رجع بيها خمس سنين في ثانية واحدة.
الطفل بصلها باستغراب وبعدها رفع عينه لأبوه وسأله بصوت بريء
هي دي مين؟
فضلت تبص للولد من غير ما ترمش، كأنها بتحاول تحفظ كل تفصيلة في وشه اللي اتحرمت منه خمس سنين كاملين وبعدين نزلت على ركبتيها من غير ما تحس وانفجرت في البكاء وهي حاطة إيديها على وشها،
مش قادرة تستوعب إن ابنها اللي كانت بتدعي تشوفه ولو من بعيد واقف دلوقتي قدام باب بيتها.
أما الطفل، فبص لأبوه باستغراب وبعدين رجع يبصلها تاني، لأنه كان أول مرة يشوف حد يعيط لمجرد إنه شافه.
لكن كريم مقدرش حاول ميتأثرس بالمشهد، فقال بصوت جامد وهو واقف مكانه
أنا جاي أسألك سؤال واحد وإجابته هتحدد كل حاجة.
رفعت ليلى عينيها الحمرا من كتر البكا وبصت له من غير ما تتكلم.
قال وهو بيضغط على كل كلمة
ليه عملتي كده؟
سكتت لحظة.
إيه اللي عملته؟
أمي قالت إنك أول ما خدتي الفلوس رفضتي حتى تبصي للولد وإنك قولتي إنك مش عايزة تعرفي عنه أي حاجة تاني.
فضلت تبصله ثواني وكأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة، كلها وجع.
وقالت بصوت مبحوح
أنا؟ أنا اللي قلت كده؟
هز راسه.
قالت وهي بتحاول توقف دموعها
أنا بعد الولادة روحت للمحامي بنفسي واترجيته يخليني أشوفه دقيقة واحدة والله قلتله من بعيد حتى من ورا إزاز ورفض.
وبعدين بصت في عينه لأول مرة وقالت
وقاللي إنك إنت اللي طلبت كده وإنك مش عايز يبقى بيني وبين الطفل أي علاقة.
اتغيرت ملامح كريم فجأة.
أنا؟ انا فعلا قولت كده بس بعدين. لما اخدتي الفلوس ومشيتي وقولتي مش عايزه تشوفي وشه.
ومن يومها وأنا بكرهك كنت فاكرة إنك حرمتني من نظرة واحدة ليه
ساد صمت تقيل.
كل واحد فيهم كان بيكتشف إن الحقيقة اللي عاش بيها خمس سنين كانت كذبة.
قطع الصمت صوت كريم وهو بيقول بصعوبة
أنا ماكنتش أعرف إنك طلبتي تشوفيه.
مسحت دموعها وقالت بمرارة
وأنا ماكنتش أعرف إنك عمرك ما قولت الكلام ده.
خرج كريم من عندها وهو مش قادر يجمع أفكاره واتجه مباشرة إلى مكتب المستشار عادل السيوفي.
أول ما دخل، حط الورقة اللي لقاها قدامه
وقال
أنا عايز الحقيقة كلها من أول يوم.
تنهد المحامي طويلًا وبعدها قال
في حاجة حضرتك ماكنتش تعرفها.
رفع كريم عينه.
الآنسة ليلى يوم ما وافقت على العقد ماكنتش بتدور على فلوس ولا على رفاهية كانت بتحاول تنقذ والدتها وكانت محتاجة المبلغ عشان علاجها.
شحب وجه كريم.
ليه مقولتليش الكلام ده
لأنك ما سألتش أصلًا وهي كمان طلبت مني وقتها ماقولكش سبب موافقتها وقالت إن ده من خصوصياتها.
فضل كريم ساكت.
وكل كلمة كان بيسمعها كانت بتهد صورة قديمة عاش مصدّقها سنين.
خرج كريم من عند مكتب المحامي وهو حاسس إن الأرض بتميد بيه. طول الطريق كان بيسوق من غير ما يحس هو رايح فين وكل كلمة سمعها كانت بتتردد في ودنه هي عمرها ما طلبت فلوس زيادة كل اللي طلبته إنها تشوف ابنها.
أول ما دخل الفيلا، لقى أمه قاعدة في الصالون.
وقف قدامها وقال من غير مقدمات
ليه؟
رفعت عينيها باستغراب.
إيه اللي ليه؟
رمى قدامها الورقة اللي كانت ليلى كاتباها للمحامي.
ليه قولتيلي إنها رفضت تشوفه؟ وليه قولتلها إني أنا اللي منعتها؟
سكتت شوية ولأول مرة ملاقِتش كدبة جديدة تقولها.
وبعدين نزلت راسها وقالت بهدوء
كنت خايفة.
خايفة من إيه؟
تتعلق بيها أو تتعلق هي بيكم وساعتها كنت هخسركم أنتم الاتنين.
فضل يبصلها في صدمة. فكملت قلت لنفسي الاحسن كل واحد يفتكر إن التاني هو اللي رفضه والأيام كفيلة تنسي.
قاطعها بصوت مليان وجع إنتِ ضيعتي خمس سنين من عمرنا.
وسابها ومشي.
ومن اليوم ده بقى كريم ياخد ياسين كل كام يوم عند ليلى.
في الأول، الطفل كان مكسوف.
وبعدها بأسبوع بقى يجري عليها أول ما يشوفها.
وبعد شهر بقى يرفض يرجع البيت قبل ما تحضنه.
أما ليلى، فكانت بتعيش كل لحظة كأنها بتعوض خمس سنين ضاعوا
منها.
تعلمه ياكل. تحكيله حكايات قبل ما يمشي.
وتفضل طول الليل تبص على الصور اللي بتاخدها
تم نسخ الرابط