باعت رحمها عشان تنقذ أمها من الموت وبعد ما ولدت أخدوا الطفل بقلم صابرين محمد
معاه.
أما كريم فكان بيقف بعيد يتفرج عليهم.
كل مرة يشوف ضحكة ياسين وهو في حضنها، يحس بوخزة جوه قلبه.
وفي يوم وقف قدامها وقال بصوت هادي
أنا آسف.
بصتله من غير كلام.
صدقت كدبة وظلمتك سنين.
سكتت ثواني وقالت بهدوء
اللي راح مستحيل يرجع.
هز راسه.
عارف بس هفضل أحاول أصلحه.
ومع الأيام الكلام بينهم بقى أسهل. والحدة اختفت.
وبدأ بينهم احترام وبعده ارتياح هادي، من غير ما حد فيهم يعترف بحاجة أكتر.
لكن في مكان تاني كانت أم كريم بتراقب كل حاجة. كل زيارة كانت بتحس إنها بتخسر حفيدها أكتر. ولما شافته في يوم بيجري على ليلى وهو بيقول
ماما
عرفت إن اللعبة خرجت من إيدها.
وفي مساء اليوم نفسه دخلت بيت ليلى من غير استئذان.
وقفت قدامهم وبصت لكريم وبعدين لليلى وقالت بصوت حاسم
أنا مش هسمح بده يحصل.
سكتوا كلهم. فكملت وهي بتبص على حفيدها
الولد ده هيفضل معايا ولو اضطريت أخسر ابني نفسه مستحيل أسيبه ليها.
وساد الصمت لكن كريم كسر الصمت لأول مرة وبص لأمه بثبات وقال
المرة دي... أنا هقف ضدك.
شهقت وهي تحدق فيه، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
بتقول إيه يا كريم؟
أجابها بثبات
هقف ضدك... علشان الحق.
حاولت تتمسك بأي مبرر، وقالت بصوت مهزوز
أنا عملت كل ده علشان أحافظ على ابني.
هز رأسه بأسى.
لأ... إنتِ عملتيه علشان تحافظي على نفسك. كنتِ خايفة يبقى لياسين أم، وخايفة أنا أتعلق بيها، فخليتِ كل واحد فينا يصدق إن التاني هو اللي رفضه.
ثم أضاف، وصوته يختنق بالألم
عارفة أصعب حاجة؟ إنك سرقتِ مننا خمس سنين... خمس سنين وأنا بحتقر إنسانة بريئة، وهي عايشة فاكرة إني حرمتها
لم تجد ما تقوله.
اكتفت بالدموع.
أما كريم، فالتفت ونادى
يلا يا بطل.
أسرع ياسين إليه، أمسك يده، وغادرا الفيلا.
ولأول مرة، أُغلق الباب الكبير خلف كريم، وهو يشعر أنه أغلق وراءه عمرًا كاملًا من الأوهام.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يمنع ياسين من زيارة ليلى.
في الأول، كان الطفل بيقف بعيد ويبصلها بكسوف، وهي كانت بتحاول بكل قوتها تمنع نفسها إنها تاخده في حضنها علشان ما توترهوش.
بس الأطفال مش بياخدوا وقت طويل عشان يعرفوا مين بيحبهم بجد.
ومع كل زيارة، المسافة اللي بينهم كانت بتصغر شوية بشوية، لحد ما جه يوم وهو بيلعب اتكعبل ووقع، فقام جري عليها وهو بيعيط من غير ما يفكر، وصرخ وهو بيقول
ماما.
الوقت كله وقف حواليها.
حضنت وشه لصدرها وهي بتبكي، كأن قلبها في اللحظة دي رجع له خمس سنين كانوا ضايعين منه.
أما كريم، فكان واقف بيتفرج عليهم في هدوء، ولأول مرة فهم إن الأمومة عمرها ما كانت ورقة ولا عقد ولا توقيع... الأمومة هي الحضن اللي الطفل رجع ليه بنفسه، من غير ما حد يقوله.
ومن بعدها، بقى ياسين يتعلق بيها أكتر يوم بعد يوم. يحكيلها كل تفاصيله الصغيرة، ويوريها الرسومات اللي بيرسمها، ويصر ياكل من إيديها، ولو غابت عنه يوم، يبص حواليه ويسأل ببراءة
هو أنا هروح لماما إمتى؟
وكان السؤال ده بيهز قلب كريم كل مرة يسمعه، ويفكره قد إيه كان مظلومها لما صدق الكدبة اللي اتقالت له زمان.
وفي صباح يوم جمعة، مسكت ليلى إيد ياسين وقالت له بابتسامة هادية
تعالى... هعرفك على أغلى إنسانة في حياتي.
وركبوا العربية، وكريم مشي وراهم بعربيته، لحد ما وقفوا
وقفت ليلى قدام قبر أمها، ونزلت تمسح التراب عن شاهد القبر بإيديها، وبعدين همست بصوت واطي
دي تيتة.
رفع ياسين عينيه الصغيرة وبصل حواليه، وسأل ببراءة
هي فين؟
ابتسمت ليلى وسط دموعها، وقالت
عند ربنا.
وسكتت لحظة، قبل ما تكمل بصوت بيرتعش
كانت نفسها تشوفك... وكانت كل يوم تدعي ربنا يحفظك، بس راحت قبل ما تقدر تضمك.
فضل ياسين ساكت شوية، وبعدها حط الوردة اللي كانت في إيده فوق القبر، وقال بصوت بريء هز قلوبهم كلهم
متزعليش يا تيتة... أنا جيت.
كان كريم واقف بعيد، سامع كل كلمة، وحس لأول مرة إنه ما حرمش ليلى من ابنها وبس... لأ، ده كمان حرمها تعيش اللحظة دي مع أمها، وسابها تشيل الوجع ده كله لوحدها سنين.
ومن اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.
كريم بقى يشكرها على كل حاجة بتعملها مع ياسين. ومع كل موقف جديد، كان بيكتشف إن الست اللي عاش سنين بيكرهها ما كانتش مذنبة أبدًا... كانت ضحية كدبة هو صدقها من غير ما يدور ورا الحقيقة.
وكل ما كان يشوفها بتضحك مع ياسين، كان يلاقي نفسه بيبتسم من غير ما يحس، وبقى يستنى ميعاد الزيارة الجاية بنفس الشوق اللي ياسين كان بيستناه.
وكان طول الوقت يقنع نفسه إن كل ده علشان ابنه...
بس الحقيقة كانت أوضح من أي محاولة يهرب بيها منها.
كان بيقع في حبها... يوم بعد يوم.
وفي الناحية التانية، كانت أمه شايفة كل حاجة وهي بتنهار قدام عينيها. شايفة حفيدها بيجري على ليلى أول ما يشوفها، وشايفة ابنها بيبصلها بنظرة عمره ما بصها لأي ست قبل كده.
ساعتها فهمت إنها، وهي بتحاول تحتفظ بابنها لنفسها، كانت على وشك تخسره هو وحفيدها
وفي يوم، راحت بنفسها لليلى.
وقفت قدامها من غير كبرياء، ولا تبرير، وقالت والدموع نازلة قبل الكلام
أنا آسفة... كنت فاكرة إني بحمي ابني، لكني دمرته... ودمرتك معاه.
فضلت ليلى ساكتة لحظة، وبعدين قالت بهدوء
اللي راح عمره ما هيرجع... بس ياسين ما يستحقش يكبر وسط الكره.
انهارت الست في العياط.
ولأول مرة، خرجت من بيت ليلى وهي حاسة إن الحمل اللي كانت شايلاه في قلبها بقاله خمس سنين بدأ يخف عنها... حتى لو جه بعد ما فات الأوان.
ومرت الشهور وبقى وجود ليلى في حياة كريم حاجة طبيعية.
وبقى وجود كريم في حياتها أمان بعد سنين خوف. وفي مساء هادئ، كان ياسين بيلعب في الجنينة وبيجري ورا كورة صغيرة وهو بيضحك.
وقف كريم قدام ليلى وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال وهو بيبتسم
فاكرة أول مرة شفتك؟
هزت راسها.
ابتسم بأسى.
كنت فاكر إنك أكتر إنسانة أنانية عرفتها.
ضحكت وهي تمسح دمعة هربت منها.
وأنا كنت فاكرة إنك أكتر راجل قاسي شفته في حياتي.
ضحك لأول مرة من قلبه.
وبعدين مد إيده ناحيتها.
المرة الأولى جمعتنا ورقة والمرة التانية جمعتنا الحقيقة.
سكت لحظة وهو بيبصلها بعين مليانة حب.
المرة دي عايز يجمعنا العمر كله.
اتسعت عيناها.
ليلى
ابتسم وكمل
تتجوزيني يا ليلى؟
ماعرفتش ترد.
ولا عرفت تمنع نفسها.
كل اللي عملته إنها حطت إيدها في إيده وهي بتبكي.
ابتسم كريم لأول مرة من قلبه.
وفي نفس اللحظة، جري ياسين عليهم وحضن رجل ليلى بإيد ورجل كريم بالإيد التانية وقال وهو بيضحك
أنا كده مبسوط محدش هيمشي ويسيبني تاني، صح؟
ركع كريم على ركبته وضمه لصدره ومد إيده التانية
ولما قربت منهم، لف دراعه حواليهم هما الاتنين وقال بصوت خرج مليان يقين
لأ المرة دي محدش هيفرقنا.