زوجي أصر يدعو طليقته حكايات صابرين
وقفلت الموبايل. من غير غضب ومن غير رغبة في الرد.
لأن السلام الحقيقي ما بيبدأش لما الطرف التاني يندم
السلام الحقيقي بيبدأ لما تبطل تستنى الندم أصلًا وتكمل حياتك من غير ما تبص وراك
عدت سنة كاملة تقريبًا وأنا عايشة لوحدي.
في الأول كنت فاكرة إن الوحدة هتكسرني..لكن مع الوقت اكتشفت إنها أهون بكتير من إنك تعيش كل يوم بتحاول تقنع حد بقيمتك.
رجعت أشتغل وأرجع بيتي وأطبخ لنفسي وأنام مرتاحة من غير ما أفضل مستنية كلمة تضايقني أو موقف يصغرني.
ومع كل يوم كان بيعدي، كنت برجع لنورا اللي ضاعت مني سنين.
وفي يوم عادي جدًا، اتطلب مني أصلح تكييف في شركة.
طلعت السطح وفتحت شنطة العدة وبدأت أفك الغطاء وأنا بتمتم من الحر.
وفجأة سمعت صوت ورايا بيقول بابتسامة
واضح إن اليوم متعب.
لفيت أبص، فلقيت راجل طويل، في إيده كوب قهوة وواقف بعيد باحترام، كأنه مستأذن حتى في الكلام.
ابتسم وقال
أنا كريم شغال هنا.
ابتسمت
فضل واقف يسألني عن العطل وعن طبيعة شغلي والكلام أخدنا من خمس دقايق لعشرة ومن عشرة لعشرين، من غير ما أحس بالوقت.
ولما خلصت، قال وهو بيضحك
هو ينفع أطلب رقمك ولا ده ممنوع وإنتِ فوق السطح بتنقذي التكييف؟
ضحكت لأول مرة من قلبي من فترة طويلة.
وافقت.
ومن يومها بدأنا نتقابل.
في أول مرة خرجنا، كان بيسأل وبيسمع أكتر ما بيتكلم.
وفي تاني مرة، افتكر تفاصيل صغيرة كنت قلتها عرضًا، أنا نفسي كنت ناسيّاها.
ولما اتأخرت عليه مرة بسبب شغل طلع فجأة، فضلت أعتذر.
ابتسم وقال بهدوء
ما تعتذريش أبدًا لأن عندك شغل ولا لأن عندك حياة.
الجملة كانت بسيطة
لكن بالنسبالي كانت غريبة.
لأنها أول مرة أحس إن حد شايف حياتي مهمة زيه بالضبط.
وبعد شهور، حكيتله كل حاجة.
حكيتله عن أحمد.
وعن عزومة البيت.
وعن اليوم اللي فهمت فيه إن الإنسان لما يتنازل مرة بيتطلب منه يتنازل كل مرة بعدها.
فضل ساكت
ولا مرة قاطعني.
ولا حاول يدافع عن حد.
ولما خلصت، مسك إيدي وقال بهدوء
الحمد لله إنك مشيتي لأن لو كنتِ كملتي، كان ممكن يوصلك لمرحلة تنسي فيها إن الاحترام حق، مش منّة.
وقتها حسيت إن الجملة دي كانت العلاج اللي كنت مستنياه من زمان.
وبعد سنة اتجوزنا.
وسكنّا في شقة صغيرة، بسيطة، تدخلها الشمس كل صباح وأرضيتها بتطلع صوت خفيف كل ما نمشي عليها.
لكنها كانت أول مكان أحس فيه فعلًا إني في بيتي.
ولما قررنا نعمل أول عزومة بعد الجواز
لقيته واقف جنبي في المطبخ، بيساعدني يجهز الأكل ويشيل الأطباق وكأنه صاحب البيت وأنا كمان صاحبته مش حد بيستضيف وحد تاني بيتحمل.
لف ناحيتي وحط إيده على كتفي وباسني على رأسي وقال
إنتِ كويسة؟ محتاجة أعمل حاجة؟
بصيت حواليا على أصحابنا وهم بيضحكوا وعلى البيت اللي كله دفا وعلى نفسي واكتشفت إني لأول مرة من سنين مش خايفة من أي لحظة جاية.
ابتسمت وقلت أنا أحسن
ابتسم وضحك وقال وهو بيهزر
طب قوليلي أجيب طليقتي المرة الجاية؟
بصيتله بصدمة مصطنعة.
انفجر ضحك وقال بسرعة
بهزر والله بهزر.
ضحكت أنا كمان، لدرجة إني كنت هوقع الصينية من إيدي.
وفي اللحظة دي عرفت إن الجرح خف مش لأني نسيته لكن لأن ربنا عوضني بإنسان خلاني أشوف الفرق بين اللي كان بيطلب مني أصغر نفسي عشان يرتاح وبين اللي كل يوم بيحاول يكبرني في عيني قبل عيون الناس.
وساعتها فهمت إن أصعب قرار أخدته في حياتي
ماكانش يوم مشيت.
أصعب قرار كان يوم بطلت أقنع نفسي إن الحب لوحده يكفي.
لأن اللي يحبك بجد
عمره ما هيحطك في موقف يهين كرامتك ولا هيطلب منك تسكتي على وجعك عشان هو يرتاح.
الاحترام عمره ما كان رفاهية.
والتقدير مش هدية.
والحدود اللي بتحطيها لنفسك، مش قسوة دي الطريقة الوحيدة اللي بتقولي بيها للدنيا كلها إنك عرفت أخيرًا قيمتك.
وأحيانًا أجمل بداية في حياة الإنسان، بتبدأ في نفس اللحظة