اليوم اللي المدرسة اتصلت بيا حكايات صابرين
المحتويات
الهوا. خلي البلد كلها تشوف وش بنتي قبل ما يحاولوا يدفنوها مرة تانية.
المديرة هزت راسها وقالت
أختي شغالة منتجة في قناة إخبارية محلية... أقدر أكلمها.
قلت
اتصلي حالًا.
راح ناحية الشباك وبص بره.
وفجأة اتجمد.
وقال
فات الأوان.
كلنا بصينا ناحية الباب.
كان فيه عربيتين سودا واقفين قدام بوابة المدرسة.
أزازهم كله فاميه.
مريم اتشبثت في إيدي.
وهمست
هما...
نزلت واحدة من العربية الأولى.
ست طويلة...
لابسة هدوم غالية ونضارة شمس كبيرة، وماشية بثقة كأن المكان كله ملكها.
عرفتها من أول نظرة.
نادية.
وراها نزل راجلين ضخمين، لابسين سماعات في ودانهم.
وبعدهم نزل حسام.
بدلة رمادي شيك...
ابتسامة باردة...
وعيون ما تعرفش الرحمة.
المديرة قفلت الستارة بسرعة.
وقالت وهي مرعوبة
يا ساتر.
قال
خبوا البنت.
لكنني هزيت راسي.
لأ.
كلهم بصولي باستغراب.
مسحت دموع مريم بإيديا.
وقلت بهدوء
يا حبيبتي... إنتِ جريتي كفاية... واستخبيتي كفاية... دلوقتي جه الوقت إن الدنيا كلها تعرف مين إنتِ.
قالت وهي خايفة
أنا مرعوبة يا ماما.
ابتسمتلها رغم دموعي.
وأنا كمان... بس هنخاف سوا.
مسكت إيدها بقوة.
وخرجنا من المكتب.
الممر كان مليان مدرسين واقفين عند الأبواب...
والعيال بيبصوا علينا في صمت.
المديرة ماشية ورانا، ماسكة الموبايل، وعاملة بث مباشر مع أختها.
وأول ما خرجنا لساحة المدرسة، كانت أختها بتقول بصوت عالي من السماعة
إوعوا تقفلوا البث... خليكوا مكملين.
دخلت نادية من البوابة كأن المدرسة ملكها.
وأول ما شافت مريم...
وشها اتغير.
ما كانش اندهاش.
كان غضب مخيف.
قالت بابتسامة مزيفة
سارة... تعالي لماما.
مريم شدت على إيدي.
وقالت بثبات
اسمي مريم.
قلعت نادية النضارة ببطء.
وقالت بنبرة كلها تصنع
يا حبيبتي... إنتِ متلخبطة... الست دي ضحكت عليكي.
وقفت قدام مريم أحميها.
وقلت
اسمها مريم... وهي بنتي... وإنتِ خطفتيها وحبستيها سنتين.
ابتسم حسام ابتسامة باردة وقال
يا مدام... إحنا مقدرين حالتك... لكن البنت دي متبناة عندنا بشكل قانوني، وكل الأوراق موجودة.
أشرت
الأوراق اللي زورها هو... بمساعدة المستشفى بتاعتكم.
لاحظ حسام كاميرا الموبايل موجهة عليه.
اختفت ابتسامته فورًا.
وقال بعصبية
اقفلوا الكاميرا.
المديرة ردت بثبات
مستحيل.
نادية حاولت تقرب من مريم.
وقالت
تعالي يا حبيبتي... اشتريتلك الفستان الأصفر اللي كنتي بتحبيه... ارجعي البيت وأنا هسامحك.
بدأت مريم تعيط.
وقالت بصوت عالي
إنتِ مش أمي.
في اللحظة دي، نادية فقدت أعصابها.
صرخت
أنا ربيتك! أنا ادّيتك كل حاجة! أما هي... فهي سابتك تموتي!
الصرخة خلت أطفال كتير يعيطوا من الخوف.
الدم غلى في عروقي.
قلت بغضب
إوعي تنطقي عنها كلمة.
بصتلي باحتقار وقالت
إنتِ تعرفي إيه عن الأمومة؟ الأم الحقيقية بتحس ببنتها حتى وهي بعيدة عنها.
الكلام دخل في قلبي زي السكينة.
لكن قبل ما أرد...
مريم سابت إيدي.
وأخدت خطوة لقدام.
وقالت بصوت صغير... لكنه واضح
هي فعلًا حست بيا... علشان أول ما المدرسة كلمتها... جريت وجت.
رفعت نادية إيديها علشان تضربها.
لكنها ما لحقتش.
اندفعت بكل قوتي وزقيتها.
وقعت على الأرض.
وفي نفس اللحظة، هجم حسام عليا.
الظباط اعترضوه بسرعة.
ورجال الحراسة دخلوا في اشتباك.
والمدرسين حاولوا يبعدوا الأطفال.
وفجأة اتحولت ساحة المدرسة لفوضى.
صريخ...
أجهزة لاسلكي...
أطفال بيجروا...
وموبايلات بتصور كل حاجة.
رفع الرجل إيديه وصرخ بأعلى صوته
أنا هشهد بكل حاجة! عندي نسخ من كل الملفات... وأسماء الدكاترة... والتحويلات المالية... وشهادات الوفاة المزورة... وكل الأدلة موجودة على الفلاشة.
وفجأة...
حسام بطل يقاوم.
بص حواليه بنظرة مختلفة.
مش نظرة رجل أعمال خايف على سمعته...
لكن نظرة واحد قرر يرتكب جريمة.
مد إيده ناحية وسطه.
وطلع مسدس.
في اللحظة دي...
الوقت كله وقف.
سمعت مدرسة بتصرخ.
وشفت نادية وهي على الأرض... بتضحك وسط دموعها.
وشفت مريم رافعة عينيها ناحيتي...
والخوف ماليهم.
وفجأة...
شريف اندفع بكل قوته ووقف قدام الطلقة.
صوت الرصاصة خرج مكتوم، كأنه فرقعة ألعاب نارية ملفوفة ببطانية تقيلة.
جسمه اتهز لورا، ووقع على إسفلت ساحة المدرسة، بينما بقعة دم حمرا كانت بتكبر بسرعة فوق قميصه الأبيض.
في نفس اللحظة، الظباط هجموا على حسام وطرحوه على الأرض بعنف، وثبتوه قبل ما يقدر يتحرك. المسدس وقع واتزحلق بعيد على الأرض.
أما نادية، فصرخت باسم جوزها بجنون، لكن محدش اهتم بيها.
الساحة كلها سكتت.
كل الناس كانت بتبص للمحامي وهو بينزف جنب شنط الأطفال المرسوم عليها أبطال الكرتون.
نزلت على ركبتي جنبه، ولسه ماسكة إيد مريم بكل قوتي.
رفع شريف عينه وبصلي.
كان الدم بيطلع من بين شفايفه مع كل نفس.
قال بصعوبة
سامحيني... عارف إن ده مش هيكفي... بس أرجوكي... سامحيني.
أنا كنت بكره الراجل ده من كل قلبي.
لكن في اللحظة دي...
ما قدرتش أتمنى له وجع أكتر من اللي هو فيه.
قلت بسرعة وأنا ببكي
إيمان فين؟
حاول ياخد نفس، لكن صدره كان بيطلع وينزل بالعافية.
وقال بصوت متقطع
البيت الآمن... ناحية الجبل... الباب الأحمر... وعليه رسمة ديك...
بدأت عينه تزوغ.
وقال آخر كلماته
متخليهمش... يقنعوا الناس... إنك كنتي مجنونة...
وبعدها...
جسمه سكن تمامًا.
البث المباشر ما اتقفلش ولا للحظة.
وده كان السبب الحقيقي اللي أنقذ حياتنا.
قبل ما عربيات الشرطة والإسعاف توصل المدرسة، كان مئات الآلاف بيتفرجوا على البث على الإنترنت.
وقبل ما محامي حسام الغاليين يحاولوا يصادروا موبايل المديرة، كانت أختها بالفعل بعتت الفيديو الخام لأكتر من قناة إخبارية كبيرة، وجرايد معروفة، وكمان صحفي استقصائي معروف إنه ما بيخافش من أصحاب النفوذ.
وقبل ما فريق حسام الإعلامي يحاول يلفق حكاية عن سوء تفاهم عائلي، كان ملايين الناس شافوا نادية وهي بتنادي بنتي باسم غير اسمها الحقيقي، وشافوا حسام وهو بيطلع مسدس جوه مدرسة ابتدائي.
في الليلة دي...
ما حدش فينا عرف ينام.
المحققين فضلوا ياخدوا أقوالنا لساعات طويلة.
سألوني أسئلة كانت بتوجع أكتر من أي جرح.
خلوني أحكيلهم كل تفاصيل يوم الدفن.
وروني أوراق وتقارير طبية مزورة علشان أتأكد من التوقيعات.
وسألوني كام مرة سمحولي أشوف
كل إجابة كنت بقولها...
كنت حاسة كأني بطلع حجر حاد مغروز في قلبي.
مريم ما سابتش إيدي لحظة واحدة.
ولما ظابطة طيبة ادتها كوب شوكولاتة سخنة، مسكته بإيديها الاتنين، وبصتلي بعينيها الصغيرين وقالت
هو... سريري لسه موجود في البيت؟
حسيت قلبي بينكسر من جديد.
ابتسمتلها وسط دموعي وقلت
أيوه يا حبيبتي... ولسه الملاية اللي عليها النجوم المضيئة مفروشة عليه زي ما هي.
ابتسمت ابتسامة خجولة وسألت
وأرنوبي... اللعبة القطنية... لسه عندي؟
هو كمان مستنيكي.
بصتلي بتردد، وسألت
هو زعلان مني علشان سبتّه؟
حضنتها قدام وكلاء النيابة، وأخصائيين نفس الأطفال، والمحققين.
وقلت وأنا بمسح على شعرها
محدش زعلان منك يا حبيبتي... إنتِ ما سبتيش حد... إنتِ اتخطفتي. وأنا هرجعك بيتك واحدة واحدة... لحد ما تحسي إن مكانك رجع زي الأول.
بعد تلات أيام...
قوات الأمن داهمت البيت اللي شريف وصف مكانه.
ولقوا إيمان.
كانت لسه عايشة.
لكن جسمها كله كان مليان آثار ضرب، ومحبوسة جوه مخزن بارد في مكان معزول، مربوطة في كرسي خشب، وعندها حرارة عالية، وضلعين مكسورين.
أول ما الإسعاف نقلها للمستشفى، أصرت إنها تشوفني قبل ما تسمح للدكاترة يعالجوها.
دخلت أوضة الطوارئ وأنا ماسكة إيد مريم.
أول ما إيمان شافتها...
انفجرت في العياط.
وقالت وهي بتبتسم وسط دموعها
عرفتِ تهربي... يا أشجع بنت شفتها في حياتي.
جريت مريم عليها، وحضنتها برفق.
أما أنا...
فضلت واقفة عند الباب، مش لاقية أي كلام أقوله للست اللي حمت بنتي واهتمت بيها، وأنا ما كانش في إيدي أعملها أي حاجة.
وأخيرًا قلت
شكرًا.
هزت إيمان راسها بتعب.
وقالت
ما تشكرنيش... أنا اتأخرت قوي قبل ما أعمل الصح.
وبعدها...
حكت كل حاجة للسلطات.
قالت إن نادية كانت عايشة في حالة انهيار نفسي كامل، ومقتنعة إن مريم هي بنتها اللي رجعت للحياة.
وقالت إنهم في أول الشهور كانوا بيدّوا لمريم مهدئات باستمرار علشان ما تعيطش ولا تسأل.
وعملولها حياة كاملة مزيفة...
صور عائلية مفبركة...
أعياد ميلاد تمثيلية.
وذكريات عمرها ما حصلت.
ولما مريم بدأت وهي نايمة تدندن الأغنية اللي كنت بغنيهالها عن القمر والأرنب...
نادية فقدت أعصابها تمامًا، وأمرت حسام يقفل كل شبابيك البيت بإحكام...
علشان...
الأم التانية ما
متابعة القراءة