اليوم اللي المدرسة اتصلت بيا حكايات صابرين
تعرفش تدخل.
الأم التانية...
ده كان الاسم اللي كانوا بينادوني بيه.
كأني شبح بيطاردهم.
لكن الأشباح...
ما بتقدمش بلاغات ضد المجرمين.
وما بتطلعش في البرامج التليفزيونية.
وما بتقفش قدام المحكمة تثبت علامات بنتها المميزة.
وما بتمسكش إيد بنتها وهي مستنية نتيجة تحليل ال.
التحليل أكد اللي قلبي كان عارفه من أول حضن أخدته منها.
مريم...
بنتي.
بعدها بكام يوم...
قرروا يفتحوا القبر.
رحت لوحدي.
ما أخدتش مريم معايا.
هي كانت شافت موت ورعب أكتر من اللي أي طفلة تستحمله.
وقفت قدام شاهد القبر اللي كان لسه شايل اسمها.
وحطيت صورتها القديمة بالزي المدرسي، والشيكولاتة اللي كانت على طرف بقها.
وهمست
لقيتك يا بنتي.
وقفت بعيد وأنا بتفرج على العمال وهم بيطلعوا النعش الصغير من التراب...
النعش اللي بكيت عليه لحد ما دموعي نشفت.
ولما الطب الشرعي فتحه...
أكد نفس الحقيقة اللي شريف قالها قبل ما يموت.
الطفلة اللي كانت جواه...
ما كانتش مريم.
كانت بنت تانية...
لها أهل تانيين...
وحكاية وجع تانية.
وقفت أبكي عليها هي كمان.
لأن الطفلة دي...
ما كانش ليها أي ذنب.
هي كمان كانت ضحية.
ضحايا ناس افتكروا إن الفلوس تقدر تشتري بنت، وتعوضهم
بعد شهور...
الدولة صادرت قصر عيلة السيوفي.
وفي أوضة الأطفال الزرقا...
رجال البحث الجنائي لقوا رسومات شمع كانت مستخبية ورا قطعة خشب مفكوكة.
ست شعرها غامق...
ماسكة إيد طفلة صغيرة.
قمر أصفر كبير.
أرنب رمادي.
ورسمة بيت...
مكتوب فوقه نفس الكلمة عشرات المرات.
ماما.
النيابة سلمتني الرسومات كلها.
وفي نفس الليلة، علقتها على حيطة أوضة نومي، جنب الرسومات الجديدة اللي مريم بدأت ترسمها وهي بتتعالج نفسيًا.
في الأول...
كل رسوماتها كانت حزينة.
بيوت من غير شبابيك.
ستات من غير بؤ.
وبنات صغيرين محبوسين ورا أبواب تقيلة.
لكن مع الوقت...
الألوان رجعت تاني.
شمس مبتسمة.
كلب جولدن كانت نفسها تربيه.
سرير عليه ملاية مليانة نجوم.
وأخيرًا...
رسمة ليا وليها واقفين تحت الشمس.
كنت مرسومة فيها بإيدين كبار جدًا.
ضحكت وسألتها
رسماني بإيدين كبار ليه؟
ابتسمت بخجل وقالت
علشان لما بتخافي... بتحضنيني بيهم.
فضلت القضية في المحاكم حوالي سنة.
وحسام كان أول واحد اتحكم عليه.
وبعده مسؤولي المستشفى الفاسدين.
وبعدهم موظفين شاركوا في تزوير الأوراق.
أما نادية...
فكانت بتصرخ في كل جلسة، وتقول إن مريم بنتها،
ولما القاضي نطق بالحكم النهائي...
كانت مريم قاعدة في حضني.
كبرت شوية.
وشعرها بقى مضفور.
لكن كانت لسه بتعض شفايفها لما المكان يبقى صوته عالي.
قبل ما العساكر ياخدوا نادية...
لفت ناحيتنا، وقالت بحقد
هتشتاقلي.
رفعت مريم راسها بشجاعة، وقالت
أنا هتعافى منك.
يمكن كانت أقوى جملة سمعتها في حياتي كلها.
وفي الليلة دي...
رجعنا بيتنا.
قبل النوم، بصتلي مريم وقالت
ماما... غنيلي.
وقفت مكاني.
من يوم ما رجعتلي...
ما طلبتش الأغنية دي.
وأنا كمان ما كانش عندي الشجاعة أغنيهالها.
قعدت على طرف السرير.
النور الهادي داخل من طرقة البيت.
وأرنبها القماشي القديم في حضنها.
والندبة الصغيرة اللي فوق حاجبها بتلمع في الضوء الخافت.
سألتني
فاكرة الأغنية؟
دموعي نزلت.
وقلت
فاكرة كل كلمة فيها.
وبدأت أغني بهدوء
طلع القمر يتمشى...
ومعاه أرنب صغير...
بيدوروا على بنت تايهة...
ونفسها ترجع بيتها...
قفلت مريم عينيها.
وقالت بنعاس
ماما...
قلت
نعم يا روح ماما؟
همست
وأنا في البيت التاني... ساعات كنت بنسى ملامح وشك... لكن عمري ما نسيت صوتك... يمكن علشان كده... ما بقيتش واحدة منهم.
انحنيت وبست جبينها.
وقلت
إنتِ عمرك
سألتني
ولو خفت تاني؟
قلت
صحيني.
حتى لو كان نص الليل؟
حتى لو كان.
حتى لو كنتي تعبانة؟
ابتسمت وسط دموعي.
حتى لو كنت مكسورة.
فتحت عينيها وبصتلي.
وقالت
أنا مش عايزاكي تبقي مكسورة تاني يا ماما.
ابتسمت ومسحت دموعي.
وقلت
يبقى هنتعافى سوا.
نامت بهدوء.
وفضلت أدندن نفس اللحن لحد ما نفسها انتظم.
برا...
الحياة كانت ماشية عادي.
عربيات.
كلاب بتنبح.
وصوت إسعاف بعيد.
لكن جوا بيتنا...
ولأول مرة من سنتين...
كل حاجة رجعت مكانها.
الصورة اللي كانت على رخامة المطبخ...
ما بقتش ذكرى لموت.
بقت ذكرى لحياة.
القبر ما بقاش شايل اسم بنتي.
والفراغ اللي كان جوا قلبي...
اختفى.
أما مريم...
بنتي الجميلة...
البنت اللي افتكرتها ماتت...
فكانت نايمة في أمان، وإيدي قريبة منها.
وساعتها فهمت حاجة محدش علمني إياها.
الحياة ساعات ما بترجعلكش اللي خدته منك وهو زي الأول.
بترجعه مجروح...
ومتغير...
ومليان كوابيس وأسئلة.
لكن...
بترجعه وهو لسه بيتنفس.
وطول ما مريم بتتنفس...
أنا كمان هفضل عايشة.
طفيت الأباجورة.
ومن وسط النوم همست
ماما... هتوديني المدرسة بكرة؟
قلبي دق بقوة.
ابتسمت وقلت
متأكدة إنك جاهزة؟
همست
أيوه..
مديت إيدي في الضلمة، ومسكت إيدها الصغيرة.
وقلت بوعد عمري ما هحنث بيه
المرة دي... عمري ما هسيبك تغيبي عن عيني تاني.