طول ستين سنة كنت مقتنعة إن أحمد مات
طول ستين سنة كنت مقتنعة إن أحمد مات في الحرب، لحد ما وقف قدام باب بيتي راجل غريب، يشبهه كأنه صورته بعد العمر كله وحط في إيدي صندوقًا أزرق وقال أبويا فضل شايل الأمانة دي طول عمره وقبل ما يموت وصاني ما تفتحهاش غير الحاجة أمينة ولما فتحت الصندوق وشفت اللي جواه اتمنيت لو كنت فضلت طول عمري فاكرة إن أحمد مات وما عرفتش الحقيقة أبدًا.
الغريب حط الصندوق الأزرق على الترابيزة بهدوء، بين باقة الورد الأحمر وفنجان القهوة اللي لسه ما شربتش منه ولا رشفة.
وقال بصوت هادي
أنا وعدت حد... ومهما حصل، كان لازم الأمانة دي توصل لحضرتك.
إيده كانت بتترعش.
وإيدي أنا كمان كانت بترتعش زيه.
كل ما أبص في وشه، كنت أشوف أحمد.
نفس العيون الزرقا.
نفس الابتسامة المايلة.
وحتى الغمازة الصغيرة اللي كانت في دقنه.
كأن الزمن رجّعلي حبيبي بعد أكتر من ستين سنة... لكن في صورة راجل أكبر.
بصيت له وأنا مش مستوعبة، وسألته
إنت مين؟
قبل ما يرد، بنت أختي مريم دخلت الكافيه بسرعة.
أول ما شفتها، بصيتلها بصدمة وقلت
إنتي كنتي عارفة؟
وقفت جنب الترابيزة وقالت بهدوء
يا خالتي أمينة... كنت أعرف إن فيه راجل لقى حاجة ممكن تكون من حقك.
بس كنت عايزة أتأكد الأول... ما كنتش عايزة أرجع الأمل لقلبك من غير دليل.
سحبت الصندوق ناحيتي، وأنا باصة لها بعتاب.
وقلت
أنا شايلة الأمل ده بقالي اتنين وستين سنة... ما
نزلت عينيها في الأرض وقالت
معاكي حق... سامحيني.
الشاب بصلي وقال
افتحيه... لو سمحتي.
ببطء شديد، رفعت غطا الصندوق.
كان فيه خاتم فضة.
وتحته صورة قديمة باهتة.
أنا وأحمد واقفين تحت الشجرة اللي ودعني عندها آخر مرة.
كان عندي تمنطاشر سنة، ولابسة فستان أصفر كان دايمًا يقول إنه أجمل لون عليا.
وأحمد واقف ورايا، حاضني من كتافي وهو بيضحك.
قلبي اتقبض.
قلّبت الصورة.
ولقيت بخطه اللي مستحيل أنساه مكتوب
يا أمينة... هرجعلك مهما طال الغياب.
حسيت إن الكرسي بيتحرك من تحتي.
وكل قوتي راحت في لحظة.
في الترابيزة اللي جنبنا، كانت فيه طفلة صغيرة بتاكل آيس كريم.
بصتلي وسابت المنديل اللي في إيديها قدامي وقالت بصوت بريء
اتفضلي.
ابتسمت وسط دموعي، وأخدت المنديل.
الشاب قرب مني شوية، وقال
أنا اسمي يوسف.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
وأحمد... هو أبويا.
بصيت له من جديد.
المرة دي ما شفتش شبه أحمد وبس...
شفت ابنه.
هزيت راسي بعنف، وقلت
مستحيل... أحمد مات.
رد بهدوء
الكل افتكر كده.
اتقال إنه مفقود... وبعد سنين أعلنوا وفاته.
قلت وأنا دموعي بتنزل
أمه بنفسها جت بيتنا... وقالتلنا إنه راح ومش هيرجع تاني.
فضل يوسف ساكت ثواني، وبعدها قال
وده اللي كانوا مصدقينه كلهم... لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
يعني إيه الحقيقة كانت مختلفة؟
أخذ يوسف نفسًا طويلًا وقال
أبويا
بعد الإصابة اللي اتعرض لها في الحرب، حصل لخبطة كبيرة في هويته، وسجلاته فضلت سنين طويلة غلط.
ولما اكتشفوا الحقيقة وصححوا أوراقه... كانت جدتي توفت، والبيت القديم اتباع، وما بقاش فيه أي حد يعرف يوصل لحضرتك.
فضلت أبصله من غير ما أرمش.
أحمد...
كان عايش.
وأنا قضيت اتنين وستين سنة أبكي على راجل كنت فاكرة إنه مات...
وهو كان بيتنفس تحت نفس السما.
سألته وأنا صوتي كله رجفة
كان فين طول السنين دي؟
بص يوسف ناحية بنت أختي مريم لحظة، وبعدها رجع بصلي.
وقال
أبويا اتصاب إصابة قوية في رأسه وقت الحرب.
الإصابة أثرت على ذاكرته، ولما كبر في السن أصيب بالخرف، وبقت الذكريات بتضيع منه أكتر.
همست وأنا مش مصدقة
نسي... نسي وجودي؟
هز راسه بحزن.
وقال
نسي أغلب حياته اللي كانت قبل الإصابة.
ضحكة صغيرة خرجت مني غصب عني.
ضحكة كلها وجع.
إزاي العمر كله يضيع... بسبب ذكرى راحت من عقل إنسان؟
يوسف فتح ملف كان معاه، وحطه قدامي جنب الصندوق.
قلت وأنا ببص للأوراق
عرفت توصل لي إزاي؟
قال
الصورة اللي كانت جوه الصندوق، وصفحة قديمة من كتاب المدرسة، هما اللي بدأوا الرحلة.
فضلت أدور لحد ما لقيت مقال بيتكلم عن شغلك التطوعي مع الأطفال.
مريم اتكلمت بهدوء
ولما اتأكدت إن أوراقه كلها صحيحة... قلت له إنك كل سنة، في يوم ميلادك، بتروحي عند الشجرة اللي كنتوا بتقابلوا بعض تحتها.
نزلت عيني على
كان النهارده عيد ميلاد أحمد.
وفجأة افتكرت كل الناس اللي كانوا بيسألوني طول السنين
ليه ما اتجوزتيش؟
والإجابة عمرها ما اتغيرت.
لأني ما بطلتش أحب أحمد يوم واحد.
اتعرفنا على بعض وإحنا في المدرسة.
وكنا نقعد بالساعات تحت الشجرة، نحلم بالبيت اللي هنبنيه، والأولاد اللي هنربيهم، والعمر اللي هنقضيه سوا.
لحد ما جه يوم استدعاؤه للخدمة.
في الليلة الأخيرة، فضلنا قاعدين تحت الشجرة لحد الفجر.
كان ماسك إيدي بكل قوته، وقال
مهما طول الغياب... هرجعلك.
وبعد سنة، أمه خبطت على باب بيتنا وهي منهارة.
قالت إن أحمد بقى من المفقودين.
وبعدها بكام شهر أعلنوا وفاته.
ومن يومها...
ما قدرتش أفتح قلبي لحد غيره.
كل الحب اللي كان جوايا، وزعته على الأطفال المرضى، وعلى كل إنسان محتاج كلمة طيبة أو حضن يهون عليه الدنيا.
مكنش ده بيعوض غيابه...
بس كان بيخليني أعرف أكمل.
كل سنة، كنت أرجع لنفس الشجرة، شايلة ورد أحمر، وأقرأ له الفاتحة.
بصيت ليوسف وسألته
ليه جيت النهارده؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
لأن أبويا هو اللي طلب مني أدور عليكي.
شدّيت المنديل اللي ادتهولي الطفلة بين صوابعي.
وكملت أسمع.
قال
من شهر نقلته لمركز رعاية، ولما كنا بنرتب حاجته، لقيت الصندوق الأزرق مقفول جوه درج قديم.
أول ما شافه، اتأثر جدًا.
وفي لحظة نادرة رجعت له ذاكرته، وقال جملة واحدة.
وقفت أنفاسي.
يوسف بصلي وقال
قال... لازم الصندوق يوصل لأمينة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الاسم ده...
ما كانش بيناديني بيه غير أحمد.
سألته