طول ستين سنة كنت مقتنعة إن أحمد مات

لمحة نيوز

بسرعة
هو بخير؟
هز رأسه ببطء.
لسه عايش...
لكن حالته الصحية بتتدهور يوم بعد يوم.
لأول مرة، وأنا ببص في وش يوسف، ما شفتش شبه أحمد وبس.
شفت ابن بيستعد يودع أبوه.
مريم قالت برقة
إحنا ممكن نوصلك البيت، وتفكري براحتك.
يوسف قفل الصندوق الأزرق بهدوء.
وقال
مش لازم تاخدي قرار دلوقتي.
بصيت لمريم.
قرار إيه؟
رجعت الخاتم مكانه جوه الصندوق.
بقالي اتنين وستين سنة بكلم أحمد... كأني متأكدة إنه لسه سامعني.
سكت لحظة، وبعدين كملت
ولو هو قريب لدرجة إنه يقدر يرد عليّ... فأنا مش هستنى يوم كمان.
بصيت في عيون يوسف وقلت من غير تردد
وديني له.
طول الطريق، العربية كانت ساكتة.
كل واحد فينا غرقان في أفكاره.
وبعدين سألت السؤال اللي كان محيرني.
أحمد... كان بيفتكرني؟
يوسف رد وهو مركز في الطريق
كان بيفتكر الإحساس أكتر من الأسماء.
كان ساعات يحكي عن بنت لابسة فستان أصفر... وإيديها كانت بتترعش.
همست من غير ما أحس
دي أنا.
وبصيت من الشباك وأنا بابتسم وسط دموعي.
آخر ليلة قبل ما يسافر، لبست الفستان الأصفر.
كان دايمًا يقول لي إن اللون ده بيخليني شبه الشمس... وإنه بيطمن أول ما يشوفني.
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
أبويا كان دايمًا يقول إن الشجاعة مش معناها إن الإنسان ما يخافش... الشجاعة إنه يخاف، وبرغم كده يكمل.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت
الكلام ده كان أنا اللي بقوله له.
لحظة واحدة...
وش يوسف بقى نسخة من أحمد وهو شاب.
اضطريت ألف وشي ناحية الشباك.
واتخيلت العمر اللي
كان ممكن نعيشه سوا...
والابن اللي كان ممكن يبقى ابننا.
لكن كان فيه سؤال لازم أعرف إجابته.
سألته بهدوء
هو... اتجوز؟
إيد يوسف شدت على الدركسيون.
ورد بكلمة واحدة.
أيوه.
الكلمة نزلت على قلبي تقيلة.
لكنني حاولت أتماسك.
مين كانت؟
قال
أمي.
هي اللي كانت بتعالجه بعد ما رجع.
سألته
كانت تعرف إن كان فيه واحدة في حياته قبل الحرب؟
هز رأسه.
أيوه.
لكن عمرها ما عرفت اسمك.
سكت شوية، وبعدين سألت أصعب سؤال.
حبها؟
فضل يوسف ساكت كام ثانية.
وبعدين قال
أيوه... حبها.
غمضت عيني.
الغريب إني ما حسيتش بغيرة.
ولا غضب.
كل اللي شوفته في خيالي كان شاب مكسور، رجع من الحرب وهو فاقد ذكرياته، وبيحاول يبدأ حياته من جديد.
سألته
وأمك؟
قال بصوت هادي
توفيت من خمس سنين.
قلت بإخلاص
الله يرحمها.
بص لي وقال
كانت ست طيبة.
عرفت من نبرة صوته إنه بيقول الحقيقة.
وصلنا دار الرعاية.
استقبلتنا الممرضة عند الباب وقالت
لازم تكوني مستعدة... ممكن ما يعرفكيش.
ولو اتوتر أو تعب، هنضطر ننهي الزيارة.
هزيت راسي بهدوء.
بقالي اتنين وستين سنة، أحمد في ذاكرتي عنده تمنطاشر سنة.
شعره الأسود.
ضحكته.
وإيده الدافية وهي ماسكة إيدي.
لكن ورا الباب...
كان فيه راجل عنده تمانين سنة.
راجل الزمن غيره.
وقفت قدام الباب، وحسيت رجلي تقيلة.
همست
ولو ما بقاش فاضل أي حاجة من اللي كان بينا؟
يوسف قال برفق
ممكن ترجعي لو مش قادرة.
ومريم مسكت إيدي.
لكنني هزيت راسي.
وقلت
أنا ما جيتش كل المسافة دي علشان أخاف وأنا واقفة
قدام الباب.
دخلت.
كان أحمد قاعد على كرسي متحرك، جنب الشباك.
بعد ثواني لف وشه ناحيتنا.
السنين غيرت ملامحه...
لكن عيونه...
كانت هي هي.
قلبي عرفه قبل عيني.
يوسف قرب منه وقال
يا أبي... فيه حد جه يشوفك.
بص لي أحمد باحترام، كأني غريبة.
وفي اللحظة دي...
الأمل اللي كنت شايله السنين دي كلها، سكت.
ابتسمت رغم الوجع.
وقلت
أنا أمينة.
ردد الاسم بهدوء
أمينة.
لكن ما كانش فيه أي علامة إنه افتكرني.
قعدت جنبه.
وفتحت الصندوق الأزرق.
بص للخاتم الفضة.
وقال بابتسامة بسيطة
خاتم جميل.
يوسف كان هيقرب، لكنني رفعت إيدي ومنعته.
ما كنتش عايزة حد يحميني من الحقيقة.
سألته برقة
فاكر الشجرة الكبيرة اللي كنا بنقعد تحتها؟
قطب جبينه.
قلت
فاكر الفستان الأصفر؟
بدأت صوابعه تخبط بخفة على البطانية، وعرفت إنه اتوتر.
الممرضة قالت بهدوء
كفاية النهارده.
خرجت للطرقة.
واسندت ضهري على الحيطة.
مش قادرة أقف.
مريم حضنتني بقوة.
همست وهي بتعيط
يا خالتي أمينة...
قلت وأنا باصة قدامي
هو رجع...
بس الجزء اللي كان فاكرني... ما رجعش.
يوسف كان بيمسح دموعه.
وبص لي باستغراب لما قلت
ينفع أجيله تاني؟
قال بدهشة
بعد كل اللي حصل... لسه عايزة تشوفيه؟
ابتسمت بحزن.
أنا نفسي مش عارفة أنا عايزة إيه.
لكن عارفة إني لسه مش مستعدة أمشي.
رجعت بعد يومين.
وبعدين رجعت مرتين الأسبوع اللي بعده.
ومع الوقت...
بطلت أطلع له الخاتم.
وبطلت أسأله إذا كان افتكرني.
كنت بقعد جنبه وبس.
ساعات يسمعني وأنا بقرأ.
وساعات
ينام.
وفي يوم، ناداني باسم مراته.
الوجع كان كبير.
لكنني ما صححتلوش.
بص لي بإحراج وقال
أنا كل يوم بنسى ناس.
في دماغي... وفي الحقيقة.
وفي زيارة تانية، كنت بقرأ له قصة.
قاطعني فجأة وقال
الراجل ده بيتكلم كتير.
قفلت الكتاب وضحكت.
وقلت
إنت كمان اتكلمت ليلة كاملة.
بص لي باستغراب.
بجد؟
ابتسمت.
تحت الشجرة.
سألني
وطلع الكلام جاب نتيجة؟
ضحكت وسط دموعي.
وقلت
فضل عايش في قلبي أكتر من ستين سنة.
ابتسم...
من غير ما يعرف ليه.
وفي يوم، يوسف وقفني في الممر.
وقال
اللي بيحصل ده بيوجعك يا حاجة أمينة.
يمكن الأفضل تقللي زياراتك.
بصيت له.
وقلت
إنت اللي جبتني له... ودلوقتي عايزني أختفي؟
قال وهو بيحاول يمسك دموعه
أنا فقدت أمي...
وأبويا بيموت قدام عيني.
ومش قادر أشوفك بتتكسري كل مرة بينساكي فيها.
وقتها فهمته.
هو ما كانش بيبعدني.
هو كان خايف يخسر شخص تاني.
حطيت إيدي على إيده.
وقلت بهدوء
اطمن.
أنا مش هجبره يفتكر.
ولا هخليه يختار بين أمك وبيني.
أنا بس عايزة أقعد جنبه... في الوقت اللي باقي له من عمره.
هز يوسف راسه ببطء.
وقال
حاضر.
وبعدين ابتسم لأول مرة من أيام.
وقال
بس إنتي كمان... مش لازم تشيلي الحمل كله لوحدك.
وبعد كام أسبوع...
يوسف رتب لنا خروجة قصيرة برا دار الرعاية.
يوسف خد أحمد في يوم مشمس، ورجعه لنفس الشجرة اللي بدأت عندها الحكاية.
مريم وقفت بعيد شوية، بينما يوسف زق الكرسي المتحرك لحد ما وصل تحت ظل الشجرة، وبعدها سابنا لوحدنا في هدوء.
ركعت على الأرض.

طلعت وردة حمرا من الباقة، وحطيتها في إيد أحمد.
فضل يبص لها شوية، ويمرر صوابعه على بتلاتها برقة.
قلت بصوت واطي
فاكر؟
قعدنا هنا ليلة كاملة... لحد ما الشمس طلعت.
فضل ساكت.
وبعدين رفع عينه ناحيتي.
وقال فجأة
إنتي وعدتيني...
تم نسخ الرابط