اختفى ابني بلال منذ خمسة عشر عامًا
المحتويات
للشاب وأنا مش قادرة أنطق، شفايفي بتترعش بلال؟ أنت.. أنت عارف إحنا مين؟
الشاب رجع خطوتين لورا وسند على الحيطة، وعيونه مليانة غل ووجع وخوف.. ميكس غريب يكسر القلب. همس بصوت مخنوق ومتحشرج عارف؟ أنا عيشت 15 سنة بموت كل يوم وأنا فاكر إنكم رميتوني.. فاكر إنكم أنتوا اللي بعتوني للراجل والست اللي ربوني هنا!
مصطفى صرخ من ورايا وعينه حمرا من الصدمة رميناك إيه وبِعناك إيه يا ابني؟! إحنا المباحث والبلد كلها قلبت الدنيا عليك! أنت بتقول إيه؟!
بلال ضحك ضحكة وجع، ضحكة مكسورة، وشاور بصباعه اللي بيترعش على البرواز الست اللي ربتني هنا، قبل ما تموت من سنتين، سابتلي ورق.. سابتلي جوابات ووصية بتقول فيها إنها اشترتني من جوز خالتني! قالتلي إن أهلي كانوا محتاجين فلوس واستغنوا عني عشان يخلفوا غيري! أنا عيشت طول عمري كاره نفسي وكارهكم.. كاره صورتك اللي بتطلعلي في الحلم وبقول إزاي الوش السمح ده يبيع ابنه؟!
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا، وركبي مبقتش شيلاني. رميت نفسي تحت رجليه ومسكت في بنطلونه وأنا بصوت وببكي بحرقة جوز خالتك؟ محمود؟! محمود اللي كان بايت معانا في البيت اليوم ده وقال إنه هيدور عليك معانا؟! يا حبيبي
يا ابني.. ده خطفك! ده ضحك علينا
بلال بص لمصطفى اللي كان واقف بيعيط ومنهار تماماً، ورجع بصلي وأنا تحت رجليه. النمش الخفيف اللي عند مناخيره بدأ يظهر أكتر مع حمار وشه من العياط. نزل على ركبه وقعد قدامي، ولمس إيدي بتوجس، كأنه خايف يكتشف إن ده حلم.
بلال بصوت زي طفل عنده 10 سنين يعني.. يعني أنتوا مبعتونيش؟ أنتوا كنتوا بتدوروا عليا فعلاً؟
مصطفى قعد جنبنا على الأرض، وبقى بيصرخ وهو دافن وشه في كتفه إحنا من غيرك كنا جثث عايشة يا بلال.. إحنا رجعنالك يا حبيب أبوك، رجعنالك خلاص.
............
بلال بدأ يهدا شوية، بس كان لسه بيترعش. رفع راسه من على كتفي وبص في عيني، ومسح دموعه بكف إيده بنفس الحركة اللي كان بيعملها وهو صغير. همس وهو مش مصدق أنا مش قادر أستوعب.. محمود؟ جوز خالتي أمل؟ هو اللي عمل فينا كده؟ هو اللي حرمني منكم وعيشني العمر ده كله في كذبة؟
مصطفى اتنهد بنار قايدة في صدره، ومسك إيد بلال وضغط عليها وحياة دموع أمك والكسرة اللي عشناها، وحقك اللي ضاع في الغربة دي، ما هسيبه.. الحساب معاه هيبقى
عسير يا بلال، بس المرة دي وإحنا إيد واحدة، وأنت في وسطنا.
بلال قام وقف وشدنا معاه، كان بيبص للشقة بحيرة، كأنه بيودع المكان اللي عاش فيه غريب ومخدوع. التفت للبرواز اللي على الحيطة، ومد إيده وبدأ يشيل مقصوصات الجرايد وصورنا القديمة واحدة ورا واحدة، وقطع العلامات الحمراء اللي كان عاملها، ورماها على الأرض.
بصلي وابتسم ابتسامة خفيفة، الابتسامة المألوفة اللي دورت عليها 15 سنة، وقال أنا مش عايز أي حاجة من المكان ده تاني.. أنا عايز أرجع معاكم، عايز أشوف بيتنا، وأشوف أوضتي.. هي لسه موجودة؟
مقدرتش أتمالك نفسي من الفرحة، مسكت وشه بين إيديا وبوسته الأوضة زي ما سبتها يا قلب أمك، حاجتك ولعبك وهدومك.. كل حاجة كانت مستنياك ومستنية اليوم اللي ترجع فيه تنورها.
مصطفى شال كشكول الرسم بتاع بلال من على الأرض ودب على كتفه يلا بينا يا ابني.. يلا نرجع لحياتنا اللي وقفت من يوم ما مشيت.
خرجنا من الشقة وإحنا ماسكين في إيد بعض، تلاتة مش اتنين زي ما جينا. وإحنا نازلين على السلم، حسيت إن الهوا بقى أخف، وإن الحمل اللي كان كاتم على نفسي طول السنين دي انزاح تماماً. ركبنا العربية، وبلال قعد في النص بينا، وبدأ يدندن بصوت واطي أغنية صغيرة
من اللي كان بيألفها زمان.. ساعتها بس، اتأكدت إن كابوسنا انتهى، وإن
............
الطريق كله كان هادي، ومصطفى كان سايق وعينه كل شوية تيجي في المراية يبص على بلال، كأنه بيتأكد إننا مش في حلم وهنصحى منه. بلال كان باصص من الشباك، والدموع المحبوسة في عينه بتلمع مع نور كشافات الطريق.
سكت شوية، وبعدين التفت ليا وقال بصوت واطي أنا كنت دايماً بحس بحاجة ناقصاني.. حتى الست اللي ربتني، الله يرحمها، كانت حنينة عليا وكل حاجة، بس عمري ما حسيت بالأمان الكامل معاها. كنت بحس إن فيه خيط مقطوع مش عارف أوصله.. لحد ما شوفتك في الحلم، ولما رسمتك، حسيت إن روحي هي اللي بترسم مش إيدي.
مسكت إيده وبستها عشان الدم بيحن يا قلب أمك.. الخيط ده عمره ما انقطع، ده كان واصل بين قلبي وقلبك طول ال 15 سنة.
مصطفى اتكلم وهو باصص قدامه وعروق إيده مشدودة على الدريكسيون إحنا أول ما نوصل، هنطلع على القسم علطول.. البلاغ القديم هيتفتح، ومحمود ده لازم يتجاب حتة حتة. السنين اللي سرقها من عمرنا مش هتعوضها فلوس الدنيا، بس ناره لازم تطفي بالسجن.
بلال هز راسه وقال أنا معايا كل الورق والجوابات اللي الست دي شالتها.. فيها خط إيده وهو بيستلم
الفلوس، وفيها تفاصيل
اتفاقهم إنه هيسفرني المحافظة دي ومحدش هيعرفلي طريق.
متابعة القراءة