اختفى ابني بلال منذ خمسة عشر عامًا

لمحة نيوز

وأقوله إنه دمر حياتي.
وصلنا الحتة بتاعتنا على الفجر.. الشوارع كانت هادية وساكتة، بس أول ما العربية وقفت قدام بيتنا القديم، بلال نزل وبص للعمارة بنظرة طويلة.. نظرة واحد بيسترد روحه. مشي خطوة خطوة لحد مدخل العمارة، وأنا ومصطفى وراه، سانشينه ومطمنينه.
طلعنا الشقة، وأول ما مصطفى فتح الباب بالمفتاح، بلال وقف على العتبة ومكنش قارد يدخل. بص للصالة، للكنبة اللي كان بيتنطط عليها، للصور التعلقة على الحيطة..
دخلت وراه وفتحت باب أوضته القديمة.. الأوضة كانت نضيفة وزي ما هي، سريره الصغير، ومكتبه، وحتى دبدوبه اللي كان بينام بيه.
بلال دخل الأوضة، قعد على السرير، وحط وشه بين إيديه وبدأ يعيط، بس المرة دي مكنش عياط وجع.. كان عياط راحة.. عياط النهاية السعيدة اللي استنيناها العمر كله. رحنا أنا ومصطفى وقعدنا جنبه، وضميناه لينا وإحنا عارفين إن من اللحظة دي، مفيش غياب تاني، ومفيش قوة في الدنيا هتقدر تبعدنا عن بعض.
............. 
الصبح طلع، ونور الشمس دخل من شباك الأوضة وكسر العتمة اللي عشنا فيها سنين. بلال رفع راسه وبص حواليه، وكأنه لأول مرة يشوف الدنيا بملامح واضحة ومن غير خوف.
مصطفى وقف ومسح وشه بتعب، بس عينه
كانت مليانة إصرار يلا يا بلال.. يلا يا منى. مفيش
وقت نضيعه، لازم نقفل الصفحة دي عشان نعرف نعيش اللي باقي من عمرنا.
لمينا الورق والجوابات والبرواز اللي بلال جابه معاه من الشقة القديمة، ونزلنا. طول الطريق للقسم، بلال كان ماسك في إيدي جامد، كأنه لسه بيطمن نفسه إننا معاه. دخلنا على رئيس المباحث، الراجل أول ما شافنا وعرف القصة ومصطفى ورّاه الورق، وقف من ورا مكتبه وهو مش مصدق.. القضية القديمة اللي كانت مقفولة ومكتوب عليها ضد مجهول اتفتحت في ثواني.
ساعتين بالظبط.. كنا قاعدين في مكتب الضابط، والباب اتفتح. دخل محمود.. جوز خالتي.
كان باين عليه العجز، وضهره محني، بس أول ما عينه جت عليا أنا ومصطفى، ولقى بلال قاعد في وسطنا، رجليه خبطت في بعضها والدم هرب من وشه تماماً.
مصطفى وقف وفضل باصص له بغل، صوته كان طالع زي الرعد كنت بتنام إزاي؟ بتنام إزاي وأنت حارمنا من ابننا 15 سنة؟ بتاكل وتشرب معانا في طبق واحد وأنت بايع لحمنا؟
محمود انهار.. وقع على ركبه وبدأ يخرف بالكلام ويقول كنت مزنوق في فلوس.. الشيطان وزني.. الست دي مكنتش بتخلف وكانت هتموت على عيل.. أنا قولت هيتربى في عز!
بلال قام من مكانه، مشي لحد ما وقف قدامه وبص له من فوق لتحت بوجع وقرف أنت مبعتنيش لست عشان تربيني في عز.. أنت بعتني
لعمر من الشك والخوف.. بعتني
لذنب عيشت شايله وأنا ماليش ذنب فيه. بس خلاص.. كدبك بح، وأنا رجعت لأهلي.
الضابط أخد أقوال بلال، وأمر بحبس محمود على ذمة التحقيق وسط صراخه وتوسلاته اللي مكنتش فارقة معانا بنكلة.
خرجنا من القسم وإحنا بنتنفس لأول مرة بجد. ركبنا العربية وبلال بيننا، ومصطفى دور العربية وبص لنا وابتسم على فين يا جماعة؟
بلال ضحك، الضحكة اللي ردت فيا الروح، وقال بصوت عالي وهو فرحان على البيت طبعاً.. أنا جعان جداً وعايز أكل من إيد أمي.
مسكت إيده وضغطت عليها وأنا ببص للسما وبحمد ربنا.. الكابوس انتهى، والوجع داب، والغايب مش بس رجع.. ده رجع ورجّع معاه روحي اللي كانت ضايعة.
.......... 
أول ما وصلنا البيت، الحتة كلها كانت مقلوبة. الجيران اللي عاشوا معانا الوجع سنين، أول ما شافوا بلال نازل من العربية وواقف بطوله، الزغاريط ملأت الشارع، والناس بقت بتكبر فيه وهم مش مصدقين. بلال كان مكسوف وبيداري وشه في كتف أبوه، بس عينيه كانت بتلمع بفرحة عمره ما عاشها قبل كده.
دخلنا الشقة وقفلنا الباب علينا، وأخيراً حسيت بالهدوء اللي كنت محرومة منه. دخلت المطبخ وإيديا لسه بترتعش من الفرحة، وعملتله كل الأكل اللي كان بيحبه وهو صغير.. المكرونة البشاميل والفراخ المحمرة اللي كان دايماً يطلبها.
قعدنا
على السفرة تلاتتنا، ومصطفى كان عمال يحط الأكل قدام بلال ويقوله كل يا حبيبي.. كل وعوض الأيام اللي فاتت.
بلال أكل أول لقمة، وبصلي وعينيه دمعت نفس الطعم اللي كنت دايماً بألف عليه أغاني وأنا صغير.. أنا كنت فاكر إني نسيته، بس طلعت فاكره كويس أوي.
بعد الأكل، دخلنا الأوضة القديمة. بلال قعد على السرير ومسك كشكول الرسم بتاعه، وطلع القلم وبدأ يرسم. رحت قعدت جنبه ومصطفى جه سند ضهره على الباب وبقى يتأملنا وهو مبتسم.
بصيت على اللوحة ولقيته بيرسمنا تلاتتنا وإحنا واقفين في البلكونة والشمس طالعة علينا، والمرة دي ملامحنا كلنا كانت بتضحك.. مفيش علامات حمراء، ومفيش كوابيس.
التفت ليا ووشوشني عارفة يا أمي.. أنا طول السنين اللي فاتت كنت برسم عشان أهرب من الواقع اللي أنا مش طايقه، بس من النهاردة، أنا هرسم عشان خايف دقيقة واحدة تفوتني وأنا معاكم ومن غير ما أسجلها.
مصطفى قرب مننا وقال بصوت مليان حنان المرادي يا بلال، الرسم هيبقى حقيقة.. مفيش أوهام تاني، ومفيش غياب.
سندت راسي على كتف ابني، وأنا شامة ريحته اللي رجعتلي بعد طول غياب. وبقيت باصة للسما من الشباك وبقول في سري الحمد لله.. نمش وشه الصغير كبر
وبقى راجل، والوجع اللي كان عشش في قلبي 15 سنة، اتبخر في ثانية واحدة.
.
ثانية رجوعك يا بلال.
تمت

تم نسخ الرابط