في الصبح اللي بنتي قالتلي فيه إنها باعت بيتي

لمحة نيوز

في الصبح اللي بنتي قالتلي فيه إنها باعت بيتي، كنت واقفة في المطبخ لابسة روب أزرق قديم، وماسكة فنجان القهوة بتاعي.
بنتي مريم كانت قاعدة على السفرة، قدامها موبايلها وشنطة جلد، وشكلها كأنها جاية اجتماع شغل، مش زيارة لأمها.
أنا اسمي دولت عبد الرحيم، عندي تلاتة وسبعين سنة، وعشت في البيت ده واحد وأربعين سنة.
أنا وجوزي الحاج محمود اشتريناه سنة 1983، وقتها الشجرة اللي قدام البيت كانت لسه صغيرة.
الحاج محمود توفى من تمن سنين، لكن البيت فضل شايل كل ذكرى عشناها سوا.
مريم بصتلي وقالت بهدوء
لقيت مشتري مناسب، ووافقت على عرض ممتاز. أنا وجوزي اتكلمنا مع مستشار مالي، وكمان اخترنالك دار إقامة محترمة للمسنين، هتكوني مرتاحة فيها.
بصيتلها بعدم تصديق.
وافقتي على بيع بيتي؟
قالت بمنتهى الثقة
وافقت بدلِك... لأنك كنتِ هتترددي.
قلت وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي
وإزاي مضيتي مكاني؟
قالت
استخدمت التوكيل العام اللي كنتِ عاملها لي من أربع سنين، لما عملتِ عملية تغيير مفصل الفخذ.
فعلاً... وقتها كنت مديالها توكيل عشان تدفع الفواتير وتتابع حسابين في البنك، لأني مكنتش قادرة أتحرك.
ولما خفيت...
نسيت ألغيه.
لكن هي...
ما نسيتش.
فضلت

تعددلي الأسباب اللي خلتها تشوف إن البيع هو الحل.
السلم بقى خطر.
السخان قديم.
السقف محتاج تصليح.
مدخل البيت بيتزحلق في الشتا.
وأهم من ده كله...
إني بقيت عايشة لوحدي.
سألتها
والمشتري هيستلم البيت إمتى؟
قالت
بعد ستين يوم.
قلت وأنا باصّة في عينيها
كان لازم تستأذنيني.
ردت من غير تردد
لو كنت سألتك، كنتِ هترفضي.
قلت
أيوه... كنت هرفض.
قالت بمنتهى البساطة
وعشان كده ما سألتكيش.
مريم ما كانتش إنسانة قاسية.
هي طول عمرها بتفتكر إن الحب معناه إنها تتحكم في كل حاجة صعبة.
كانت شايفة إن سني الكبير، ومصاريف صيانة البيت، بقوا خطر لازم تسيطر عليه.
لكنها نسيت أهم حاجة...
إني لسه إنسانة، ولسه من حقي أقرر مصيري بنفسي.
بعد الضهر، ابني أحمد كلمني من البصرة.
مريم كانت بلغته إن بيع البيت خبر حلو.
لكن أول ما سمع صوتي، عرف إن في حاجة غلط.
قال بحزن
سامحيني يا أمي.
قلتله
متعتذرش دلوقتي... الحكاية لسه ما خلصتش.
بعد ما قفلت معاه، فضلت ألف في البيت.
دخلت أوضة الحاج محمود.
بصيت للمكتبة الخشب اللي عملها بإيده، وكانت ميلة سنة بسيطة، وكان دايمًا يضحك ويقول إنها أحلى حاجة عملها.
وقفت قدام الشباك أبص للشجرة اللي
زرعناها سوا.

كل ركن في البيت كان بيحكي عمر كامل.
بعدها افتكرت صندوق حديد صغير تحت السرير.
فتحته، ولقيت التوكيل.
قعدت أقرأه كلمة كلمة.
واكتشفت حاجة قلبت كل الموازين.
التوكيل كان بيدي مريم حق تدير حسابات معينة، وتدفع المصاريف وقت مرضي المؤقت...
لكن مكنش فيه ولا كلمة واحدة بتديها حق تبيع البيت.
في نفس اليوم، اتصلت بالأستاذ عبد الرحمن السعدي، المحامي اللي كان بيتابع أوراق العيلة من سنين.
بعد ما قرأ التوكيل، قال بكل وضوح
بنتك استخدمت صلاحيات مش موجودة في التوكيل. وعقد البيع ممكن المحكمة تعتبره باطل.
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قلتله
لو رفعت قضية، ممكن أخسر بنتي.
قال
وارد.
قلت
ولو سكت؟
قال بهدوء
هتخسري بيتك بعد ستين يوم.
بصيت من الشباك ناحية الشجرة.
وقلت وأنا بحاول أمنع دموعي
الستين يوم دول مش مجرد مدة... دول واحد وأربعين سنة من عمري بيتحسبوا بالعد التنازلي.
وسألته
إيه أول خطوة لازم نعملها؟
في اليوم اللي بعده، مساعد الأستاذ عبد الرحمن جاب نسخة من عقد البيع.
مريم كانت مضية باسمها، وكتبت إنها بتتصرف بصفتها الوكيلة القانونية عني.
أما المشتريين...
كانوا زوجين محترمين، اسمهم يوسف وأسماء.
واضح إنهم
كانوا مقتنعين إن كل حاجة تمت بموافقتي، وإن بنتي بس بتخلص الإجراءات عشان سني الكبير.

أنا ما كنتش بلومهم.
هما دخلوا الصفقة بحسن نية.
المحامي قدم اعتراض رسمي للمحكمة، وطلب وقف نقل ملكية البيت لحد ما القضية تتراجع.
بعد أقل من ساعة، موبايلي رن.
كانت مريم.
أول ما رديت قالت بعصبية
إنتِ رفعتي قضية عليا؟
قلت بهدوء
لا... أنا اعترضت على عقد البيع.
قالت
أنا عملت كل ده عشان مصلحتك.
قلت
عارفة إنك مقتنعة بكده.
بدأت تقنعني من جديد.
قالت إني بقيت مش قادرة أدير البيت، وإن العيشة لوحدي بقت خطر، وإن رفض البيع كان هيبقى قرار غلط.
قلت لها وأنا باصصلها بثبات
حتى لو كان القرار غلط... كان لازم يبقى قراري أنا.
لأول مرة من بداية الكلام...
مريم سكتت، وما لقتش رد.
وبعدين قالت بتردد
طيب والزوجين اللي اشتروا البيت؟ هما سابوا الشقة اللي كانوا ساكنين فيها، وكانوا معتمدين إنهم هينقلوا عندك. دلوقتي هيضيع عليهم البيت.
قلت بهدوء
أنا زعلانة عليهم فعلًا، لأنهم ناس ملهمش ذنب. لكن أنا ما قلتلهمش إني وافقت على البيع... إنتِ اللي قولتي.
سكتت شوية.
وبعدين قالت بصوت مكسور
كنت فاكرة إني بساعدك.
ابتسمت بحزن.
عارفة.
قالت وهي بتمسح
دموعها

كل اللي كنت بشوفه هو المخاطر... السلم، ومدخل البيت، والتدفئة القديمة... وكل يوم كنت أتخيل إن يحصل لك حاجة وإنتِ لوحدك.
قلت لها
إنتِ كنتِ شايفة الخطر... وأنا كنت شايفة عمري كله.
وانفجرت في العياط.
وقالت
كان لازم أستأذنك.
قلت
أيوه.
قالت
بس كنت عارفة إنك هترفضي.
ابتسمت وقلت
حتى الرفض... كان حقي.
خلال الأسابيع اللي بعدها، الصورة بقت أوضح.

تم نسخ الرابط