في الصبح اللي بنتي قالتلي فيه إنها باعت بيتي

لمحة نيوز


كل المحامين أكدوا إن التوكيل ما كانش بيديها حق بيع البيت، وإن فرصتي في كسب القضية كانت كبيرة جدًا.
لكن رغم كل اللي حصل...
فضلت بفكر في الزوجين اللي اشتروا البيت.
هما ناس اتورطوا من غير أي ذنب.
رغم إن المحامي نصحني أسيب التواصل معاهما للمحكمة، أنا طلبت أكلم الوسيط العقاري.
بلغته إني مش هلوم المشترين، ومش هطالبهم بأي تعويض، لأنهم كانوا فاكرين إن كل حاجة قانونية.
بعد أيام قليلة، عرفت إنهم لقوا بيت تاني، واشترواه.
وقتها مريم بطلت تعاند.
وسحبت موافقتها على عقد البيع، واعترفت رسميًا إن الإجراءات لازم تتلغي.
وساعتها...
بيتي فضل بيتي.
بعد ما القضية خلصت، ابني أحمد جه يزورني.
أول ما دخل قال
عاملة إيه يا أمي؟
ابتسمت وقلت
أحسن من كويسة... اكتشفت إن في حاجات في حياتي تستاهل أحارب عشانها.
قعدنا نتكلم عن مريم.
أنا كنت فاهمة ليه عملت اللي عملته.
لما كان عندها سبع سنين، أبوها الحاج محمود تعب فجأة، واتنقل المستشفى.
فاكرة يومها كويس...
كانت واقفة في طرقة المستشفى، بتحاول تمنع نفسها من العياط، وكأن ثباتها هيمنع أي مصيبة تحصل.
من اليوم ده...
بقت فاكرة إن السيطرة على كل حاجة هي الطريقة الوحيدة اللي تقدر تحمي بيها اللي بتحبهم.
قلت لأحمد
أختك كانت خايفة... بصتلي وشافت مشكلة لازم تتحل.
سألني
يعني سامحتيها؟
قلت من غير تردد
أنا سامحتها من زمان.


استغرب وقال
بالسرعة دي؟
قلت
المسامحة مش معناها إن اللي حصل بقى عادي. أنا فاهمة ليه عملت كده، لكن الفهم عمره ما يبقى إذن إنها تعيد نفس الغلط.
لازم حاجة تتغير... وإلا هتكرر اللي عملته.
أول قرار خدته...
إني لغيت التوكيل القديم.
وعملت توكيل جديد، بصلاحيات محدودة جدًا، وواضحة، ومفيهاش أي مجال للتصرف في بيتي أو أملاكي.
وكمان...
أنا ومريم اتفقنا نبدأ جلسات علاج أسري.
أما البيت...
فهيفضل بيتي، وطول ما أنا عايزة أعيش فيه، محدش يقدر يقرر غيري.
لأن القرار ده...
ملكي أنا.
أول جلسة علاج كانت صعبة جدًا.
مريم دخلت وهي مستعدة تدافع عن نفسها.
لكن بعد شوية...
اتكلمت بصدق لأول مرة.
قالت
بعد وفاة بابا، كنت كل يوم أعدي من قدام البيت، وأتخيل التدفئة تعطلت، أو ماما وقعت على السلم، أو حصلت لها حاجة ومحدش عرف.
وأضافت وهي بتبكي
كنت فاكرة إني لما أسيطر على كل المخاطر... أبقى بحبها.
بصيتلها وقلت
إنتِ فعلًا كنتِ بتحاولي تحبيني... لكن نسيتي إن الحب يبدأ بسؤال، مش بقرار.
وسكت شوية، وبعدين كملت
أكتر حاجة وجعتني ما كانتش محاولة بيع البيت...
اللي وجعني إن بنتي بصتلي، وما شافتش أمها...
شافت مشكلة.
قلت لها وأنا دموعي نازلة
أنا ربيتك في البيت ده... وأبوك عاش آخر أيامه فيه... وبعد وفاته، قضيت فيه تمن سنين بحارب الحزن، لحد ما وقفت على رجلي من جديد.
البيت
ده مش شوية طوب وإسمنت...

ولا مجرد أصل يتباع ويتشترى.
البيت ده عمري كله.
غطت وشها بإيديها، وقالت وهي منهارة
كان لازم أستأذنك.
قلت
أيوه.
قالت
كنت متأكدة إني صح.
ابتسمت وقلت بهدوء
إنك تكوني متأكدة... ده ما يديكيش الحق تقرري بدالي.
المعالجة النفسية قالت جملة فضلت محفورة في دماغنا
إن الحب لما يسيطر عليه الخوف، ممكن يتحول من اهتمام... إلى تحكم، خصوصًا لما يسلب الإنسان حقه في الاختيار.
ومع الوقت، مريم بدأت تلاحظ إنها بتتعامل بنفس الطريقة مع جوزها، ومع باقي أفراد العيلة.
كانت دايمًا تاخد القرارات عن الناس، بدل ما تسمعهم.
وأنا كمان اعترفت بحاجة.
إني سنين طويلة كنت بسيبها تعمل كده، لأني كنت فاكرة إن اعتراضي هيخليها تحس إني برفض حبها.
فضلنا نروح جلسات العلاج طول الشتا.
بعد كام شهر، مريم وأخوها أحمد جم يتغدوا عندي في البيت.
وأول ما دخلت المطبخ، مريم سألتني
عملتِ إيه في التدفئة؟
ابتسمت وقلت
كلمت شركة متخصصة، وهييجوا يفحصوها الأسبوع الجاي.
هزت راسها وقالت
كويس.
وبس...
ما قعدتش تقولّي أعمل إيه، ولا حطتلي خطة، ولا حاولت تاخد القرار بدالي.
وده بالنسبة ليا...
كان أكبر دليل إن في حاجة اتغيرت.
بعد الغدا، فضلت تبص حواليها في المطبخ.
وفجأة ابتسمت وقالت
هنا اتعلمت أعمل أول عيش في حياتي.
ضحكت وقلت
وأول رغيف عملتيه كان هيتحرق خالص.
ضحكت
هي كمان وقالت

بس إنتِ ما يئستيش مني، وفضلتي تشجعيني لحد ما اتعلمت.
قلت
طبيعي... مفيش حد بيتعلم من أول مرة.
سكتت لحظة، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادي
كان المفروض أسيبك إنتِ كمان تكملي تاخدي قراراتك بنفسك.
بصيتلها وقلت
أيوه... كان المفروض.
ولما جه الربيع، الشجرة اللي قدام البيت رجعت خضرا من تاني.
وقفت أبصلها، وفهمت حاجة مهمة.
مريم ما كانتش غلطانة في كل حاجة.
السقف فعلًا كان محتاج يتراجع.
والسلم كان محتاج يبقى أكثر أمان.
ونظام التدفئة قرب عمره الافتراضي يخلص.
لكن غلطتها ما كانتش إنها شافت المشاكل...
غلطتها إنها افتكرت إن وجود المشاكل بيديها الحق تتحكم في حياتي.
أنا بنفسي جبت مقاول يفحص السقف.
وركبت درابزين أقوى على السلم.
وحددت معاد مع فني متخصص يراجع التدفئة.
دي كانت قرارات عاقلة...
لكنها كانت قراراتي أنا.
مش استسلام...
ولا تنفيذ لرغبة حد.
واخترت أفضل في البيت اللي فيه مكتبة الحاج محمود المايلة شوية.
وفيه شباك المطبخ اللي كنت بقف قدامه كل صباح.
وفيه واحد وأربعين سنة من الذكريات.
مكنتش عارفة هعيش فيه قد إيه كمان.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة...
إنه هيفضل بيتي، لحد اليوم اللي أنا وحدي أقرر أسيبه.
مع الوقت، علاقتي بمريم بقت أحسن.
مش لأنها بقت سهلة...
لكن لأنها بقت مبنية على الصراحة.
لسه بحبها.
ولسه مسامحاها.
لكن في
نفس الوقت، بقيت حاطة حدود واضحة، وحدود دي محدش يتجاوزها.

اتعلمت إن الحب عمره ما يطلب من الإنسان يتنازل عن استقلاله.
وإن المسامحة مش معناها إننا نرجع نسلم نفس السلطة للي أساء استخدامها.
وفي صباح ربيعي جميل، خرجت وقفت قدام البيت، وماسكة فنجان قهوة دافي.
رفعت عيني للشجرة.
كانت مليانة ورق أخضر.
وبصيت للبيت.
كان واقف ثابت، زي ما هو.
وابتسمت من قلبي...
لأنه، رغم كل اللي حصل...
كان لسه بيتي.

تم نسخ الرابط