دفع لي زوجي 40 مليون ريال مقابل أن أرحل عن قصره
الدفع لم يكن تعويضاً بل كان ثمن الرحيل الذي لم يكتمل
قضيتُ ثلاث سنوات إلى جوار إبراهيم العلي.
عشتُ في قصره الفاره، قدتُ أفخم سياراته، استخدمتُ بطاقاته المصرفية المفتوحة، وأنجبتُ له طفلين.
لكنني خلال تلك السنوات الثلاث لم أنَم في غرفته ليلة واحدة.
لم يُقدّمني يوماً لأحد على أنني زوجته.
وحين قرر أن يمنحني أربعين مليون ريال لأبتعد، لم يملك حتى الشجاعة ليواجهني بنفسه بل أرسل محاميه.
الآنسة مريم؟ لقد قرر السيد إبراهيم أن تحتفظي بحضانة الطفلين قالها المحامي وهو يضع ملفاً ضخماً على الطاولة، سيتم تحويل المبلغ إلى حسابكِ اليوم. وفي المقابل، عليكِ إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام وتوقيع اتفاقية السرية.
كنتُ أُعدّ زجاجة الحليب لابنتي الصغيرة.
ثلاث ملاعق من الحليب المجفف.
ماء دافئ.
ثم رجّ الزجاجة ببطء.
على السجادة، كان عمر، ابني ذو العامين، يبني برجاً من المكعبات. أما سارة، التي لم تتجاوز أربعة أشهر، فكانت تبكي بشجن داخل مهدها.
الآنسة مريم؟ أعاد المحامي التذكير بصوت حذر.
سمعتك.
ألا ترغبين في مراجعة الشروط؟
لا داعي لذلك.
أعطيتُ الزجاجة لسارة ورَفعتُ عينيّ نحو المحامي
بمجرد ظهور المبلغ في حسابي، سأغادر.
رمش المحامي عدة مرات بذهول واضح. ربما كان قد أعدّ خططاً لمفاوضات شاقة، أو توقع أن يرى دموعاً، أو توسلات، أو حتى تهديدات.
لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.
السيد إبراهيم قال إنه إذا لم يكن المبلغ كافياً
إنه أكثر من كافٍ.
وهو يرغب أيضاً في زيارة الطفلين مرة كل شهر.
يمكنه ذلك.
وسأل إن كان لديكِ أي رسالة تودين إبلاغها له.
فكّرتُ لثوانٍ معدودة.
ثلاث سنوات من الصمت الجاف.
ثلاث سنوات وأنا أنتظر أن ينظر إليّ ولو لمرة واحدة كأكثر من مجرد أم لورثته.
ثلاث سنوات وأنا أدّعي أن التجاهل لا يؤلمني.
ليس لديّ ما أقوله له.
في ذلك المساء، جمعتُ كل أمتعتي.
عندما أتيتُ إلى القصر قبل ثلاث سنوات، كنتُ أحمل حقيبتين فقط.
وحين غادرته، كنتُ أملك الحقيبتين ذاتهما الشيء الوحيد الذي ازداد كان أغراض أطفالي.
في تمام السابعة، كانت السيارة تنتظر أمام البوابة الرئيسية.
أجلستُ عمر في مقعده، وضمتتُ سارة إلى صدري.
في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف في يدي.
كان إبراهيم.
هل وقّعتِ؟
نعم.
هل وصلكِ المبلغ؟
تفقدتُ إشعار البنك. كان هناك عدد من الأصفار جعلني أعيد عدّها مرتين.
وصل.
جاء رده بعد ثوانٍ قليلة
إذن، ارحلي.
لم أرد.
بينما كانت السيارة تبتعد، كان عمر يراقب القصر من النافسة.
أمي هل بابا لا يريدنا في بيته بعد الآن؟
ضممته بقوة وأنا أقول
نحن من لم نعد بحاجة إلى بيته يا بني.
لماذا؟
نظرتُ للمرة الأخيرة إلى أضواء ذلك القصر المهيب
لأن أمك تعبت.
لم يكن طفلي يفهم معنى أن يتعب المرء من الحب من طرف واحد.
لكنه رأى بريق الدموع في عينيّ، فصمت ولم يسأل مجدداً.
لم تكن بيني وبين إبراهيم قصة حب قط.
أول مرة دخل فيها غرفتي كانت بسبب والدته التي كانت تطالبه بإلحاح بأحفاد يحملون اسم العائلة.
كنتُ حينها متخرجة حديثاً، بلا عمل، وعاجزة عن دفع إيجار شقتي لثلاثة أشهر.
طرَق بابي وجاء مباشرة إلى الهدف
أمهليني طفلاً، وسأمنحكِ نصف مليون ريال.
وافقتُ.
وفي تلك الليلة اليتيمة، حملتُ بعمر.
وعندما ولد، احتفلت عائلة العلي بالوريث الجديد.
لكن أحداً لم ينادِني زوجة، ولا كنّة.
بعد عامين، أرادت والدته حفيداً آخر.
فعاد إبراهيم إلى غرفتي مرة أخرى.
هذه المرة، لم يعرض حتى المال.
أريد طفلاً آخر.
ولم أرفض.
ليس لأني أحبه بل لأني أصبحتُ أسيرة حياة مريحة جداً لدرجة يصعب التخلي عنها، وفارغة جداً لدرجة يصعب تحمّلها.
وعندما ولدتُ
ألقت والدته نظرة على الطفلة وقالت ببرود بنت لا بأس بها، ثم انصرفت.
وقّعتُ أوراق الخروج من المستشفى بنفسي.
في ذلك اليوم بالذات، أدركتُ أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.
ليس لأن إبراهيم لا يحبني بل لأنه لم يعد يكلف نفسه حتى التظاهر بذلك.
بعد ثلاثة أيام من مغادرة القصر، أخذتُ طفليّ إلى فندق يطل على البحر.
لم أشترِ بيتاً، ولم أضع خططاً للمستقبل.
ولأول مرة منذ سنوات، كنتُ أريد فقط أن أتنفس.
بينما كان عمر يلعب قرب المسبح وسارة تنام إلى جواري، تصفحتُ هاتفي.
نشر مساعد إبراهيم صورة لمكتب الشركة وقد انقلب رأساً على عقب معلقاً على الجميع توخي الحذر اليوم السيد إبراهيم فاقد للسيطرة تماماً.
وضعتُ إعجاباً للصورة دون تفكير.
وبعد ثلاث ثوانٍ فقط، حُذفت التغريدة!
ثم وصلتني رسالة نصية من إبراهيم
أين أنتِ؟
قرأتها ولم أجب.
أتبعها برسالة أخرى
مريم أرجوكِ عودي.
ابتسمتُ بمرارة.
ثلاث سنوات نعيش تحت سقف واحد ولم يطلب مني يوماً البقاء والآن بعد أن ابتعدت، يريدني أن أعود؟
أغلقتُ الهاتف.
لكن بعد دقيقة واحدة فقط، رنّ هاتف الغرفة.
السيدة مريم؟ قالت الموظفة بصوت متوتر، هناك رجل في البهو يسأل عنكِ بشدة.
نظرتُ نحو مدخل الفندق.
كان إبراهيم يقف هناك.
بلا سترته الرسمية
بلا ربطة عنق
وبقبضات يدمّيها الجرح!
وكان يمسك بيده نسخة من العقد الذي وقّعتُ عليه.
مريم قالها وهو ينظر إليّ وكأنه ركض أميالاً للوصول إليّ لماذا قبلتِ المال؟
لأنك أنت من طلب مني الرحيل.
شحب وجهه تماماً وزال منه اللون
هل هذا ما قاله لكِ المحامي؟!
هذا ما نصّ عليه الاتفاق.
ضغط إبراهيم على الوثيقة بقوة حتى تجعدت بين يديه، وقال وعيناه تفيضان بالدموع
أربعون المليون لم تكن لتبتعدي عني
اقترب
بل كانت المهر الذي أردتُ أن أطلب به يدكِ للزواج!
للمزيد من القصص الحصرية في جروب روايات محمد نور
الجزء الثاني والختامي
لعدة ثوانٍ ظننتُ أنني سمعتُه خطأ.
خلفي، كان عمر يرشش الماء بطفولية في مسبح الأطفال. وكان الطفل الآخر سارة تنام تحت ظل المظلة، غير مدركة لغياب الرجل الذي قطع توّاً نصف البلاد ليقول أكثر جملة عبثية سمعتها في حياتي.
نتزوج؟ كررتُ الكلمة بذهول.
كان إبراهيم يتنفس بصعوبة.
لم أره يوماً بهذا المنظر.
هو الذي كان دائماً شديد الأناقة
دائماً بارداً ومبتعداً
ودائماً مُسيّطراً على كل شيء.
حتى عندما ولد عمر، اكتفى بالنظر إليه لثوانٍ معدودة قبل أن يسأل الطبيب ببرود عما إذا كنا كلينا بخير.
بلا لمسة حنون
بلا كلمة دافئة
بلا أي مشاعر.
أما الآن، فقد كان يقف أمامي بقميص مجعد، وشعر ثائر، ودم جاف يكسو قبضتيه.
دعيني أشرح لكِ.
محاميك شرح كل شيء بوضوح تام.
لا! لم يكن يفترض به أن يطلب منكِ الرحيل!
العقد كان ينص بوضوح على إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام.
لأن القصر كان سيعاد ترميمه وتجديده!
أطلقتُ ضحكة خالية من التصديق
وهل كنتَ ستعيد ترميم حياتي أيضاً؟ ألهذا أدرجتَ بند السرية؟
خفض إبراهيم نظره نحو الأوراق
ليس هذا العقد الذي أعددتُه بنفسي.
رفعت الرياح البحرية طرف الورقة، فقلّب الأوراق بسرعة وأشار إلى الصفحة الأخيرة
هذا البند لم يكن موجوداً. ولا هذا الشرط المتعلق بالزيارات. العقد الأصلي كان ينص على أن الأربعين مليون ريال ستودع في صندوق باسمكِ قبل توقيع عقد الزواج!
هل تقصد أن محاميك قام بتغيير العقد؟
بل أقول إن هناك من كان يريدكِ أن ترحلي بأي ثمن!
سرت برودة في جسدي.
طوال سنوات عشتُ محاطة بالخدم، والحراس، وأفراد عائلة إبراهيم. كانوا جميعاً يعاملونني
كنتُ المرأة المناسبة في الوقت المناسب
الأم المستأجرة
الفتاة الفقيرة التي