الست العجوز والشاب

لمحة نيوز

مسكت طرف الترابيزة بإيديها، وبصيت لها مستني تكمل كلامها.
قالت وهي بتتنفس بصعوبة
السبب الحقيقي اللي مخلي ولادي مستعجلين ياخدوا البيت قبل ما أموت.
فضلت ساكت مستنيها تقول أكتر.
لكنها هزت راسها وقالت
محتاجه وقت شوية كمان.
بعد تلات أسابيع، ولادها رجعوا تاني.
المرة دي نوال كانت جايبة معاها كتيب لدار رعاية للمسنين.
حطته جنب طبق الشوربة بتاع أمها.
وقالت لها
ممكن تاخدي شنطة هدوم واحدة، والأوضة اتحجزت خلاص.
خديجة ردت من غير ما ترفع عينيها
أنا مش رايحة.
قالت لها نوال
إنتِ مينفعش تفضلي هنا لوحدك.
خديجة بصتلي وقالت
أنا مش لوحدي.
نوال بصت ناحيتي.
وقالت ببرود
الترتيب ده مؤقت.
كنت واقف عند البوتجاز وبقلب الشوربة.
نوال أشارت ناحيتي من غير حتى ما تبصلي وقالت
وإنت كمان المفروض تبدأ تدور على ست عجوزة تانية تشتغل عندها، لأن أول ما البيت ده يتباع مش هيبقى ليك مكان هنا.
خديجة مسكت الكتيب.
طوته نصين.
وبعدين طوته مرة تانية.
وحطته تحت رجل الترابيزة القصيرة.
الترابيزة بطلت تهتز.
وكانت دي أول مرة أشوفها تبتسم بعد واحدة من زيارات ولادها.
في الوقت ده كانت مديونة لي بأكتر من أربعمية ألف دينار.
ومع ذلك، عمري ما طلبت منهم.
هي كانت عارفة إني محتاج الفلوس.
الجاكت بتاعي كان السوستة بتاعته بايظة، وكتير كنت بوصل عندها وأنا معدتش أكلت من الصبح، وفي مرة ورقة من الكلية وقعت من شنطة ضهري وأنا بدور على فوطة التنضيف.
كانت خديجة هي اللي لقتها.
مسكت الورقة وقرتها.
وكان مكتوب فوقها بخط أحمر تحذير أخير بسداد المصروفات المتأخرة.
بصتلي وقالت
إنت المفروض متجيش تاني.
قلتلها
ليه؟
قالت
أنا مش قادرة أدفعلك.
قلتلها
إنتِ محتاجة حد يساعدك.
ردت
وإنت محتاج فلوس.
طويت الورقة وحطيتها في شنطتي.
وقلت
أنا طول عمري محتاج فلوس.
بصتلي فترة طويلة.
وقالت
ده مش رد.
قلتلها
ده الرد الوحيد اللي عندي.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
ممكن تشتغل في مكان تاني يوم الخميس.
قلتلها
ممكن.
قالت
وممكن تكسب أكتر.
قلتلها
ممكن.
بصتلي وقالت
طب ليه كل مرة بترجع؟
بصيت حواليا في المطبخ.
بصيت على حلة الشوربة.
وعلى علب الدوا المترتبة جنب الحوض.
وعلى الكتيب المطوي اللي كان مثبت رجل الترابيزة.
وقلت
عشان محدش غيري بييجي.
لفت خديجة وشها بعيد.
ولما رجعت بصتلي، كانت عينيها مليانة دموع.
وقالت
نفسي ياسر يشوفك.
أنا وقتها افتكرت إنها تقصد إن ابنها كان هيكون ممتن إن حد بيهتم بأمه.
مكنتش أعرف إنها كانت تقصد حاجة تانية خالص.
الشتا جه بدري السنة دي.
درجات السلم اللي قدام البيت بقت زلقة، وشبابيك أوضة المعيشة كانت بتخبط بالليل من شدة الهوا، وخديجة بدأت تضعف أكتر، لكن عقلها فضل حاضر بشكل غريب.
كانت فاكرة مواعيد امتحاناتي باليوم.
وتسألني عن كل وردية بشتغلها في المكتبة.
وكانت مخبية برطمان زبدة فول سوداني مخصوص عشاني، لأنها لاحظت إني كتير بوصل وأنا جعان.
وفي يوم خميس، مدتلي علبة كرتون صغيرة.
فتحتها.
لقيت جواها شال صوف غامق.
قالت
ده كان بتاع جوزي، كان بيلبسه وهو رايح المطبعة، وإنت محتاجه أكتر من الدولاب.
قلتلها
لا، مقدرش آخده.
ضحكت وقالت
ده شال يا آدم، مش دهب العيلة.
أخدته وروحت بيه.
كان ريحته خفيفة من خشب الأرز واللافندر.
وكان أول هدية أخدتها من شخص كبير في حياتي من غير ما يطلب مني مقابلها أي حاجة من سنين.
بعدها بشهر، وصلت البيت ولقيت سعد واقف في المطبخ.
خديجة كانت قاعدة قدامه.
وفي ترابيزة المطبخ كان فيه كشف حساب بنكي مفتوح.
قالت له
إنت سحبت تمانمية ألف دينار تاني.
قال
كانوا لمصاريفك.
قالت
مصاريف إيه؟
قال
ضرايب البيت والصيانة.
ردت
آدم هو اللي صلح الشباك بفلوسه وبقطعة بلاستيك.
سعد لمحني واقف عند باب المطبخ.
وشه اتغير.
وقال
إنت مش المفروض تسمع الكلام ده.
خديجة حطت إيدها فوق كشف الحساب.
وقالت
لا، المفروض يسمعه.
بص لها باستغراب.
قالت
ليه؟
ردت
عشان هو الشخص الوحيد هنا اللي عمره ما أخد مني فلوس.
سعد قام بسرعة لدرجة إن الكرسي احتك بالأرض.
وقال بعصبية
إنتِ بقيتي شكاكة.
ردت بهدوء
لأ، أنا كبرت كفاية عشان أبطل أمثل إني مش شايفة.
خطف كشف الحساب وخرج.
وفي المساء، خديجة طلبت مني أقعد معاها على ترابيزة المطبخ.
حطت إيديها الاتنين حوالين كباية الشاي.
وقالت
أنا محطتش الإعلان على الجروب عشان كنت محتاجة حد ينضف البيت.
فضلت ساكت.
حسيت إنها هتكمل.
لكن في اللحظة دي نور عربية عدى على شباك المطبخ.
وشها شحب.
العربية وقفت قدام البيت.
خديجة قامت بسرعة، لكن رجلها خانتها، ومسكت في الترابيزة.
لحقتها قبل ما تقع.
همستلي
اقفل الباب.
كان مروان.
خبط على الباب تقريبًا خمس دقايق.
وإحنا الاتنين فضلنا ساكتين.
وبعد شوية سمعنا العربية وهي بتبعد.
خديجة رجعت قعدت على الكرسي، وكانت مرهقة بشكل واضح.
قلتلها
كنتِ هتقوليلي إيه؟
بصت ناحية الباب الأزرق.
وقالت
مش الليلة.
قلتلها
إنتِ في خطر؟
قالت
أنا قضيت معظم عمري بخاف من ولادي.
قلتلها
يبقى اتصلي بالشرطة.
قالت
هما معملوش حاجة الشرطة تقدر تقبض عليهم بسببها.
قلتلها
هما بياخدوا فلوسك.
قالت
هما بيسموها مساعدة.
وضغطت بصوابعها على الكوباية.
وقالت
أنا بحاول أصلح كل حاجة، محتاجة وقت شوية كمان.
آخر يوم خميس بدأ بمطر شديد.
المزاريب فاضت، والمية كانت ماشية في الشوارع كأنها خيوط رمادية طويلة.
كان عندي امتحان الصبح اللي بعده، لكن خديجة كانت صوتها ضعيف جدًا لما كلمتني بالليل.
عديت على محل بقالة واشتريت فراخ وجزر ورز وخبز وعلبتين خوخ.
وصلت الساعة أربعة وربع تقريبًا.
لقيت باب البيت مفتوح حوالي تلات صوابع.
ناديت
يا حاجة خديجة؟
محدش رد.
عصايتها كانت مرمية جنب السلم.
وفوطة المطبخ واقعة جنب باب المطبخ.
حطيت أكياس الأكل على الرخامة وطلعت فوق.
لقيتها على سريرها.
البطانية كانت مرفوعة لحد وسطها.
إيديها متشابكة فوق صدرها.
وشعرها الأبيض سايب على المخدة.
في أول لحظة افتكرتها نايمة.
لكن بعد ثانية فهمت إن سكونها مش طبيعي.
لمست كتفها.
وقلت
يا حاجة خديجة؟
جلدها كان ساقع.
الدكتور اللي ساكن قريب وصل بعد ربع ساعة.
فحص النبض، وبص في ساعته، وبعدين سحب البطانية لفوق بهدوء.
نزلت وقعدت على ترابيزة المطبخ.
كتيب دار الرعاية كان لسه متطوي تحت رجل الترابيزة.
الراديو كان شغال على أغنية قديمة كانت بتحب تسمعها.
وبرطمان زبدة الفول السوداني كان جنب طبق فاضي.
حطيت وشي بين إيديا وعيطت.
مش عشان الفلوس اللي كانت مديونة لي بيها.
ولا عشان فقدت الشغل.
عيطت عشان كنت عارف يعني إيه الواحد يمشي من الدنيا وهو حاسس إن الناس اللي المفروض يكونوا أقرب ناس ليه، مش موجودين جنبه.
بعد حوالي نص ساعة، دخلت الست أمينة، جارتها اللي ساكنة في البيت اللي جنبها.
عينيها كانت حمرا.
وكان في إيدها ظرف بني.
قالتلي
خديجة ادتهولي من تلات أسابيع، ووصتني مديهولك بعد ما تموت.
بصيت للظرف.
اسمي كان مكتوب عليه.
آدم.
قبل ما أفتحه، باب البيت اتفتح مرة واحدة.
دخلت نوال الأول.
كانت لابسة إسدال أسود، وفي ودانها حلق بسيط، لكن وشها مكنش فيه أي ملامح حزن.
وراها دخل سعد بالملف الجلد.
ومروان دخل آخر واحد.
ولا واحد فيهم سأل أمه فين.
عين نوال راحت على الظرف اللي في إيدي على طول.
قالت
إيه ده؟
قلتلها
حاجة الحاجة خديجة سابتها لي.
وشها اتشد.
وقالت
أمي ماتت، ومبقاش فيه حاجة ليك تنظفها هنا. خد حاجتك واطلع قبل ما أتصل بالشرطة.
بصيت للممسحة اللي كانت جنب حيطة المطبخ.
وأكياس الأكل اللي اشتريتها كانت لسه جوه كيس ورق مبلول.
رغيف عيش كان وقع على الرخامة.
لميت الجاكت بتاعي.
لكن أمينة وقفت بيني وبين الباب.
وقالت
افتح الظرف الأول.
سعد قرب مني.
وقال
أي حاجة جوه البيت ده ملك للتركة.
أمينة أشارت لاسمي المكتوب على الظرف.
وقالت
ده ملكه هو.
نوال ضحكت.
وقالت
أمي مكنش عندها فلوس تسيبها للمنظف.
فتحت الظرف.
أول حاجة وقعت في إيدي كانت مفتاح نحاس قديم عليه صدأ.
وبعده صورة.
شاب واقف قدام البيت جنب خديجة.
كان شكله في حوالي خمسة وعشرين سنة.
شعره أسود.
وشه نحيف.
وفي إيده اليمين نفس الانحناءة البسيطة في الصباع الصغير اللي عندي.
وعينيه كانت شبه عيني بشكل يخوف.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها اسم واحد.
ياسر.
فردت الورقة.
وكانت رسالة.
يا آدم،
قبل ما تكمل قراءة أي حاجة، لازم تعرف إني آسفة.
أنا مكنتش اخترتك من إعلان الجروب بالصدفة.
تلاتة وأربعين شخص ردوا على الإعلان.
وأنا اخترت

تم نسخ الرابط