الست العجوز والشاب
المحتويات
الشاب اللي في صورته عيون كلارا، وإيده فيها نفس العلامة اللي كانت في إيد ابني ياسر.
نفسي اتقطع.
كلارا كانت أمي.
وقفت في مكاني كأني مش قادر أحرك رجلي.
حسيت إن حد اتحرك ورايا.
نوال حاولت تاخد الورقة من إيدي.
سحبتها ناحية صدري.
وقلت
يعني إيه الكلام ده؟
محدش رد.
كملت القراءة.
أنا لقيت حسابك على صفحة الكلية قبل ما أحط الإعلان بست شهور.
عرفتك من أول لحظة.
لكن كان لازم أتأكد قبل ما أجيب الخطر لحد بابك.
أول أسبوع كنت ناوية أدفعلك.
لكن نوال كانت مسيطرة على الكارت بتاعي، ومش بتديني غير فلوس تكفيني أجيب الدوا.
كنت مكسوفة لما رجعت الأسبوع التاني.
وكنت مكسوفة أكتر لما بدأت تجيبلي أكل من فلوسك.
أنا عمري ما كنت عايزة طيبتك تبقى اختبار.
لكن طيبتك كشفتلي حاجة ولادي قضوا واحد وعشرين سنة بيحاولوا يخبّوها.
إنت فضلت تيجي، رغم إنك كنت فاكر إن مفيش حاجة هنا تقدر تاخدها.
مفيش حد يعرف قد إيه الجملة دي هتفضل جوايا.
وش نوال كان بدأ يشحب.
سعد قرب خطوة.
وقال
أمي كانت مشوشة ومش عارفة هي بتقول إيه.
أمينة وقفت قدامه.
وقالت
هي كانت عارفة كويس جدًا.
كملت القراءة.
المفتاح بيفتح الأوضة الزرقا اللي في آخر الطرقة.
افتحها قبل ما ولادي يشيلوا أي حاجة منها.
جواها هتلاقي الحقيقة عن أمك، وأبوك، والسبب اللي خلا اسمك يخوفهم من يوم ما اتولدت.
رفعت عيني عن الورقة.
وبصيت للتلاتة.
مروان نزل عينيه في الأرض.
سعد كان بيبصلي من غير ما يرمش.
نوال هزت راسها.
وقالت
الأوضة دي فيها حاجات خاصة بالعيلة.
الكلام خرج مني قبل ما أفكر.
طب ليه هي اديتني المفتاح؟
اتجهت ناحية الطرقة.
سعد مسك دراعي.
وقال
متفتحش الباب.
إيده كانت قوية.
أمينة صرخت فيه
سيبه.
بصيت لإيده وهي ماسكة دراعي.
وبعدين بصيت في عينه.
وقلت
إنت خايف من اللي جوا؟
ساب دراعي.
وقال بصوت واطي
إنت متعرفش إنت هتدمر إيه.
حطيت المفتاح في القفل.
في الأول مقاومش.
حاولت ألفه.
المعدن احتك جوه القفل بصوت خشن.
ضغطت أكتر.
لحد ما سمعت صوت تكة.
الباب الأزرق اتفتح ببطء، وطلع منه صوت خشب قديم بيصر.
ريحة الأوضة كانت خليط من ورق قديم وخشب أرز ولافندر ناشف.
كان فيه سرير صغير لازق في الحيطة.
وفوقه بلوفر غامق متطبق بعناية.
وفي الركن عجلة عليها كاوتش مفرغ.
قفاز بيسبول قديم.
مجموعة أسطوانات موسيقية.
ووشاح جامعي قديم مكتوب عليه اسم الجامعة وسنة 1998.
الأوضة مكنتش شكل مخزن.
كانت شكل أوضة حد خرج منها امبارح، ولسه متوقع يرجع قبل العشا.
على المكتب كان فيه برواز لصورة نفس الشاب اللي شوفته في الظرف.
ياسر.
أبويا.
جنب الصورة كان فيه صندوق أزرق للملفات.
وعليه بخط خديجة
لآدم، لما يرجع أخيرًا بيته.
ركبي ضعفت.
جوا الصندوق كان فيه عشرات الجوابات مربوطة بخيط.
أول مجموعة كانت مكتوبة بخط أمي.
يا ياسر،
أختك جتلي النهاردة وقالتلي إنك اخترت عيلتك وورثك علينا.
أنا مش مصدقاها.
تعالى قابلني قبل يوم الجمعة.
أنا هاخد الطفل وأروح عند بنت خالي لحد ما تقرر إنت عايز إيه.
الجواب ده عمره ما اتبعت.
المجموعة التانية كانت جواب من ياسر.
يا كلارا،
أنا جيت على شقتك ولقيتها فاضية.
سعد قاللي إنك غيرتي رأيك فيا ومش عايزة الطفل يشوفني.
أنا عارف إن ده مستحيل يكون حقيقي.
قوليلي إنتِ فين.
أنا هسيب الشغل والبيت والفلوس كلها.
ولا حاجة منهم ليها معنى من غيرك.
الجواب ده كمان عمره ما اتبعت.
كان فيه أربعة عشر جواب تاني.
وأنا وأنا بقرأهم، بدأت أفهم الحقيقة.
أمي كانت فاكرة إن أبويا سابها.
وأبويا كان فاكر إن أمي اختفت هي والطفل.
حد كان بيخبي كل محاولة منهم عشان يوصلوا لبعض.
وفي آخر الصندوق لقيت قصاصة جريدة قديمة.
العنوان كان
وفاة شاب في السابعة والعشرين من عمره في حادث على الطريق.
الصورة اللي تحت العنوان كانت صورة ياسر.
أبويا.
قريت الخبر.
كان مكتوب إنه مات بعد ما عربيته خرجت عن الطريق في ليلة عاصفة وهو مسافر ناحية الشمال.
وتحت القصاصة كانت خديجة كاتبة
مات وهو شايل عنوان كلارا الأخير في جيب الجاكت.
حطيت إيدي على بقي.
طول عمري كنت متخيل إن أبويا راجل مشي وسابني.
أمي عمرها ما كانت بتحب تتكلم عنه.
وكل ما كنت أسألها كانت تقوللي
في ناس بتختار الحياة الأسهل.
وبعد ما ماتت، كنت فاكر إنها كانت بتحميني من الحقيقة.
لكن دلوقتي فهمت إنها هي نفسها مكنتش تعرف الحقيقة.
أبويا مكنش اختار حياة أسهل.
هو مات وهو بيدور علينا.
سمعت صوت نوال من ورايا.
قالت
ده ميثبتش حاجة.
لفيت.
التلاتة كانوا واقفين عند باب الأوضة.
بس المرة دي محدش فيهم كان شكله غاضب.
كانوا خايفين.
كان فيه ظرف تاني تحت الجوابات.
كان مكتوب عليه أسماء التلاتة.
نوال قربت.
وقالت
ده بتاعنا.
أمينة كانت أسرع منها.
خدت الظرف وادتهولي.
فتحته.
إلى نوال وسعد ومروان،
أبوكم أمركم تقولوا لياسر إن كلارا سابته.
وأمركم تقولوا لكلارا إن ياسر اختار ورثه وعيلته عليها.
بعد وفاة ياسر، اكتشفتوا الجوابات وخبيتوها لأنكم خفتوا إن ابنه ياخد نصيبه من أملاك العيلة.
أبوكم بدأ الكذبة.
وإنتوا التلاتة حافظتوا عليها.
كنتوا عارفين إن فيه طفل في مكان ما عايش وهو فاكر إن أبوه سابه.
وكنتوا عارفين إن أخوكم مات وهو بيدور على الطفل ده.
مروان قعد على طرف السرير.
وشه انهار.
وقال بصوت واطي
إحنا كنا صغيرين.
نوال لفتت ناحيته بسرعة.
وقالت
اسكت.
بصيت لها.
وقلت
كنتوا صغيرين كام سنة؟
سكتت.
سعد حط إيديه فوق صدره.
وقال
أبونا كان مسيطر على كل حاجة.
بصيتله.
وقلت
أبوكم مات من أربعطاشر سنة.
محدش رد.
قلت
كان عندكم أربعطاشر سنة تقولوا لأمي الحقيقة.
نوال قالت
أمك كانت ماتت خلاص.
بصيتلها.
وقلت
أمي عاشت لحد ما كان عندي تسع سنين.
الصمت اللي نزل على الأوضة كان أتقل من أي خناقة.
أمينة أشارت لصندوق الجوابات.
وقالت
إنتوا كنتوا عارفين الولد فين.
مروان حط إيده على وشه.
وقال
أنا عرفته لما أمي بدأت تدور عليه.
نوال لفتت ناحيته.
وقالت
مروان.
بدأ يعيط.
مش على خديجة.
ولا على ياسر.
كان بيعيط على نفسه.
وقال
أبونا قال إن نصيب العيلة هيتقسم تاني لو ياسر كان عنده ابن، وسعد قال إننا خسرنا كفاية بسببه.
سعد قرب منه.
وقال
إنت وافقت.
رد مروان
كنت عندي تسعتاشر سنة.
سعد قال
كنت عندك أربعة وتلاتين سنة لما حرقت مجموعة الجوابات التانية.
بص مروان له فجأة.
وفي اللحظة دي فهمت.
الكذبة مكنتش عاشت كل السنين دي عشان تلاتة شباب صغيرين كانوا مجبورين ينفذوا كلام أبوهم.
هما اختاروا يجددوها.
سنة ورا سنة.
كل مرة خديجة كانت تدور، كانوا يوقفوها.
كل مرة جواب يظهر، كانوا يخبوه.
كل سنة أنا كنت أكبر وأنا فاكر إن محدش دور عليا، هما كانوا بيختاروا البيت والفلوس من جديد.
وفجأة سمعنا خبط على باب البيت.
أمينة راحت تفتح.
دخل راجل طويل لابس بالطو شتوي كحلي، وفي إيده شنطة مستندات مقفولة.
وراها اتنين شهود.
عرف نفسه وقال
أنا الأستاذ حسن الجبوري، محامي الحاجة خديجة ومسؤول عن تركتها.
نوال جريت ناحيته.
وقالت
أمي كانت تحت تأثير الراجل ده.
وأشارت ناحيتي.
وقالت
دخل بيتها وعزلها عن ولادها وأقنعها تسيبله أملاك.
الأستاذ حسن بص للممسحة.
وبعدين بص لكيس الأكل.
وبعدين بص للتلاجة شبه الفاضية.
وأخيرًا بص للملف الجلد اللي سعد كان جايبه.
وقال
الحاجة خديجة كانت متوقعة الاتهام ده.
حط شنطة المستندات على ترابيزة المطبخ.
وقال
وعشان كده عملت تقييمين طبيين مستقلين قبل ما توقع على أوراقها الأخيرة، والدكاترة أكدوا إنها كانت بكامل وعيها وإدراكها.
سعد أشار للأوضة الزرقا.
وقال
هو مش من العيلة.
المحامي فتح الشنطة.
وقال
وده اللي هنسيبه للأدلة تثبته.
خديجة كانت عملت فحص إثبات نسب قانوني قبل وفاتها بتلات شهور.
وفي وصيتها طلبت إني أعمل أنا كمان الفحص.
لو النتيجة أثبتت إني ابن ياسر، البيت هيتحط في صندوق ائتماني باسمي.
ولو النتيجة أثبتت العكس، البيت هيتباع والفلوس تتبرع لبرنامج بيساعد الطلبة اللي ملهمش حد من عيلتهم يساعدهم.
وفي الحالتين، ولاد خديجة التلاتة مش هياخدوا حاجة من البيت.
نوال خبطت بإيدها على الترابيزة.
وقالت
البيت ده بتاعنا.
المحامي بص لها بهدوء.
وقال
لأ، البيت كان بتاع الست اللي حاولتوا تطلعوها منه وهي عايشة.
سعد بدأ يتكلم عن حقوق العيلة، وإن
متابعة القراءة