رجل مفقود منذ 20 سنة يظهر فجأة في بنك… وزوجته تتبعه لتكتشف السر

لمحة نيوز

أصدر القاضي حكما لصالحها وألغى الدين لكنها كانت قد دفعت بالفعل أكثر من ٣٠٠٠ يورو كرسوم قانونية. كانت بطاقات الائتمان كابوسا آخر. طالبت الشركات بالدفع وأرسلت خطابات تهديد باتخاذ إجراءات قانونية. اضطرت كارمن إلى التفاوض على خطط سداد والعمل لساعات إضافية وبيع ما تبقى لديها من ممتلكات ثمينة التلفزيون وجهاز الاستريو ومجوهرات زفافها.
انتهى المطاف بكل شيء في سوق السلع المستعملة أو محلات الرهونات. وكان أسوأهم المرابون. فقد حضر ثلاثة رجال مختلفين إلى منزله خلال تلك السنة الأولى يطالبون بأموال يدين بها روبرتو لهم. وكان أحدهم رجل في الأربعينيات من عمره بلكنة من أوروبا الشرقية شديد التهديد. قال له إن الدين لم يختف بموت روبرتو وأن على أحدهم أن يدفعه.
اتصلت كارمن بالشرطة لكن ما عساهم أن يفعلوا لم تكن هناك عقود مكتوبة ولا أدلة مجرد كلام رجل في مواجهة امرأة يائسة. ساعدها والداها قدر استطاعتهما. انتقلت للعيش معهما في تورين لمدة ستة أشهر. ثم تركت شقتها في روسافا التي لم تعد قادرة على تحمل تكاليفها على أي حال.
انتقل ميغيل ولورا إلى مدرسة أخرى في منتصف العام الدراسي الأمر الذي كان صادما خاصة لميغيل الذي كان يبلغ من العمر تسع سنوات وكان كبيرا بما يكفي ليدرك أن شيئا فظيعا قد حدث لكنه لم يكن كبيرا بما يكفي ليتعامل معه بطريقة سليمة. أصيب الصبي بقلق الانفصال وكان يبكي في كل مرة تغادر فيها كارمن إلى العمل وكان يعاني من كوابيس متكررة تختفي فيها والدته أيضا.
انتهى بها المطاف بالخضوع للعلاج النفسي لدى أخصائية نفسية للأطفال من خلال نظام الرعاية الصحية العامة وكان لديها قائمة انتظار لمدة ثلاثة أشهر. بدت لورا الأصغر سنا أكثر قدرة على التأقلم ظاهريا لكنها بعد سنوات عانت من مشاكلها الخاصة في بناء الثقة بالعلاقات. وجدت كارمن وظيفة بدوام كامل في سوبر ماركت في تورنت في الفترة المسائية.
كانت والدتها ترعى الأطفال بينما تعمل. كانت تكسب 950 يورو شهريا وهو مبلغ بالكاد يكفي للمساهمة في نفقات والديها وتوفير بعض المال لاستئجار شقتها الخاصة في نهاية المطاف. عاشت حياة روتينية أشبه بحياة الزومبي تعمل وتعتني بأطفالها وتنام قليلا وتكرر نفسها لكنها لم تتوقف أبدا عن البحث عن روبرتو.
تحول الأمر إلى هاجس سيهيمن على العقدين التاليين من حياته. ففي كل صباح سبت حين يجد وقت فراغ كان يذهب إلى مركز مدينة روبرتو في فالنسيا ويسأل في المحلات والمقاهي والأسواق. كان معظم الناس ودودين لكن دون جدوى. لم يره أحد أو على الأقل لم يتذكره أحد. في عام ٢٠٠٤ تواصل مع محقق خاص ضابط شرطة سابق يدعى فرانسيسكو مارتينيز كان يعمل من مكتب صغير في بينيماكليت.
شرحت له وضعها المالي وتوسلت إليه أن يساعدها. تأثر الرجل بعطفها فوافق على التحقيق مقابل أجر مخفض قدره 300 يورو شهريا لمدة ثلاثة أشهر. راجع السجلات العامة وتواصل مع المخبرين وتابع بعض الخيوط. في نهاية الأشهر الثلاثة لم يكن لديه ما يقدمه لها بشكل ملموس سوى نفس النظرية التي سبق أن قدمتها له الشرطة.
ربما يكون روبرتو قد غادر البلاد أو مات. لم تقبل كارمن أيا من هذين الاحتمالين. شعرت في قرارة نفسها أن روبرتو ما زال على قيد الحياة. لم تستطع تفسير ذلك. لم يكن الأمر منطقيا على الإطلاق لكن هذا اليقين دفعها لمواصلة البحث. انضمت إلى مجموعات دعم لعائلات المفقودين. والتقت بنساء ورجال آخرين لديهم قصص مشابهة.
كان بعضهم يبحث عن والديه وآخرون عن إخوته وآخرون عن أطفالهم. جميعهم تشاركوا نفس النظرة في عيونهم ألم ممزوج بأمل لا يندمل. في عام ٢٠٠٦ بعد ثلاث سنوات من الاختفاء استأجرت كارمن أخيرا شقة صغيرة في تورنت لها ولأطفالها. غرفتا نوم حمام واحد ومطبخ مفتوح.
كان منزلهم متواضعا لكنه كان منزلهم. شيئا فشيئا بدأوا في إعادة بناء ما يشبه الحياة. كان ميغيل في الثانية عشرة من عمره ولورا في التاسعة. كانوا أطفالا يتمتعون بالمرونة كما هو حال جميع الأطفال ولديهم تلك القدرة المذهلة على التكيف مع الظروف التي قد تدمر الكثير من البالغين. مرت السنوات بتلك الصفة الغريبة التي يتميز بها الزمن بعد الصدمة بعض الأيام تزحف ببطء وأخرى تمر بسرعة خاطفة دون أن تترك أثرا.
بدأ ميغيل دراسته
في المرحلة الإعدادية ثم الثانوية. كان طالبا متفوقا وكأنه حول كل ألم غياب والده إلى تفوق أكاديمي. أما لورا فكانت أكثر ميلا إلى الفن فقد كانت تحب الرسم وتقضي ساعات طويلة مع أقلام التلوين ترسم عوالم خيالية ربما كانت تعالج فيها ما لم تنطق به أبدا.
ظهرت كارمن في العديد من البرامج التلفزيونية على مر السنين. ففي عام ٢٠٠٧ شاركت في برنامج ديساباريسيدوس على قناة ٩ وهو برنامج مخصص لهذه الحالات. وفي عام ٢٠١٠ ظهرت في برنامج أندلسيون من أجل العالم الذي عرض حلقة خاصة عن المفقودين من فالنسيا. وفي عام ٢٠١٥ شاركت في فيلم وثائقي من إنتاج شركة مستقلة يتناول قصص عائلات تشتت شملها بسبب حالات الاختفاء.
في كل مرة كان الطقس يتكرر نفسه. عرض صور روبرتو وإعطاء رقم هاتف الشرطة والتوسل للحصول على معلومات وفي كل مرة كانت ترد بضع مكالمات كانوا يبدأون التحقيق لكن دون جدوى. كانت كارمن تمر بأوقات عصيبة تكاد تستسلم فيها وتعيش ليالي حالكة تفكر فيها بالتخلص من جميع صور روبرتو وبيع خاتم الزواج الذي لا تزال ترتديه وإعلان وفاته قانونيا والمضي قدما في حياتها.
اقترح والداها وأصدقاؤها وحتى أبناؤها بلطف أن الوقت قد حان لتتقبل أنها لن تعرف الحقيقة أبدا. لكن كان هناك دائما شيء ما يعيقها قوة لم تستطع تحديدها. في عام ٢٠١٣ بعد عشر سنوات من اختفائه بلغ ميغيل الثامنة عشرة من عمره. أصبح الآن رجلا طويل القامة مثل والده بنفس العينين البنيتين وبنفس طريقة العبوس.
عندما فكرت في أمر صعب قررت دراسة هندسة الحاسوب في جامعة فالنسيا التقنية. ذرفت كارمن دموع الفخر في حفل تخرجها من الثانوية لكنها ذرفت أيضا دموع الحزن لغياب روبرتو. أما لورا فقد قررت دراسة التصميم الجرافيكي.
لقد كبرت لتصبح شابة جميلة وموهوبة تتمتع بمزيج من القوة والهشاشة التي تميز من نجت من صدمة مبكرة. نادرا ما كانت تتحدث عن والدها وإذا فعلت كان حديثها أشبه بحديث مجرد كما لو أن روبرتو شخصية في قصة سمعتها مرة لكنها لم تتذكر أنها عاشتها بالفعل.
بحلول عام 2020 أي بعد 17 عاما من اختفائها كانت كارمن قد بلغت الخمسين من عمرها. ظهرت خصلات رمادية في شعرها لم تعد تهتم بصبغها. كانت ملامح وجهها مليئة بالتجاعيد العميقة خاصة حول عينيها نتيجة سنوات من البكاء والقلق والبحث. ترقت في السوبر ماركت حتى أصبحت مديرة قسم وحصلت على راتب أعلى قليلا.
كانت تتمتع بأمان وظيفي وعاشت حياة هادئة وروتينية. عمل ميغيل مطور مواقع إلكترونية في شركة ببرشلونة وكان يعيش مع صديقته لورا التي أنهت دراستها وتعمل لحسابها الخاص في تصميم المواقع للشركات الصغيرة. كان كلاهما يزور كارمن بانتظام ويعتنيان بها ويحبانها لكنهما لاحظا أيضا كيف كان هوسها بالعثور على روبرتو يستحوذ عليها تدريجيا لأن كارمن لم تتوقف عن البحث.
حتى عندما كاد لا أحد يفكر في روبرتو كامبوس وحتى عندما أصبحت القضية باردة لدرجة أن الجيل الجديد من ضباط الشرطة في المركز لم يكونوا على علم بوجودها استمرت في حمل الصور في حقيبتها. واستمرت في النظر إلى الغرباء في الشارع باهتمام أكبر من المعتاد.
ظلت تأمل أن تجد إجابات يوما ما بطريقة ما. في الثامن عشر من سبتمبرأيلول عام ٢٠٢٣ يوم الاثنين كانت كارمن في إجازة من العمل. استيقظت دون أي خطط مسبقة غير مدركة أن ذلك اليوم سيغير كل شيء. كانت الساعة العاشرة صباحا يوم خريفي مثالي على شواطئ البحر الأبيض المتوسط بشمس لطيفة لم تعد حارقة كما في الصيف لكنها لا تزال دافئة وجذابة.
قرر الذهاب إلى مركز مدينة فالنسيا لإنجاز بعض المعاملات المصرفية. كان بحاجة لحل مشكلة تتعلق بتحويل لم يعالج بشكل صحيح. استقل المترو من محطة تورينت إلى محطة شايبا. ثم سار على طول شارع أفينيدا ديل سيد باتجاه فرع بنكه بالقرب من مدينة الفنون والعلوم. كان الفرع مبنى عصريا مصنوعا بالكامل من الزجاج والفولاذ ويحمل ذلك الطابع غير الشخصي الذي يميز البنوك الإسبانية بعد أزمة 2008.
دخلت كارمن في تمام الساعة 1115. كان هناك العديد من الأشخاص ينتظرون جالسين على تلك الكراسي البلاستيكية الصلبة التي توضع في جميع الفروع. عرضت شاشة رقمية أرقاما نظام انتظار بدا دائما أبطأ من اللازم. أخذت كارمن رقمها B47 وجلست تنتظر.

أخرجت هاتفها وبدأت تتصفح تطبيق واتساب بلا مبالاة. وجدت رسالة من لورا تسألها إن كانت ترغب بتناول الغداء معا ذلك الأسبوع. ورسالة أخرى من ميغيل يرسل فيها صورة قطته الجديدة رسائل روتينية من حياة عادية. ثم رفعت نظرها فجأة وقد ملت الانتظار فرأته.
كان يجلس على بعد خمسة أمتار في صف آخر من الكراسي ينظر إلى هاتفه. أكبر بعشرين عاما بشعر رمادي وخطوط عميقة حول عينيه أنحف من ذي قبل. لكنه كان هو. شكل أنفه والشامة على رقبته عند نهاية ياقة قميصه وطريقة عبوسه الخفيفة عند النظر إلى الشاشة حتى طريقة إمساكه بالهاتف.
كان روبرتو زوجها الرجل الذي اختفى قبل عشرين عاما وأربعة أشهر. توقف عالم كارمن. أصبح كل صوت بعيدا مكتوما كما لو كانت تحت الماء. بدأ قلبها يخفق بشدة لدرجة أنها كانت تسمعه في أذنيها. ارتجفت يداها. للحظة ظنت أنها تهلوس وأن الهوس الذي دام عقدين من الزمن قد حطمها أخيرا وأنها ترى أشياء غير موجودة.
لقد شهدت كارمن العديد من المشاهدات الخاطئة على مر السنين مرات عديدة رأت فيها غريبا في الشارع فقفز قلبها ظنا منها أنه روبرتو. لكن هذه المرة كانت مختلفة. لم يكن هذا مجرد تشابه عابر من بعيد. كان هناك يتنفس نفس الهواء الذي تتنفسه في نفس الغرفة قريبا جدا لدرجة أنها كانت تستطيع أن تمد يدها وتلمس كتفه. لم تكن كارمن تعرف ماذا تفعل.
كانت غريزتها الأولى هي الصراخ والركض نحوه والمطالبة بإجابات لكن شيئا ما منعها. مزيج من الصدمة والخوف وغريزة غامضة أخبرتها بضرورة توخي الحذر. إذا صرخت إذا أحدثت ضجة فقد يهرب. وبعد عشرين عاما كانت بحاجة لمعرفة الحقيقة أكثر من حاجتها لإشباع رغباتها الآنية.
ثم رفع روبرتو رأسه. مسحت عيناه الغرفة بنظرة عابرة تلك النظرة الشاردة التي تظهر على وجوه الناس أثناء انتظارهم. مرت عيناه فوق كارمن دون توقف دون أن يلقي عليها بالا. للحظة التقت عيناهما مباشرة ولم يكن هناك أي شيء. لا صدمة لا رعب لا تعرف.
نظر إليها كما ينظر إلى أي امرأة غريبة في الخمسين من عمرها تنتظر دورها في البنك. كان ذلك أكثر إثارة للقلق من وجوده هناك. لقد تغيرت كارمن خلال عشرين عاما. هذا صحيح. أصبح شعرها أقصر وبه خصلات رمادية. ازداد وزنها وظهرت عليها التجاعيد لكن ربما لم يتعرف عليها أو ربما كان ممثلا بارعا لدرجة أنه يستطيع أن ينظر في عيني المرأة التي شاركها عشر سنوات من حياته ويتظاهر بعدم الاهتمام.
كان قلب كارمن يخفق بشدة لدرجة أنها ظنت أن جميع من في البنك يسمعونه. حاولت السيطرة على تنفسها والحفاظ على رباطة جأشها. عاد روبرتو إلى هاتفه. بدا مسترخيا تماما بلا أي توتر كأي مواطن آخر يقضي بعض المشاوير صباح يوم الاثنين.
كانت أفكار كارمن مشوشة. ماذا تفعل هل تتصل بالشرطة أم تواجهه في الحال ماذا لو لم يكن هو حقا ماذا لو كان مجرد تشابه غريب لكنها كانت متأكدة تماما أنه روبرتو. الزوجة تعرف زوجها بطرق تتجاوز المنطق. ثم تغيرت الشاشة الرقمية.
B48 جاء دور روبرتو. نهض وتوجه إلى إحدى نوافذ الصرافين وفي يده ملف. راقبته كارمن في ذهول. تحدث إلى موظفة البنك وهي شابة في الثلاثينيات من عمرها. لم تستطع سماع ما قالاه لكن بدا الأمر وكأنه معاملة روتينية. وقع على بعض الأوراق.
كتبت الصرافة شيئا ما على جهاز الكمبيوتر. استغرقت العملية حوالي خمس دقائق. ثم أخذ روبرتو أوراقه وشكرها بابتسامة مهذبة واستدار وبدأ يمشي نحو المخرج. في غضون ثانيتين سيخرج من البنك وقد تفقده كارمن إلى الأبد. تصرف بدافع غريزي بحت. نهض غير مدرك أن رقمه لم ينادى بعد وتبعه.
غادرت البنك بعده بعشر ثوان تقريبا. كان شارع سيد مزدحما نوعا ما حيث كان الناس يترددون عليه. حركة مرور عادية في صباح يوم الاثنين. سار روبرتو بخطى وئيدة إلى اليسار متجها نحو مدينة الفنون والعلوم. تبعته كارمن محافظة على مسافة حوالي عشرين مترا.
كان ذهنها لا يزال مشوشا لكن جسدها تحرك بوضوح مدهش كما لو أن سنوات من تخيل هذه اللحظة قد هيأتها دون وعي. لم يلتفت روبرتو إلى الوراء. سار بثقة من لا يشك في أنه ملاحق. سار لعشر دقائق تقريبا ثم انعطف إلى شارع جانبي أكثر هدوءا تصطف على جانبيه مبان سكنية حديثة البناء.
حافظت كارمن على مسافة بينها وبينهم وقلبها لا يزال يخفق
بشدة. مروا بحديقة صغيرة حيث كانت بعض الأمهات الشابات يراقبن أطفالهن على الأراجيح. واصل روبرتو سيره غير مكترث حتى وصلوا إلى مبنى سكني من خمسة طوابق بواجهة بيج وشرفات صغيرة. أخرج مفاتيحه من جيبه وفتح الباب الأمامي واختفى في الداخل.
انتظرت كارمن لحظة ثم اقتربت من المبنى. لم يكن هناك جهاز اتصال داخلي عليه أسماء لكن كانت هناك صناديق بريد في الردهة. رأت عدة أسماء مكتوبة على ملصقات غارسيا سانشيز لوبيز أسماء إسبانية شائعة. كان أحد صناديق البريد مكتوبا عليه ر. ديلغادو. الطابق الأول الباب ج روبرتو ديلغادو. لقد غير اسمه الأخير أو كان يستخدم اسما مزيفا.
حفظت كارمن العنوان وأخرجت هاتفها بيدين مرتعشتين والتقطت صورا للمبنى والشارع وكل شيء. ثم انصرفت مسرعة وعقلها يعج بألف سؤال. لم تذهب كارمن مباشرة إلى الشرطة. كانت تعلم أن مصداقيتها ستشكك بعد عشرين عاما. لقد رأيت زوجي المفقود في أحد البنوك.
بدا الأمر وكأنه مجرد أمنية أخرى من امرأة لم تتقبل الاختفاء قط. كانت بحاجة إلى دليل قاطع قبل إبلاغ السلطات. في ذلك اليوم اتصلت بميغيل. كان من الصعب عليها أن تشرح الأمر دون أن تبدو مجنونة تماما. قالت يا بني أريدك أن تأتي إلى فالنسيا في نهاية هذا الأسبوع. أعتقد أنني رأيت والدك. ساد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط.
أجاب ميغيل الشاب البالغ من العمر 28 عاما والذي يتمتع بحياة مستقرة بحذر أمي لقد تحدثنا في هذا الأمر من قبل. هل أنت متأكدة أنه لم يكن مجرد شخص يشبهني لكن شيئا ما في صوت كارمن أقنعه. في يوم السبت التالي استقل ميغيل القطار من برشلونة. وذهبا معا إلى المبنى الواقع في شارع أفينيدا ديل سيد.
مرت كارمن عدة مرات خلال الأسبوع في أوقات مختلفة محاولة رصد أي نشاط. يوم الجمعة رأت روبرتو يغادر حوالي الساعة التاسعة صباحا مرتديا ملابس غير رسمية لكنها لم تكن ملابس عمل. دخل مقهى قريبا وقرأ الجريدة لمدة ساعة ثم عاد إلى المبنى.
انتظر ميغيل وكارمن في سيارة مستأجرة مركونة أمام مدخل المبنى. في تمام الساعة العاشرة والنصف صباحا خرج روبرتو. رآه ميغيل فشحب وجهه. همس قائلا يا إلهي إنه أبي يا أمي. إنه أكبر سنا لكنه هو. تبلورت عشرون عاما من عدم اليقين في تلك اللحظة. لم يكونا مجنونين. لم يكن الأمر مجرد وهم. كان روبرتو كامبوس حيا ويعيش على بعد أقل من خمسة كيلومترات من المكان الذي اختفى فيه.
قرروا اللحاق به. سار روبرتو إلى موقف الحافلات وانتظر ثلاث دقائق ثم استقل حافلة متجهة إلى بينيماكليت. تبعه ميغيل وكارمن بسيارتهما المستأجرة وهو أمر كان صعبا في زحام فالنسيا لكنهما تمكنا من إبقاء الحافلة في مرمى البصر. نزل روبرتو في بينيماكليت.
دخل مركزا تجاريا صغيرا. تبعوه إلى الداخل محافظين على مسافة بينهم. توجه روبرتو مباشرة إلى محل تصوير. راقبه ميغيل وكارمن من متجر ملابس قريب. داخل المحل بدا أن روبرتو يعرف صاحبه وهو رجل مسن جيدا. تبادلا أطراف الحديث بحيوية لعدة دقائق. ثم أخرج روبرتو شيئا من حقيبته.
بدا وكأنه كاميرا فبدأ يتفحصه مع صاحبه. بعد حوالي عشرين دقيقة غادر روبرتو المتجر وبدا أن حقيبته أخف وزنا وتوجه إلى مقهى في الساحة الرئيسية لبيني ماكليت. جلس على طاولة خارجية وطلب قهوة وأخرج كتابا من حقيبته وبدأ يقرأ في استرخاء تام كرجل لا يحمل هموما في الدنيا.
لم تعد كارمن تحتمل الأمر. قبل أن يتمكن ميغيل من إيقافها اتجهت مباشرة نحو الطاولة. توقفت أمام روبرتو وألقى ظلها على الكتاب. نظر إليها وقد بدا عليه الانزعاج قليلا من المقاطعة. التقت عيناهما. قالت كارمن بصوت مرتعش لكن واضح روبرتو. رمش الرجل.
معذرة أظن أنك تظنينني شخصا آخر. كان صوته هو صوته أكبر بعشرين عاما وأكثر خشونة مع لمحة خفيفة من رائحة التبغ ربما لكنه كان صوت روبرتو. شعرت كارمن بالدوار. روبرتو كامبوس نافارو المولود في 14 أبريل 1968 في بوريانا كاستيلون اختفى في 22 يونيو 2003. زوج كارمن رويز ووالد ميغيل ولورا.
نطقت كارمن كل كلمة وكأنها اتهام. شحب وجه روبرتو. للحظة انزلق قناع الحيرة من وجهه ورأت كارمن خوفا خالصا في عينيه. ثم تمالك نفسه. أنا آسف لا أفهم ما تتحدث عنه حقا. بدأ ينهض. ظهر ميغيل بجانبه. مرحبا يا أبي.
كان صوته حادا
مليئا بغضب مكبوت دام عشرين عاما. تجمد روبرتو ونظر إلى
تم نسخ الرابط