اختفاء بلا أثر ماذا حدث لغوادالوبي هيريرا مارتينيث؟
المحتويات
غطيت المنطقة من جديد. بيع المكان بثمن منخفض وبني فوقه مستودع لمواد معاد تدويرها. لم يعرف المالكون الجدد ما كان هناك من قبل. أما ميريام فاحتفظت بالبلوزة والحقيبة في صندوق مبطن بقماش أبيض. لم تستطع دفنهما ولم تستطع التخلي عنهما. كانتا الدليلين الوحيدين على أن أمها وجدت يوما وأنها لم تغادر بإرادتها.
أرسلت القطعتان إلى المختبر. أفاد التقرير بأن الألياف متوافقة مع مواد صنعت وسوقت بين عامي 1994 و ولم تسجل آثار دم مرئية أو حمض نووي صالح للاستخدام. الطين والزمن وثقل الإسمنت أفسدوا كل أثر بيولوجي. أبدت النيابة تحت إدارة مختلفة استعدادا أكبر لإعادة فتح القضية لكن الخلاصة بقيت كما هي بلا جثمان لا جريمة مؤكدة بلا شهود لا متهمين بلا أدلة لا قضية. وجاء في المحضر الختامي أن العناصر المعثور عليها لا تتيح إثبات الوفاة قانونيا بصورة يقينية للسيدة غوادالوبي هيريرا مارتينيث.
وقعت ميريام الوثيقة دون أن تنظر إلى أحد. تعلمت عبر السنين أن أعمق ألم لا يصرخ بل يصمت ويواصل العيش. روسيو التي بلغت الثامنة والعشرين لم تحتمل حضور الجلسة. ما كان يوجعها لم يكن غياب العدالة وحده بل فكرة أن مقتنيات أمها ظلت تحت لوح إسمنتي على بعد دقائق من البيت لأكثر من عقد بينما كن يبحثن عنها في كل المدينة. قالت يوما كنا ننتظرها وكانت هناك بجانبنا بلا صوت.
أما إدواردو فظل أسير شك ثقيل. لم يتجاوز فكرة أن من فعل ذلك قد يكون ما يزال حيا يمشي في الشارع نفسه ويعيش بلا شعور بالذنب.
وبشأن فرجينيا دي لا توري لم تعثر النيابة إلا على شهادة ميلاد مؤرخة عام 1945. لا سجل بعدها. إشارات متفرقة عن انتقال محتمل إلى بويبلا أو وجود أخت في ليون بلا إثبات. لم تستدع ولم يحقق معها بجدية.
في عام 2012 ضم فريق من أسر المفقودات ملف غوادالوبي إلى معرض فوتوغرافي بعنوان غيابات تؤلم. علقت صورتها القديمة إلى جانب صور عاملات أخريات اختفين في التسعينيات. حضرت ميريام الافتتاح تحمل البلوزة مطوية في حقيبة قماش بيضاء. أبقتها على حجرها طوال الحفل. لم تدل بتصريحات. قالت فقط أمي خرجت يوما لتطالب بما لها ولم تعد.
اليوم يقف فوق الأرض التي ظهر
وفي بيت شارع سيدروس ما تزال ميريام تعيش. تبقي غرفة أمها كما كانت وعلى الحائط قرب المذبح ورقة مغلفة بالبلاستيك غوادالوبي هيريرا مارتينيث أم عاملة مختفية منذ 1997. وفي كل يوم 3 مارس لا يطبخ في ذلك البيت لا يشغل التلفاز ويترك مكان فارغ على المائدة. تشعل ميريام شمعة أمام البلوزة الخمرية لا مواساة ولا طقس حزن بل احتجاجا صامتا يقول إن الغياب لا يعني الرحيل.
استمرت الأيام لكنها لم تعد طبيعية. قلت الزيارات وتوقف الجيران عن السؤال. تعلمت الأسرة التعايش مع ما لم يقل. عادت ميريام إلى عملها كمساعدة تربوية لكن شيئا فيها تبدل. لم تعد تضحك كما كانت وكثيرا ما كانت عيناها تتيهان حين يذكر اسم غوادالوبي. كانت أمها قدوتها وبوصلتها وصارت مسؤوليتها الكبرى ألا يبتلعها النسيان.
كلما استطاعت نظمت لقاءات صغيرة في البيت تدعو فيها نساء الحي للحديث عما حدث. ومع الوقت صاروا يستخدمون الكلمة التي تجنبها الجميع طويلا اختفاء. ومن دون أن تسعى لذلك أصبحت ميريام مرجعا غير رسمي. كانت قد عاشت ما تخشاه كثيرات وذلك منحها قوة هادئة حتى وهي تتفتت من الداخل.
في إحدى أمسيات عام 2013 وبينما كانت ميريام ترتب رفا قديما في غرفة أمها عثرت على شيء لم تتذكر أنها رأته من قبل دفتر صغير رمادي الغلاف صلب بلا عنوان. كان مدسوسا بين أوراق باهتة داخل صندوق تركته غوادالوبي أعلى الخزانة. وحين فتحته وجدت جملا متفرقة خواطر كتبت في أوقات متباعدة. كانت الكلمات بسيطة لكنها ثقيلة أحيانا أسأل نفسي هل تكفي هذه الحياة لامرأة واحدة. نحن اللواتي نخدم الآخرين لنا تعب أيضا. هناك أشياء تنكسر دون أن تصدر صوتا.
احتفظت ميريام بالدفتر كما لو كان وصية. كل سطر فيه أكد إحساسا قديما لم يفارقها أمها لم تكن تريد أن تختفي ولم تكن مستعدة للاستسلام لكنها أيضا لم تعد تقبل أن تبقى غير مرئية.
إدواردو من جهته لم يكن يتحدث عن الأمر. انشغل بإصلاح المحركات وبيع قطع الغيار غير أن صمته لم يكن نسيانا. بين حين وآخر كان
وفي مرة كسر صمته أمام ميريام وماذا لو لم تكن السيدة فرجينيا ماذا لو كان شخصا آخر شخصا من هنا أحد يعرف أن أمي خرجت لتحصيل مستحقاتها ذلك اليوم. لم تجد ميريام جوابا. الاحتمالات كانت بلا نهاية والنظام لم يظهر يوما رغبة حقيقية في استبعاد أي منها.
ذلك الشك ذلك الكسر الداخلي كان الأكثر إيلاما.
أما روسيو وقد أصبحت ممرضة فاختارت مسافة عاطفية تحميها. ساعدت في البيت ووقفت إلى جانب ميريام في لحظات الإنهاك لكنها تجنبت فتح باب الماضي. حتى جاء يوم بلا مقدمات. وضعت أمام أختها ملفا أصفر سميكا. قصاصات ملاحظات رسومات ونصوص كتبتها بنفسها. عنونته ما تركته أمي.
كان الملف خلاصة سنوات من الصمت. نسخ من الملصقات القديمة صور عائلية إشارات إلى نساء أخريات اختفين في التسعينيات. كان فعلا هادئا لكنه واضح المعنى أنا أيضا أتذكر.
جمع ذلك الاعتراف الإخوة الثلاثة حول جرح واحد. لم يعودوا كما كانوا ولن يكونوا كذلك أبدا لكنهم صاروا يتقاسمون الألم بدل أن يحمله كل منهم وحده.
بعد سنوات من العثور على المقتنيات عاودت النيابة الاتصال بميريام. أرادوا توقيع محضر افتراض وفاة. قالت بهدوء حاسم لا. ما دام لا يوجد جثمان وما دامت الحقيقة لم ترو كما حدثت ستظل أمها مفقودة لا ميتة ولا منسية. قد رفع اللوح لكن ثقله بقي.
وهكذا في مستعمرة تشبه عشرات غيرها شرق مدينة مكسيكو بين شوارع بلا أسماء وأسلاك كهرباء متشابكة بقي بيت ينتظر. لم يعد انتظارا بسذاجة الأمل الأولى بل بكرامة صامتة لمن يعرف أن قصته تستحق أن تروى. حتى لو لم يعد العالم يسمع فإن صمت بيت واحد قد يمتد لعدة شوارع وأحيانا يكفي حيا كاملا.
في السنوات التالية تحولت قصة غوادالوبي إلى همس ثابت داخل سانتا مارتا أكاتيتلا. لم تتصدر الصحف ولم تصبح خبرا وطنيا لكن من عرفها لم ينسها. بدأت دونيا إلفيرا روميرو تشعل شمعة إضافية كل يوم 3 مارس عند باب بيتها. بلا
تكرر الفعل. بيت واحد ثم بيتان ثم ثلاثة. في حي اعتاد نقص الخدمات وحكايات بلا صدى وجدت الذاكرة طريقها.
ميريام واصلت عملها ورعايتها للبيت وفي وقت فراغها بدأت تكتب أسماء نساء أخريات اختفين في المنطقة. قائمة بخط اليد. لم يكن نشاطا منظما بقدر ما كان ضرورة رفضا لأن تصبح قصة أمها مجرد حالة أخرى.
تلك العبارة التي سمعتها مرارا مجرد حالة أخرى ربما بدأت حياة جديدة لم تعد تضعفها. صارت الشرارة.
في عام 2015 جاءت روسيو بخبر مطبوع من العيادة. امرأة مسنة بلا أوراق عثر عليها تائهة في الشمال وبعض ملامحها تشبه غوادالوبي. ترددوا ثم تواصلوا مع سلطات الولاية أرسلوا الصور وطلبوا فحصا وراثيا. بعد ثلاثة أسابيع جاء الرد ليست هي.
كانت تلك آخر مرة سمحوا فيها للأمل أن يتقدم بهذه الجرأة. بعد ذلك تغير الهدف. لم يعد العثور على غوادالوبي وحدها بل منع أن تختفي نساء أخريات بالطريقة نفسها.
بدأت ميريام تلقي كلمات قصيرة في المدرسة الإعدادية القريبة. لم تكن دروسا بل تحذيرات خرجت من الألم وثقن تحركاتكن شاركن المعلومات ثقن بشخص واحد على الأقل. وكانت تكرر دائما الجملة ذاتها أمي خرجت لتحصيل ما لها. كانت ترتدي بلوزة خمرية. ولم تعد.
إدواردو اختار الصمت. غضبه أصبح روتينا ثقيلا. كان يمر كل ليلة أمام المستودع ينظر إلى ظله تحت ضوء العمود ويمضي. ولمرة واحدة فقط سأل عاملا جديدا إن كانوا قد حفروا يوما في ذلك الموضع. نظر الرجل باستغراب إنها أرض صلبة لا أكثر. أجاب إدواردو لا شيء.
ظل المكان سرا غير معلن. بعضهم سماه أرض السيدة. آخرون تجنبوا المرور منه لا خوفا بل احتراما.
روسيو من موقعها كممرضة بدأت ترى أنماطا مؤلمة أمهات لا يعدن إلى مواعيد المتابعة نساء يتوقفن فجأة عن الظهور. تعلمت أن تقرأ الصمت في العيون. وفي أكثر من مرة قالتها بوضوح إن اختفى أحد لا تنتظروا. ابحثوا. طالبوا. لا تسكتوا.
ثلاثة إخوة ثلاثة مسارات وجرح واحد لم يندمل لكنه تحول مع الوقت إلى ذاكرة تقاوم الاختفاء.
لم تحل قضية غوادالوبي هيريرا أبدا.
متابعة القراءة