اختفاء بلا أثر ماذا حدث لغوادالوبي هيريرا مارتينيث؟

لمحة نيوز

سجل رسمي بعد عام 1997 كأن البلاد نفسها تخفي شقوقا يسقط فيها البعض فلا يرى لهم أثر.
في المكسيك هناك عائلات تقضي عمرها وهي تردد السؤال ذاته أين أمي لماذا لا يبحث أحد ماذا لو كانت ما تزال حية
أسرة هيريرا لم تعد تسأل بالطريقة الأولى ولم تعد تبحث بذلك الاندفاع القديم لكنها لم تتوقف عن الحكي. كان الحكي فعل مقاومة صامتة ما دامت القصة تروى فلن تتحول غوادالوبي إلى رقم في ملف مهمل بل ستبقى ذاكرة حية وتحذيرا لمن يظن أن الاختفاء يحدث للآخرين فقط.
النسيان شكل من أشكال العنف لكن التذكر أيضا مؤلم.
بعد قرابة عقدين على اليوم الذي خرجت فيه غوادالوبي مرتدية بلوزتها الخمرية وحقيبتها الفاتحة ظل غيابها حاضرا في البيت. لم يكن مجرد ذكرى بل ثقلا موزعا على أشياء وروتين وإيماءات لا إرادية. اسم يقال رغم الصمت الرسمي وحضور بلا وجه يملأ الزوايا.
ميريام وقد تجاوزت الأربعين تعلمت كيف تتحرك داخل هذا الألم. لم تعد تبكي كل يوم ولم تعد تفتش عن إجابة في كل تفصيلة لكنها لم تتخل عن حماية ما تبقى. البلوزة محفوظة بعناية داخل ورق رقيق مذبح بسيط تعلوه شمعة بيضاء ودفتر أمها المليء بخواطر قصيرة تبدو كرسائل من زمن يرفض أن يغلق.
وفي أحد الأيام بينما كانت ترتب أوراقا قديمة عثرت على رسالة لم ترسل قط. كانت موجهة إلى فرجينيا بخط ضيق وحبر أزرق
أنت تعرفين ما فعلت أو ما سمحت أن يحدث. لا أدري إن كنت أنت من فعل أم كان أحد حولك لكن الصمت أيضا عنف. أنا لا أحتاج عدالة أحتاج أن تقوليها. أن تقوليها على الأقل.
لم تعرف ميريام إن كانت أمها هي من كتبت تلك الكلمات قبل اختفائها أم أنها هي من صاغتها بعد سنوات محاولة منح لغة لشيء بلا اسم. احتفظت بالرسالة ولم تخبر أحدا. لم تعد تتوقع عودة فرجينيا لكنها كانت تتمنى أن تشعر تلك المرأة في مكان ما بوخزة لا تزول.
إدواردو من جهته بدأ يعاني متاعب صحية ضغط مرتفع وصداع متكرر. صمته صار أكثر كثافة. لم يعد يتحدث عن الماضي لكنه ظل يمر أحيانا قرب المكان. لا يقف طويلا فقط يمر بدراجته يلمح المستودع ثم يمضي. سأله صديق مرة لماذا تفعل ذلك صمت قليلا ثم
قال هناك شيء لي هناك. وكان صادقا جزء منه دفن مع تلك الحقيبة الممزقة.

روسيو حاولت إقناعهما بعلاج نفسي أسري. ميريام رفضت وإدواردو اعتبره مضيعة للوقت. ذهبت روسيو وحدها. في إحدى الجلسات سألتها الأخصائية ماذا تشعرين حين تفكرين بأمك أجابت ظلم لكن أيضا فخر. أمي تجرأت على ما لا تفعله كثيرات طالبت بحقها. عندها بدا واضحا أن حكاية غوادالوبي ليست مأساة فقط بل إرثا وتحذيرا.
خلال تلك السنوات ظهرت شائعات بعيدة امرأة في فيراكروز بملامح مشابهة مقالة قديمة عن شبكات استغلال في بويبلا ومن قال إنه رأى امرأة تشبه غوادالوبي في مطبخ خيري في إيدالغو. كل إشارة كانت تفتح نافذة أمل قصيرة ثم تغلق. ميريام تعلمت أن تصفي ألا تسمح لكل احتمال أن يهزها من الداخل. صنعت قلبا متحصنا لا بلا إحساس بل محميا لأنها أدركت أن أمها لن تعود وأن النسيان ليس خيارا.
في عام 2016 دعيت ميريام إلى لقاء غير رسمي لأسر المفقودين. لم ترغب في الذهاب كانت ترى أن الكلمات لا تغير شيئا. روسيو أصرت فذهبت. في قاعة صغيرة بكراس بلاستيكية وقهوة سريعة سمعت قصصا تكاد تتطابق مع قصتها. أمهات وأخوات وزوجات كلهن يشتركن في الجملة ذاتها امرأة خرجت ولم تعد.
لأول مرة منذ سنوات لم تشعر ميريام بأنها وحدها. لم تلق خطابا ولم تطلب شيئا. فقط عرضت صورة أمها نفس الصورة التي علقتها على الملصقات عام 1997. غوادالوبي واقفة أمام حائط ترتدي مريولا يداها متشابكتان وابتسامة خفيفة على وجهها.
بعد الاجتماع اقتربت منها امرأة وسألت أمك أيضا كانت عاملة منزل أومأت ميريام. فقالت المرأة هن يسندن البلد ولا أحد يبحث عنهن حين يختفين. بقيت العبارة في ذهن ميريام طويلا لأنها اختصرت كل ما عاشوه.
غوادالوبي لم تكن استثناء. كانت رمزا. وميريام بدأت ترى ذلك بوضوح أكبر.
في البيت لم يكن الإخوة يتحدثون عن الأمر كل يوم لكنهم كانوا يعرفون أن كل ما يفعلونه كل قرار كل عادة كل صمت ما يزال يدور حول غياب واحد. غياب لم يعد يلسع كما في السابق لكنه لم يفقد ثقله.
أحيانا تكفي قصة امرأة واحدة لتشرح ما تعجز عنه آلاف القصص.
في المدرسة الإعدادية
الفنية التي كانت ميريام تساعد فيها وقع ما أعاد بعثرة كل شيء داخلها. طالبة في الرابعة عشرة توقفت عن الحضور بلا تفسير. اسمها إيتسل فارغاس تعيش مع جدتها في منطقة أعلى من الحي. لم يقدم بلاغ ولم يعرف أحد شيئا. مر الأمر بلا ضجيج لكن ميريام لم تحتمل ذلك الصمت. تحدثت مع المديرة والمعلمين وبدأت تسأل ومن حيث لا تريد عادت إلى تلك المنطقة القديمة من العجز التي عرفتها في 1997.

عادت تلصق منشورات. عادت تسير في الشوارع. عادت تشعر بالغثيان الصامت الذي يصاحب الخوف. بعد أربعة أيام عثر على إيتسل. كانت حية ذهبت . انتهت القصة لكن أثرها لم ينته داخل ميريام. قالت لنفسها لا أستطيع أن أبقى متفرجة على تكرار الأمر.
من هناك بدأت خطوة صغيرة لكنها حاسمة. بالتعاون مع روسيو شرعت ميريام في جمع شهادات عاملات منازل في سانتا مارتا. لم يكن عملا رسميا مجرد تسجيلات صوتية بموافقة أصحابها أحاديث ونصوص قصيرة. تحدثت نساء كثيرات عن أجور غير مدفوعة عن ساعات قاسية عن إهانات يومية وعن خوف دائم من المطالبة بالحق. وبين الأصوات كانت قصة غوادالوبي تعود مرارا كصدى لا يخفت. بعضهن عرفنها بعضهن رأين ملصقاتها وأخريات اكتفين بالقول حتى أنا خفت يوما أن أخرج لأطالب بحقي.
هكذا ولد بلا اسم رسمي ولا تمويل أرشيف شفهي لعاملات المنازل. كانت ميريام تسميه دفتر اللواتي لا يستسلمن وكانت روسيو ترتبه في دفتر أزرق بالأسماء والتواريخ والحكايات. إدواردو لم يشارك لكنه راقب بصمت مفعم بالاحترام. كان يرى في أختيه شيئا لا ينطفئ وكان يعرف أنه لولا ذلك الإصرار لتحولت غوادالوبي مثل كثيرات إلى غبار.
في عام 2017 سمعت مجموعة نسوية صغيرة في شرق المدينة بقصة غوادالوبي. دعت ميريام إلى فعالية مجتمعية. لم تكن تميل للحديث أمام الناس لكنها وافقت على الحضور حاملة صورة أمها ونسخة من البلوزة التي بهت لونها كرمز أكثر منه ذكرى.
كانت أمسية بسيطة بلا خطابات طويلة ولا كاميرات. ومع ذلك حدث ما لم تتوقعه. اقتربت منها شابة في العشرين تقريبا وقالت بهدوء أمي أيضا اختفت. لم يبحث عنها أحد لكن قصتك تعطيني قوة لأكمل. لم تقل ميريام
الكثير فقط أومأت. لم تعد الكلمات تسقطها كما في السابق لكنها كانت تحفظ مثل هذه الجمل في داخلها لأنها تعرف أن أمها إن لم تستطع الكلام فهناك من يستطيع أن يتكلم عنها.

مع الوقت لم يعد اسم غوادالوبي حبيس البيت. بدأ يظهر في جلسات ولقاءات حيية وفي دروس عن حقوق العمل كانت روسيو تساعد في تنظيمها. لم يرفع كشعار ولم يتحول إلى رمز واسع لكنه صار حكاية تروى وصوتا يستدعى كلما لزم التذكير.
في أحد اللقاءات سألت امرأة وماذا لو كانت قد رحلت بإرادتها ماذا لو تعبت فقط
لم تغضب ميريام. ابتسمت بحزن وقالت بثبات لو رحلت لكانت تركت أشياءها. لكانت أخبرتنا. أمي لم تختف. أمي أخفيت.
بهذه النبرة الهادئة تحولت القصة إلى بذرة مقاومة تبنى من الذاكرة لا من الضجيج. لم تصبح خبرا وطنيا ولم تنل عدالة ولم يعثر على جثمان لكن الاسم ظل يتكرر كما تتكرر الأدعية والأغاني القديمة. ففي المكسيك بعض الحكايات لا تموت بل تنتقل من فم إلى فم.
مرت سنوات أخرى. كبرت المستعمرة بيوت جديدة وضجيج أكثر لكن بيت آل هيريرا بقي كما هو الطلاء المتعب البوابة الخضراء المذبح الصغير بشمعته البيضاء وصورته الباهتة. هناك بدا الزمن كأنه توقف.
ميريام وقد بلغت الخمسين لم تعد تتحدث كثيرا عن القضية لكن كل شيء فيها كان ينطق بها طريقتها في مراقبة الفتيات اللواتي يدخلن المترو وحدهن صمتها حين تسمع صفارة انقباضها الفوري عند سماع عبارة اختفت امرأة.
وفي يوم سألتها ابنة أخيها ذات السبع سنوات وهي تشير إلى الصورة لماذا تلك السيدة على الطاولة الصغيرة
أجابت ميريام ببساطة لأننا ما زلنا ننتظرها.
لم تفهم الطفلة تماما لكنها في كل زيارة كانت تضع زهرة ورقية قرب الشمعة. لم يطلب منها أحد ذلك. كانت تشعر فقط أن أحدا ينقص هناك.
روسيو من موقعها كممرضة مجتمعية واصلت تنظيم لقاءات صغيرة لعاملات المنازل. لم تكن تجمعات كبيرة أربع أو خمس نساء يتحدثن عن الحقوق عن الأمان عن ما يجب فعله إذا رفض دفع الأجر. وفي كل مرة كانت تذكر قصة أمها لا بدموع بل بحزم كتحذير ودرس.
في أحد تلك الاجتماعات حضرت امرأة تدعى لوس ماريا في السادسة
والثلاثين جديدة على الحي. استمعت بصمت حتى النهاية ثم قالت عملت فترة مع سيدة اسمها فرجينيا. لا أعرف إن كانت هي

تم نسخ الرابط