أنقذتُ حياة طفلٍ في الخامسة خلال أول جراحةٍ أجريتها بمفردي
المحتويات
مرة أخرى وكان فشلي في المرة الثانية أكثر هدوءا. لطالما رغبت في إنجاب الأطفال لكن التوقيت هو كل شيء ولم أوفق فيه يوما.
ومع ذلك أحببت عملي.
وكان ذلك كافيا إلى أن جاء صباح عادي بعد مناوبة ليلية شاقة فأعادتني الحياة إلى نقطة البداية بطريقة لم أتوقعها.
كنت قد أنهيت نوبة بلا توقف وبدلت ملابس العمليات بثياب مدنية.
سرت نحو موقف السيارات بذهن منهك كأنني في غشاوة بلا إحساس.
تسللت بين المتاهة المعتادة من السيارات والضجيج وتلك الطاقة المتوترة التي تلازم مداخل المستشفيات.
عندها لاحظت السيارة.
كانت متوقفة بزاوية خاطئة في منطقة الإنزال أضواء التحذير تومض وباب الراكب مفتوح على مصراعيه. وعلى بعد خطوات كانت سيارتي أنا مصطفة بطريقة خرقاء بارزة أكثر مما ينبغي وتسد جزءا من المسار.
رائع.
هذا تماما ما كنت أحتاجه أن أكون ذلك الشخص.
أسرعت أبحث عن مفاتيحي حين شق الهواء صوت حاد كالموس
أنت!
التفت فزعا.
كان شاب في أوائل العشرينيات يركض نحوي وجهه محتقن بالغضب وعيناه مشتعلتان. أشار إلي بإصبع مرتجف.
لقد دمرت حياتي كلها! أكرهك! هل تسمعني أنا أكرهك بحق السماء!
صفعتني الكلمات.
تجمدت في مكاني.
ثم رأيتها.
الندبة.
ذلك الخط الشاحب كصاعقة تمتد من الحاجب إلى الخد.
تلاطمت الصور في رأسي
طفل فوق طاولة العمليات صدره مفتوح يتشبث بالحياة
وهذا الرجل الغاضب يصرخ
كانت الكلمات كصفعة ثانية.
ولم أملك وقتا للاستيعاب حين أشار نحو سيارتي صارخا
حرك سيارتك حالا! لا أستطيع إدخال أمي إلى الطوارئ بسببك!
نظرت خلفه.
امرأة منهارة في مقعد الراكب رأسها مسند إلى الزجاج ساكنة. حتى من بعيد بدا لون بشرتها رماديا على نحو مقلق.
ما الذي يحدث لها سألت وأنا أندفع مسرعا نحو سيارتي.
ألم في الصدر قال وهو يلهث. بدأ في المنزل خدر ذراعها فجأة ثم سقطت. اتصلت بالإسعاف. قالوا عشرين دقيقة. لم أستطع الانتظار.
اندفعت نحو سيارتي فتحت الباب بعجلة وتراجعت من دون أن ألتفت كدت أحتك بحافة الرصيف. أشرت إليه بيدي أن يقترب.
تقدم إلى المدخل فورا! صرخت. سأحضر المساعدة!
انطلق بسيارته والإطارات تصرخ فوق الإسفلت. كنت أعدو إلى الداخل أطلب نقالة وفريقا كاملا. خلال ثوان كانت على الحمالة وكنت إلى جوارها أتحسس نبضا واهيا متقطعا يكاد يتلاشى.
كان تنفسها سطحيا ووجهها شاحبا على نحو مقلق.
ألم صدر. خدر ذراع. انهيار.
دوت الإنذارات في ذهني دفعة واحدة.
أدخلناها غرفة الطوارئ. تخطيط القلب بدا فوضويا. أكدت التحاليل ما خشيته تسلخ في الشريان الأورطي تمزق في الوعاء الذي يغذي الجسد كله. إن تمزق تماما قد تنزف حتى الموت خلال دقائق.
قسم الأوعية مشغول. وقسم القلب كذلك قال أحدهم.
التفت إلي رئيس القسم.
مارك هل تستطيع تولي الحالة
لم أتردد.
نعم. جهزوا غرفة العمليات.
وأثناء نقلها إلى الأعلى راودني شعور ملح. لم أتأمل وجهها حقا. انشغلت بإنقاذ حياتها بينما كان عقلي الباطن قد أدرك ما لم أدركه بعد.
في غرفة العمليات اقتربت من الطاولة وتباطأ العالم.
رأيت النمش. خصلات الشعر البني المشوب بالرمادي. انحناءة خدها تحت قناع الأكسجين.
إميلي.
مرة أخرى.
أمام عيني.
تحتضر.
حبي الأول. أم الفتى الذي أنقذت حياته يوما الفتى ذاته الذي صرخ في وجهي متهما إياي بأنني دمرت حياته. أغمضت عيني لوهلة.
مارك سألت الممرضة. هل أنت بخير
أومأت مرة واحدة.
لنبدأ.
كانت جراحة تسلخ الشريان الأورطي قاسية بلا رحمة. لا فرص ثانية فيها. نفتح الصدر نحكم السيطرة على الأورطي نصل المريضة بجهاز المجازة ثم نخيط رقعة تعوض الجزء المتضرر.
كل ثانية كانت فاصلة.
فتحنا الصدر فظهر تمزق كبير غاضب الحواف.
عملت بسرعة محمومة والأدرينالين يطغى على الإرهاق. لم أرد لها النجاة فحسب بل احتجتها.
مرت لحظة مرعبة حين هبط ضغطها فجأة. أطلقت الأوامر بحدة لم أقصدها. خيم الصمت على الغرفة بينما استعدنا الاستقرار ببطء شديد. بعد ساعات ثبتنا الرقعة وعاد تدفق الدم واستقر القلب.
مستقرة قال طبيب التخدير.
تلك الكلمة مجددا.
أغلقنا الجرح. وقفت لثانية أحدق في وجهها وقد غدا هادئا تحت تأثير المهدئات.
كانت حية.
نزعت قفازي وتوجهت للبحث عن ابنها.
كان يمشي
كيف حالها سأل وصوته مبحوح كأن الكلمات تنتزع منه.
إنها حية قلت. سارت الجراحة على نحو جيد. حالتها حرجة لكنها مستقرة.
انهار على المقعد وانثنت ساقاه كأنهما من ورق.
الحمد لله همس. الحمد لله الحمد لله.
جلست إلى جواره.
أنا آسف قال بعد صمت طويل. عما بدر مني سابقا. فقدت السيطرة.
لا بأس أجبت بهدوء. كنت خائفا. ظننت أنك على وشك فقدانها.
أومأ برأسه. ثم رفع عينيه إلي متأملا وجهي للمرة الأولى حقا.
هل أعرفك سأل بتردد. أقصد من قبل
اسمك إيثان صحيح
رمش بدهشة. نعم.
هل تتذكر وجودك هنا وأنت في الخامسة
إلى حد ما. ذكريات مبعثرة. أجهزة تطن أمي تبكي وهذه الندبة. لمس خده. أعلم أنني تعرضت لحادث. وأنني كدت أموت. وأعلم أن جراحا أنقذ حياتي.
كنت أنا قلت بصوت خافت.
اتسعت عيناه فجأة. ماذا!
كنت الجراح المسؤول تلك الليلة. فتحت صدرك. كانت من أوائل جراحاتي الفردية.
ظل يحدق بي مذهولا.
كانت أمي تقول دائما إننا كنا محظوظين. إن الطبيب المناسب كان حاضرا.
ألم تخبرك أننا كنا زميلين في المدرسة الثانوية
اتسعت عيناه أكثر. لحظة هل أنت مارك نفسه مارك الخاص بها
مذنب قلت بابتسامة باهتة.
أطلق ضحكة جافة.
لم تخبرني بذلك قط قال. قالت فقط إن جراحا بارعا أنقذني. وإننا مدينون له بكل شيء.
ساد الصمت بيننا طويلا.
قضيت
متابعة القراءة