طفل يختفي في سانتاندير عام 2010… وبعد 14 عامًا يعثر راكب أمواج على زجاجة في الشاطئ.
المحتويات
عن طريق الخطأ، وجرفته التيارات إلى عرض البحر.
لكن بحر كانتابريا واسع، وتياراته معقدة ولا يمكن التنبؤ بها بدقة.
في ديسمبر 2010، بعد خمسة أشهر من اختفائه، صُنّفت القضية رسميًا كحالة اختفاء دون حل.
لا دليل على جريمة،
لا شهود على حادث،
ولا جثمان.
تحوّل أليكس رويز في سجلات الدولة إلى قضية باردة.
أما بالنسبة لروبرتو وكارمن، فكان الجرح مفتوحًا يتجدّد كل يوم.
مرّت السنوات ببطء مؤلم 2011 2012 2013.
أصبح روبرتو مهووسًا بالبحر. في كل رحلة صيد، كانت عيناه تفتشان المياه باستمرار. في مكان ما في عقله كان يؤمن أنه إذا بحث بما يكفي، وإذا نظر طويلًا بما يكفي، سيجد شيئًا أي شيء.
انضمت كارمن إلى رابطة عائلات المفقودين. تعرّفت إلى أمهات وآباء يعيشون الجحيم نفسه. لم يُخفف ذلك ألمها، لكنه جعلها تشعر أنها ليست وحدها.
وفي كل عام، في 22 يوليو، كانا يذهبان إلى شاطئ ساردينيرو.
يقفان في المكان ذاته الذي بنى فيه أليكس قاربه الرملي.
يحملان زهورًا، يضعانها على الرمل، ويبكيان.
في الذكرى الأولى، حضر عشرات الأصدقاء وأفراد العائلة وأبناء المجتمع المحلي.
في الذكرى الخامسة حضرا وحدهما.
يمضي العالم قُدمًا.
ينسى الناس.
لكن الوالدين لا ينسَيان أبدًا.
في عام 2015، انفصل روبرتو وكارمن. لم يكن هناك طلاق رسمي، بل انسحاب صامت من حياةٍ لم تعد تحتمل. الألم الذي جمعهما في البداية تحوّل مع الوقت إلى عبءٍ ثقيل. كان كلٌّ منهما يرى في عيني الآخر انعكاس الفقد نفسه، والشعور نفسه بالذنب.
انتقلت كارمن إلى شقة صغيرة قرب وسط المدينة.
أما روبرتو فبقي في المنزل العائلي، محاطًا بذكريات أليكس.
كان يتصفح هاتفه القديم، يعيد قراءة الرسائل، يتأمل الصور، وكأنه يبحث عن تفصيلة غفل عنها الجميع. لم يدمر اختفاء أليكس طفلهما فقط، بل حطّم العائلة بأكملها. كان روبرتو يشعر بأنه فشل في حمايته، وأن الذنب يسكن صدره بلا رحمة.
عاد إلى الصيد، لكن حياته أصبحت آلية يبحر، يصطاد، يبيع، ثم يعود. في الليل، يجلس وحيدًا في قاربه أو في منزله الصامت، يحتسي شرابًا رخيصًا يحرق حلقه، علّه يخدّر الألم. حاول أصدقاؤه مساعدته، لكنه أبعدهم. لم يكن يريد سوى العزلة مع حزنه.
لكن بينما كانا يعيشان سنوات الفقد، كانت الحقيقة أكثر ظلمة مما تخيّله أحد.
في يوم 22 يوليو 2010، بينما كان أليكس يبني قاربه الرملي، كان هناك رجل يراقبه.
اسمه توماس فيرير. كان في الثانية والأربعين من عمره، ويملك متنزهًا ترفيهيًا صغيرًا يرتاده السياح. لكن خلف هذه الواجهة، كان جزءًا من شبكة لتهريب الأطفال تنشط في موانئ شمال إسبانيا. شبكة صغيرة لكنها فعّالة، تتكوّن من ثلاثة رجال توماس في سانتاندير، وآخر في خيخون، وثالث في بلباو.
كانت طريقتهم بسيطة وخطيرة في آنٍ واحد
يراقبون الأطفال الذين يبتعدون قليلًا عن ذويهم في الشواطئ أو المخيمات.
يقتربون منهم بذريعة المساعدة أو بدعوة بريئة.
في حوالي الساعة الثالثة والنصف، اقترب توماس من أليكس.
قال مبتسمًا
هل تحب القوارب؟ لديّ قارب جميل في الرصيف. هل تود أن تراه؟ دقيقة واحدة فقط.
تردد أليكس. كانت أمه قد حذرته من الحديث مع الغرباء، لكن الرجل بدا عاديًا، وذكر القارب والبحر كان شغفه الأكبر.
قال أليكس
دقيقة واحدة فقط، ثم أعود إلى مجموعتي.
سارا نحو الرصيف. تحدث توماس عن مشاهدة الدلافين من القارب. كانت الدلافين الحيوان المفضل لدى أليكس، فازداد فضوله.
عندما وصلا، قال توماس
انظر كم هو جميل من الداخل.
صعد أليكس إلى القارب. في تلك اللحظة تغيّر كل شيء.
أغلق توماس الباب، وأدار المحرك بسرعة. ابتعد القارب عن الشاطئ خلال ثوانٍ.
صرخ أليكس
أريد العودة! أعدني إلى أبي!
لكن البحر ابتلع صوته.
بعد نحو ثلاثين دقيقة، وصلوا إلى منزل منعزل على الساحل، على بعد خمسة وعشرين كيلومترًا من سانتاندير. كان المنزل محطة مؤقتة للشبكة.
هناك وجد أليكس طفلين آخرين
فتاة في الثانية عشرة من عمرها، خُطفت قبل أشهر من خيخون،
وصبي في الثامنة من بلباو.
كانوا خائفين، مصدومين. أعطاهم توماس طعامًا وماءً، وقال ببرود
إذا التزمتم الصمت ولم تحاولوا الهرب، فلن يصيبكم أذى.
في الأيام الأولى، كان أليكس يبكي باستمرار. كان ينادي أمه وأباه، ينتظر أن يُفتح الباب في أي لحظة لكن لم يأتِ أحد.
في أحد الأيام، أعطاه توماس قلمًا وورقة قائلًا
اكتب إن شئت. سيساعدك ذلك على تمضية الوقت.
أمسك أليكس بالورقة، وكتب رسالة قصيرة
اسمي أليكس رويز. عمري 10 سنوات. رجل أخذني في قاربه. أنا في بيت قرب البحر. أرجو المساعدة. يوليو 2010.
أخفى الرسالة.
في أغسطس 2010، حين اصطحبه توماس إلى مكان قريب من جرفٍ مطلّ على البحر، انتهز أليكس لحظة انشغاله، وألقى الزجاجة بكل قوته نحو الأمواج.
ابتلعتها التيارات فورًا.
لم يكن يعلم إن كان أحد سيجدها يومًا.
بعد أشهر، نُقل الطفلان الآخران إلى أماكن مختلفة. بقي أليكس وحيدًا، ثم نُقل بدوره إلى منزل آخر في خيخون. هناك كان ثمانية أطفال محتجزين في أوقات مختلفة.
كانت الشبكة تعمل ببطء وحذر. تُزوَّر وثائق للأطفال، وتُمنح لهم هويات جديدة، ثم يُسلَّمون تدريجيًا إلى جهات مشبوهة.
أُعطي أليكس اسمًا جديدًا بابلو.
طُلب منه أن ينسى حياته السابقة.
تنقّل بين مدن عدة خيخون، أفيليس، سانتاندير. كان مراقَبًا باستمرار. ومع مرور السنوات، بدأ الخوف يتحوّل إلى صمت داخلي. في الثالثة عشرة من عمره، أصبح بالكاد يتحدث عن ماضيه، لكنه لم ينسَ. كان يحتفظ بصورة أبيه الصياد في ذاكرته، ورائحة البحر، وصوت أمه.
في عام 2014، بدأت الشرطة الوطنية تحقيقًا في سلسلة اختفاءات أطفال في شمال إسبانيا بين عامي 2008 و. أطفال اختفوا من مناطق ساحلية، دون شهود، ودون جثث.
عدد الحالات كان كبيرًا بما يكفي ليجعل الأمر غير عارض.
أُطلق على التحقيق اسم عملية ماريا.
وعلى مدى عامين، تسلل عملاء سريون إلى شبكات الاتجار بالبشر في المنطقة، وجمعوا خيوطًا صغيرة كانت تقود إلى شيء أكبر بكثير مما تخيّله أحد.
في عام 2016، ظهر أول خيط حقيقي في التحقيق. أثناء استجواب أحد المتبنين غير الشرعيين في فرنسا، ذكر أنه حصل على طفل عبر وسطاء في إسبانيا، وتحديدًا من مدينة خيخون.
تركّزت الأنظار فورًا على خيخون. بدأت المراقبة، والتنصّت على الاتصالات، وتتبع التحركات المالية. كانت الأدلة تتجمع ببطء، لكن بثبات.
وفي يناير 2017، أصبحت الصورة واضحة بما يكفي للتحرك.
فجر الخامس عشر من يناير 2017، نُفذت عملية أمنية منسّقة شارك فيها أكثر من خمسين عنصرًا. تم اقتحام عدة مواقع في وقتٍ واحد. كُسرت الأبواب، وانتشر الضباط في الداخل.
في أحد المنازل عُثر على ستة أطفال محتجزين.
كان أليكس بينهم، وقد أصبح في السابعة عشرة من عمره.
كما ضُبطت وثائق مزورة، وقوائم أسماء، وصور، وعناوين، وأدلة تشير إلى ثلاثة وعشرين طفلًا
أُلقي القبض على توماس فيرير وشركائه.
نُقل الأطفال إلى المستشفى لإجراء الفحوصات الجسدية والنفسية.
كان أليكس صامتًا، في حالة صدمة. لم يكن يتكلم تقريبًا.
استغرق الأمر أسابيع من العمل النفسي المتخصص قبل أن ينطق باسمه الحقيقي. قال بصوت خافت
اسمي أليكس أليكس رويز. أبي صياد في سانتاندير.
كانت الكلمات متقطعة، وكأنها تخرج من مكانٍ عميق ومؤلم.
أكدت تحاليل البصمات والحمض النووي هويته.
أليكس رويز، المُبلغ عن اختفائه في يوليو 2010 حيّ.
أُبلغ روبرتو وكارمن فورًا.
بعد سبع سنوات من الانتظار، جاء الاتصال الذي لم يتوقفا عن الحلم به.
كان اللقاء مؤلمًا ومؤثرًا في آنٍ واحد.
كان أليكس يتذكرهما، لكن كما تُتذكر الأحلام البعيدة.
أرادت كارمن أن تعانقه بقوة، أن تعوّض سنوات الغياب في لحظة واحدة.
أما روبرتو، فلم يجد كلمات. كان ابنه أمامه، أطول منه تقريبًا، ووجهه يحمل آثار ما لا ينبغي لطفل أن يراه.
استغرقت إعادة تأهيل أليكس عامًا كاملًا.
علاج نفسي مكثف، إعادة بناء الهوية، إعادة الاندماج في المجتمع.
لم يعد ذلك الطفل الفضولي الذي يعشق البحر.
كانت الصدمة عميقة، لكنّه تعلّم أن يعيش معها.
تخرج من الثانوية عام 2019، وقرر ألا يدرس علم الأحياء البحرية.
البحر أصبح يحمل ذكريات مؤلمة أكثر من كونه حلمًا قديمًا.
اختار دراسة المعلوماتية، عالمًا أكثر هدوءًا، بعيدًا عن الأمواج.
لكن قصة الزجاجة لم تكن قد انتهت بعد.
منذ يوليو 2010 وحتى أغسطس 2024، ظلت الزجاجة البلاستيكية التي ألقاها أليكس في البحر تطفو في مياه كانتابريا.
دفعتها التيارات شرقًا وغربًا، أحيانًا قرب الساحل، وأحيانًا في عرض البحر. كان البلاستيك متينًا بما يكفي ليقاوم، والورقة داخلها بقيت محفوظة بشكل مدهش.
في أغسطس 2024، كان جاك موريسون، شاب أسترالي يبلغ من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، محترف ركوب أمواج، في شمال إسبانيا للمشاركة في بطولات على الساحل.
بعد انتهاء إحدى المنافسات في أستورياس، قرر البقاء أيامًا إضافية لاكتشاف شواطئ أقل شهرة.
كان شاطئ روديلس مكانًا مثاليًا أمواج ثابتة، وتيار قوي بما يكفي لمنح تحدٍّ ممتع، دون أن يكون خطيرًا بشكل مبالغ فيه.
لم يكن يعلم أن البحر الذي جاء ليصارعه بالأمواج،
في 12 أغسطس 2024، كان جاك موريسون على شاطئ روديلس منذ الصباح الباكر.
كان البحر هادئًا على غير العادة، والأمواج منتظمة ومثالية لركوب الأمواج. قضى ساعات في الماء، ثم خرج عند الظهيرة تقريبًا، يسير على الشاطئ حاملاً لوحه.
بينما كان يقترب من مكان وضع أغراضه، لمح شيئًا نصف مدفون في الرمل.
زجاجة بلاستيكية قديمة، باهتة اللون بفعل الشمس والملح، تغطيها بقايا طحالب جافة.
لم يكن من عادته جمع الأشياء من الشاطئ، لكن شيئًا ما لفت انتباهه.
بدت الزجاجة قديمة
متابعة القراءة