صبي صغير حافي القدمين خمس سباقات وحصان بلا أثر
المحتويات
التي سيحدث فيها شيء مهم.
فتح الصبي عينيه قبل أمه.
ظل مستلقيًا فوق حصيره يستمع إلى الأصوات.
سمع أول صاروخ احتفالي ينفجر بعيدًا.
وسمع صوت الطبول والموسيقى يتسلل من بين شقوق الجدران الطينية.
بدأ قلبه ينبض بقوة.
حتى خاف أن توقظ دقاته أمه.
نهض بهدوء شديد، يحسب كل خطوة بعناية.
كان يعرف البيت جيدًا.
كان يعرف أي لوح أرضية يصرخ تحت القدم، وأي حجر قد يكشف أمره.
أخذ قطعة تورتيلا يابسة من الليلة الماضية ووضعها في كيسه القديم.
ثم خرج إلى الحظيرة حيث كان حماره يقف نائمًا ورأسه منحنٍ.
همس له الصبي
هيا بنا يا صديقي لكن بهدوء.
نظر الحمار إليه بعينيه الحزينتين الكبيرتين، ثم سمح له بالركوب دون اعتراض.
غادرا المزرعة مع أول خيط من الضوء.
كان الطريق بين التلال ضيقًا ومليئًا بالحجارة، تحيط به نباتات الصبار وأشجار المسكيت الملتوية.
كان الصبي حافي القدمين كعادته، وقدماه تتأرجحان على جانبي الحمار حتى تكاد الحجارة تلمس كعبيه.
كان سعيدًا ومتوترًا في الوقت نفسه.
لكن بعد فترة من السير، أصبح الطريق أكثر هدوءًا.
اختفت الأصوات.
وأصبح الهواء غريبًا فجأة.
لم يعرف كيف يشرح ذلك الشعور.
كأن بابًا غير مرئي فُتح في منتصف الحقل
وخرج منه نسيم بارد لا يأتي من أي اتجاه.
نسيم يجعل شعر جسدك يقف دون سبب واضح.
توقف الحمار فجأة.
ثبت قدميه
حاول الصبي دفعه شد الحبل تحدث إليه بلطف.
لكن الحمار لم يتحرك.
كان ينظر إلى نقطة في الطريق
حيث لم يكن هناك أحد.
أو هكذا بدا في البداية.
ثم رآه الصبي.
رجل يجلس في ظل شجرة مسكيت كبيرة.
كأنه كان هناك منذ زمن طويل.
كأن الشجرة نمت حوله، وليس العكس.
كان يرتدي ملابس سوداء وقبعة واسعة الحافة.
وحذاءه الجلدي يلمع كما لو أنه لم يلمس التراب قط.
وبجانبه كان يقف حصان ضخم مربوط إلى الشجرة.
حصان بجبهة بيضاء لامعة
أجمل حصان رآه الصبي في حياته كلها.
وهنا بدأت القصة الحقيقية.
القصة التي لا يمكن لأي أغنية أن ترويها كاملة.
كان الصبي ينظر إلى الحصان هو يسير بهدوء بين الحجارة، يخطو بثبات دون استعجال، وكأن الطريق يعرفه منذ زمن طويل.
النجمة البيضاء على جبهته كانت تلمع تحت آخر ضوء للشمس بطريقة غريبة لا تبدو طبيعية، وعندما التفت الحصان نحوه بعينيه السوداوين كان في نظرته شيء لم يره الصبي من قبل، شيء يشبه الابتسامة.
لكن الخيول لا تبتسم.
الخيول لا تفعل ذلك.
شعر الصبي برغبة مفاجئة في القفز من فوق ظهره والهرب، لكن السؤال ظهر فورًا في رأسه إلى أين يمكنه أن يهرب؟
كان في منتصف التلال وحده، والليل يقترب بسرعة، وفوق ذلك كله كان هناك المال.
فكر في أمه.
فكر في خبز التورتيلا اليابس، وفي الماء الممزوج
تخيل وجهها عندما ترى الأكياس المليئة بالمال، وتخيل الكلمات التي سيقولها لها عندما يعود.
لن أتركك تجوعين بعد اليوم يا أمي.
وكان هذا التفكير أقوى من الخوف، لأن حب الابن لأمه أقوى من أي رعب، بل أقوى حتى من الشكوك التي بدأت تتسلل إلى قلبه ببطء.
شد الصبي على عرف الحصان وطلب منه أن يسرع قليلًا.
وفي طريق العودة مرّ بشجرة المسكيت حيث كان قد ترك حماره مربوطًا.
كان الحمار لا يزال هناك، يمضغ أوراقًا يابسة بصبر عجيب، وكأنه لم يتحرك من مكانه طوال اليوم.
عندما رأى الصبي رفع أذنيه ونهق بفرح.
لكن عندما رأى الحصان التصق بجذع الشجرة فجأة وتجمد مكانه، وعيناه اتسعتا من الخوف وبدأ جسده يرتجف.
قال الصبي وهو يربت عليه
اهدأ يا صديقي إنه مجرد حصان.
لكن الحقيقة أنه هو نفسه لم يكن يصدق ما يقوله.
فك الحبل عن الحمار وسحبه من المِقود، لكن الحيوان رفض الاقتراب من الحصان تمامًا، وبدأ يقاوم ويغرس حوافره في الأرض ويدير رأسه بعيدًا.
اضطر الصبي أن يضع الحمار في المقدمة ويترك الحصان خلفهما حتى يقبل الحمار أن يتحرك.
وهكذا عادوا إلى المزرعة.
الحمار في الأمام يكاد يركض من الخوف، والحصان في الخلف يسير ببطء غريب، محافظًا على تلك السكينة غير الطبيعية التي لم تفارقه
كان الليل قد حل تمامًا عندما وصل الصبي إلى المزرعة.
ليل حالك بلا قمر، من تلك الليالي السوداء التي لا يظهر فيها سوى ضوء النجوم ونار المواقد البعيدة.
ربط الصبي الحصان في الحظيرة ووضع أمامه دلو ماء، لكن الحصان لم يقترب منه حتى، ثم دخل إلى البيت وهو يحمل أكياس المال على كتفيه.
كانت أمه مستيقظة.
كانت جالسة على السرير الخشبي، تلف كتفيها بشال قديم، وكانت عيناها حمراوين من البكاء.
عندما رأت الصبي يدخل، وقفت فجأة.
شعرت بالراحة للحظة قصيرة جدًا، لكن الراحة تحولت بسرعة إلى غضب.
أين كنت يا بني؟
قلت لك ألا تذهب.
ظللت أبحث عنك طوال اليوم كالمجنونة، واعتقدت أن مكروهًا أصابك.
تركها الصبي توبخه دون أن يقول كلمة واحدة.
تحمل الصراخ وشد الأذن والتهديد بألا يخرج مرة أخرى، وتحمل كل ذلك وهو يبتسم ابتسامة لم تفهمها أمه.
لماذا تبتسم؟
هل يبدو لك الأمر مضحكًا؟
عندها خلع الصبي الأكياس من كتفيه ووضعها فوق الطاولة الخشبية التي كانا يأكلان عليها عندما يتوفر الطعام، ثم فتحها.
وانسكبت الأوراق النقدية والعملات المعدنية فوق الطاولة مثل شلال.
ارتجف ضوء المصباح الكيروسيني فوق المال فامتلأت الغرفة ببريق لامع.
وقفت الأم في مكانها فاغرة فمها غير قادرة على الحركة، وبدأت يداها الخشنتان المرتعشتان ترتجفان.
قال الصبي بهدوء
هذا
لا أريدك أن تجوعي بعد اليوم.
نظرت إليه أمه، ثم نظرت إلى
متابعة القراءة