صبي صغير حافي القدمين خمس سباقات وحصان بلا أثر

لمحة نيوز

المال، ثم عادت تنظر إليه مرة أخرى، وفي عينيها مرت مئة فكرة في لحظة واحدة.
دهشة، خوف، أمل، شك، فرح، ورعب كلها اختلطت معًا كدوامة لا تجد مخرجًا.
قالت بصوت خافت 
يا بني من أين جئت بكل هذا؟
فزت به في السباقات يا أمي.
في السباقات؟
نعم.
بأي حصان؟
رجل في الطريق استبدل حماري بحصان أصيل، وبه فزت.
تراجعت الأم خطوة إلى الخلف.
الدوامة التي كانت في عينيها توقفت فجأة عند شعور واحد فقط.
الخوف.
أي رجل؟
رجل التقيت به في الطريق.
وأعطيته حماري؟
نعم يا أمي.
استبدله لي بالحصان.
جلست المرأة ببطء على السرير، كأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
وضعت يدها على صدرها حيث كانت تحتفظ بقلادة صغيرة للعذراء لا تخلعها حتى أثناء النوم.
ثم قالت شيئًا لم يتوقعه الصبي.
لم يكن صراخًا ولا توبيخًا.
كان أسوأ من ذلك.
قالته بصوت منخفض مكسور كصوت شخص أدرك شيئًا كان يخشاه طوال حياته.
يا بني هذه أوهام في رأسك.
نظر إليها الصبي دون أن يفهم.
لا يا أمي، الحصان مربوط في الخارج.
تعالي لأريك إياه.
نهضت الأم وهي تضغط القلادة في قبضتها، وخرج الاثنان إلى الخارج.
كانت الأم في المقدمة، تمسك القلادة بيدها وتشدد الشال حول صدرها كأنه درع، بينما كان الصبي خلفها واثقًا مما سيُريها.
في الخارج كان الليل أسود كفم الذئب، لا قمر ولا نجوم، وكأن السماء أغلقت نفسها عمدًا حتى لا يرى أحد ما سيحدث.
مشيا نحو الحظيرة.
كانت المسافة عشرين خطوة فقط بين الباب والسياج الخشبي حيث ربط الصبي الحصان.
لكن الأم قطعت تلك الخطوات العشرين ببطء شديد، كأنها تمشي عشرين
كيلومترًا، تتوقف كل بضعة أمتار لتستمع.
لأن الأمهات يفعلن ذلك عندما يشعرن أن شيئًا ليس على ما يرام.
إنهن يستمعن.
وفي تلك الليلة كان الصمت القادم من الحظيرة صمتًا غريبًا، صمتًا فارغًا كأن له شكلًا.
سألت الأم وهي تقف أمام السياج 
أين هو؟
قال الصبي 
هنا ربطته يا أمي، بجوار العمود.
تقدمت الأم قليلًا وهي تحاول أن ترى في الظلام، بينما مد الصبي يديه يبحث عن الحصان.
لمس العمود، ثم لمس الحبل، وتتبعه حتى نهايته.
شعر بشعر خشن، وأذنين طويلتين.
كان الحمار.
كان الحمار مربوطًا في المكان نفسه، في العمود نفسه، وبالحبل نفسه، يمضغ شيئًا بهدوء بتلك السكينة الغبية التي تشتهر بها الحمير.
رفع رأسه عندما شعر بيد الصبي ونهق بهدوء كأنه يحييه.
تجمد الصبي في مكانه.
لمس الحمار مرة أخرى، وتفحص أذنيه وفمه وقدميه.
كان حماره نفسه.
الحمار النحيل القديم ذو الضلوع البارزة والنظرة الهادئة.
لم يكن هناك أي حصان.
لا نجمة بيضاء.
لا شيء.
همس الصبي 
لا هذا مستحيل.
ركض حول الحظيرة، بحث خلف البيت، بحث بين الشجيرات، وتحسس الظلام بيديه كالأعمى وهو ينادي 
ديابلو ديابلو
لكن صوته كان يضيع في الليل دون أن يجيبه أحد.
لم يكن الحصان هناك.
لم يكن في الحظيرة، ولا في الطريق، ولا في أي مكان.
اختفى كالدخان بين الأصابع.
عاد الصبي إلى الحظيرة بعينين متسعتين تلمعان في الظلام.
كانت أمه واقفة هناك وذراعاها متشابكتان والقلادة مضغوطة على صدرها.
لم تبدُ متفاجئة.
بدت حزينة فقط، كأنها عرفت الحقيقة منذ اللحظة التي رأت فيها المال فوق الطاولة.

قالت بهدوء 
قلت لك يا بني إنها أوهام.
اقتربت من الحمار وربتت على ظهره.
كان جسده دافئًا وجافًا، كأنه كان هناك طوال الليل.
ثم قالت 
وأين آثار الحوافر يا بني؟
نظر الصبي إلى الأرض.
كان ضوء القمر قد بدأ يظهر بين السحب، وكان ينبغي أن تظهر آثار حوافر الحصان في التراب اللين للحظيرة.
الدليل الذي يثبت أنه لم يكن يتخيل.
لكن لم يكن هناك شيء.
فقط آثار حوافر الحمار الصغيرة المعتادة.
أما الحصان فلم يترك أثرًا واحدًا.
ولا علامة واحدة.
كأن الأرض نفسها لم تعرف أنه مر فوقها يومًا.
سقط الصبي على ركبتيه في التراب.
لم يبكِ ولم يصرخ.
بقي ينظر إلى آثار الحمار تحت ضوء القمر، يحاول فهم ما لا يمكن فهمه.
كانت الريح الباردة تحرك قميصه الممزق وتبرد العرق على ظهره، وفي صمت تلك الليلة لم يُسمع سوى مضغ الحمار البطيء ودقات قلب الصبي التي كانت تدوي في أذنيه.
جلست الأم بجانبه ووضعت يدها على رأسه، ولم تقل له ألم أقل لك؟ بل مررت أصابعها في شعره وقالت بصوت حنون 
تعال إلى الداخل يا بني الجو بارد.
أمسكت بيده كما كانت تفعل عندما كان صغيرًا، وأدخلته إلى البيت.
جلس الاثنان على السرير، وبقي المال فوق الطاولة يلمع تحت ضوء المصباح.
وكان ذلك أغرب ما في القصة كلها.
الحصان اختفى لكن المال بقي.
كان حقيقيًا، يمكن لمسه وعدّه وإنفاقه.
كيف يختفي الحصان ويبقى المال؟
لم يعرف أحد الإجابة.
في اليوم التالي انتشرت القصة في المزرعة كلها.
الطفل الحافي الذي ركب حصانًا لا يعرفه أحد وفاز بخمس سباقات، ثم عاد إلى بيته ليجد الحصان قد اختفى
تاركًا مكانه حمارًا نحيلًا.
بدأ الناس يتجمعون أمام البيت منذ الصباح.
جاء الفضوليون، وجاء المزارعون الذين خسروا رهاناتهم، وجاء أولئك الذين يظهرون دائمًا عندما تحدث الأشياء الغريبة.
لكن الشيوخ فقط كانوا صامتين.
كانوا يعرفون أسطورة قديمة عن رجل يظهر في الطرق المهجورة مرتديًا السواد، يعرض الثروة على المسافرين مقابل شيء لا يذكره إلا بعد فوات الأوان.
ومنذ ذلك اليوم بقي تفسير واحد يتردد بين الناس.
ذلك الحصان
كان حصان الشيطان.
وكبر الصبي بعد ذلك، وعاش حياته يعمل بجد، بينما أنفقت أمه المال بحذر شديد.
لكن الناس في تلك المزارع يقولون إن بعض الليالي الهادئة ما زال يُسمع فيها من بعيد صوت حوافر حصان يعدو بين التلال.
حصان لا يراه أحد.
ولا أحد يعرف الحقيقة.
هل كان الشيطان؟
أم معجزة؟
أم مجرد يأس طفل أراد
إنقاذ أمه من الجوع؟
لا أحد يعرف.
لكن أهل ناياريت ما زالوا يروون القصة في الليالي المظلمة، وعندما يسأل الأطفال السؤال نفسه دائمًا يبتسم الشيوخ ابتسامة غريبة ويقولون 
وأنت ماذا تعتقد؟
لأن أهم الأسئلة في الحياة لا تُجاب دائمًا.
بل تبقى معلقة في الهواء مثل الغبار على الطريق، ومثل ذكرى حصان بنجمة بيضاء فاز بخمس سباقات في يوم واحد.
ثم اختفى.
ويقال إن الصبي، عندما أصبح رجلًا عجوزًا، سُئل كثيرًا سؤالًا واحدًا 
لو عاد ذلك الرجل وقدم لك الحصان مرة أخرى هل ستقبل؟
وكان يجيب دائمًا الجواب نفسه.
لو كان ذلك سيمنع أمي من الجوع لفعلتها ألف مرة.
وهنا يكمن قلب القصة الحقيقي.
ليس في الحصان، ولا في المال، ولا في
السباقات، بل في طفل حافي القدمين فعل ما فعل من أجل الشيء الوحيد الذي يستحق أن نفعل لأجله أي شيء في هذه الحياة.

تم نسخ الرابط