أهدى السيد ابنته للعبيد… فكانت النتيجة أن حطمتهم جميعاً.
المحتويات
يا لايا، لن أؤذيكِ. لكن الطفلة لم تُجب. اكتفت روث بالاهتزاز، وهمست الأشرار يُصلحون. في الخارج، كانت العاصفة قد انقضت، لكن الهواء ما زال يحمل ثقله. وقفت مابل عند المدخل، تراقب الفتاة في وميض ضوء النار الخافت.
قالت بهدوء إنها تتعلم مما رأت. كلنا نفعل. المشكلة أنها رأت الكثير. لم ينم أحد تلك الليلة لأنهم، ولأول مرة، لم يكونوا متأكدين مما إذا كانت الطفلة بحاجة إلى إنقاذ أم أنها أصبحت بالفعل ما تخشاه أكثر من أي شيء آخر. لم ينزل السيد مرة أخرى حتى أزهر القطن.
في ذلك الوقت، كان الهواء مثقلاً برائحة المطر والعفن، ولم تعد الطفلة التي تركها بين العبيد تشبه تلك التي أحضرها. كان شعرها منسدلاً، وبشرتها سمراء من الشمس، وقدميها متشققة من الجري حافية القدمين في التراب. عندما ظهر على حافة المساكن، توقفت النساء عما كنّ يفعلن. وساد الصمت المكان.
انقطعت الأحاديث. حتى حشرات الزيز بدت وكأنها صمتت. نظر حوله بنظرة حادة، محسوبة. وقعت عيناه على لايا، التي كانت تجلس القرفصاء قرب السياج، تُدندن بهدوء أمام كومة من العصي رتبتها في صفوف أنيقة. سأل مابل ماذا تفعل؟ ترددت مابل. إنها... تلعب يا سيدي. تبني أشياءً، وتحافظ على هدوئها، وتلعب.
اقترب خطوة. يبدو لي أنها تحفر قبورًا. استدارت لايا حينها، وابتسمت ابتسامة خفيفة عندما رأته. قالت بصوت هادئ، يكاد يكون متمرسًا بابا، أتيت لترى بيتي؟ عبس. أي بيت؟ أشارت إلى العصي. هذا هو. إنه المكان الذي يذهب إليه الطيبون عندما يتوقفون عن البكاء. رمش المعلم.
من أخبرك بهذا؟ أنتِ؟ قالتها بوضوح، وكأنها حقيقة لا يمكن نسيانها. للحظة، انقبض فكه وارتعش شيء ما خلف عينيه. ربما شعور بالذنب، أو اشمئزاز. التفت إلى مابيل. هل تُعلّمينها هذا؟ انكسر صوت مابيل. لا يا سيدي. لم يُعلّمها أحد شيئًا كهذا.
حدّق بهم جميعًا كما لو كان ينتظر اعتراف أحدهم. ثم نظر إلى الفتاة التي عادت إلى عملها، تربت برفق على التراب حول كل قبر صغير. قال ببرود اغسليها، إنها ستعود إلى المنزل. بدأت مابل بالاحتجاج لقد سئمت من هذا الهراء.
سيدي، هي... لكن نظراته الحادة قاطعتها. إنها من دمي. لن أسمح لها بالعيش مثلكم. استدار وعاد نحو المنزل الرئيسي، تدوس حذائه على الزهور على طول الطريق. عندما رحل، رفعت لايا رأسها، وعقدت حاجبيها الصغيرين. هل أغضبته مرة أخرى؟ ركعت روث بجانبها. لا يا عزيزتي. لم تفعلي شيئًا خاطئًا.
نعم، فعلتُ. انقطع صوت لايا، مرتجفًا بشيءٍ بدا أقرب إلى الخجل منه إلى الخوف. يقول أبي الأشرار يُرهقونه. وأنا أُرهقه. ضغطت يديها المتسختين معًا كما لو كانت تُصلي. ربما إذا توقفتُ عن الكلام، فلن يراني. في تلك الليلة، رفضت العشاء. جلست عند المدخل مرة أخرى، تُردد أغنية والدتها المُتقطعة.
انتشر صوتها في أرجاء الغرفة كالدخان، خافتًا، متقطعًا، ومفعمًا بشيءٍ لا يُمكن لأحدٍ تسميته. وعندما نظرت إليها مابيل من سريرها، فكرت يا رب، ارحمها. لقد أخذها ليُعيدها إلى رشدها، لكنه لا يعلم. هو من تعلمت منه كل شيء. في اليوم الذي جاء فيه السيد ليأخذها، ساد الصمت أرجاء الغرفة كما لو كانت كنيسة قبل الفجر.
توقف الرجال عن تقطيع الحطب. تجمدت النساء في منتصف غسل الملابس. حتى الأطفال، أولئك الذين اعتادوا على أفراح الحياة الصغيرة التي تتخلل الحزن، وقفوا بلا حراك. جاء هذه المرة على ظهر حصان، مرتدياً ملابس أنيقة ومرتبة، كما لو أن المظاهر قادرة على إصلاح
كانوا يعرفون قصة الفتاة، ومثل الجميع، لم يتحدثوا عنها بصوت عالٍ. كانت لايا جالسةً عند الدرج، تُدندن بهدوء، وطرف فستانها مُبلل بندى الصباح. عندما رأت الحصان، ابتسمت ابتسامةً خفيفة. قالت بابا، كما لو كانت تتوقعه طوال الوقت. ترجّل ببطء. تعالي إلى هنا يا فتاة. ترددت، وألقت نظرةً خاطفةً نحو مابيل.
أومأت العجوز برأسها إيماءة خفيفة، رغم أن حلقها كان خانقًا. نهضت لايا، تنفض التراب عن ثوبها، وسارت نحوه حافية القدمين. عندما انحنى ليرفعها على الحصان، انتفضت، مجرد ارتعاشة خفيفة، لكنها كانت كافية لتجميد يده في الهواء. تغيّر تعبير وجهه، وتحوّل الخجل الذي كان يخفيه إلى شيء أكثر قسوة.
قال لا تتظاهري بالخوف، لا داعي لذلك. حملها ووضعها على السرج خلفه. راقبت النساء بصمتٍ وهما يصعدان التل، وجسد الطفلة الصغير ملتصق بمعطفه، ووجهها متجه نحو الريح. في تلك الليلة، أُضيئ المنزل من جديد لأول مرة منذ شهور.
توهجت الشموع خلف النوافذ العالية، وتسللت الموسيقى خافتةً بين الأشجار. كان البيانو القديم، بنغماته النشاز، يعزف بيأس، ليملأ الصمت الذي تركته وراءها. من غرفها، استمعت النساء. تمتمت مابل بدعاء. لم تنطق روث بكلمة. حدقت فقط في الأضواء وهمست لقد أعادها ليقتل ما تبقى منها.
داخل المنزل، جلست الفتاة على مائدة الطعام، ويداها مطويتان بعناية كما كانت تفعل أمهاتها. صبّ السيد لنفسه كأسًا تلو الآخر من الويسكي، وفكّه مشدود. قال أخيرًا لقد عشتِ مثلهم لفترة طويلة بما فيه الكفاية. ستأكلين طعامًا لائقًا الآن. ستتكلمين كلامًا لائقًا. كفى حماقات. أومأت برأسها، وعيناها شاخصتان إلى الأرض.
نعم سيدي. لكن بينما كانت تتحدث، تغير صوتها، منخفضًا وباردًا، مقلدًا نبرته، نفس النبرة التي كان يستخدمها عند إصدار الأوامر. تجمد في مكانه، وكأسه في منتصف الطريق إلى شفتيه. ماذا قلتِ؟ رمشت في حيرة. قلتُ نعم سيدي. لكن لم يكن الأمر حيرة. بل كان تكرارًا. أدرك حينها أنها كانت تعيد كلماته إليه تمامًا كما قالها للآخرين.
للمرة الأولى، رأى نفسه جالساً هناك، ليس في المرآة، بل أمامه، في جسد فتاة صغيرة محطمة لا تدرك أنها مجرد تمثيل للعالم الذي بناه. استدار، ويده ترتجف وهو يعيد ملء كأسه. تمتم قائلاً اذهبي إلى النوم، أنتِ تتحدثين كثيراً. نهضت مطيعة وغادرت الغرفة.
لكن قبل أن تختفي في نهاية الردهة، همست قائلة بابا يتكلم كثيراً أيضاً. تلاشى صوت خطواتها الصغيرة، تاركاً إياه وحيداً مع الصدى. بعد أيام من عودة ييلا، بدأ المنزل يتنفس من جديد، لكن ليس كما كان من قبل. كان إيقاعه غريباً الآن، مضطرباً، كما لو أن الجدران نفسها أدركت أن شيئاً ما قد حدث خطأً.
كان الخدم يتحدثون همساً. كان السيد يتحرك في الغرف كشبح، متكبراً لدرجة أنه لم يعترف بموته. كانت لايا تتبعه أينما ذهب. كانت تجلس على الأرض بجانب كرسيه عندما يقرأ، وتكرر كلماته بصوت خافت، وتقلّد طريقة جلوسه، وطريقة فركه إبهامه على حافة كأسه قبل أن يرتشف.
أحيانًا كانت تجلس على مكتبه حين يغادر الغرفة، ترتب أوراقه بدقة، وتتظاهر بتوقيع اسمها كما يفعل، مع أنها لا تجيد الكتابة. في البداية، لم يرَ في الأمر أي ضرر. حتى أنه ضحك مرة، ضحكة جوفاء أفزعت مدبرة المنزل. قال إنها تتعلم، تشبه والدها. لكن تلك الضحكة لم تدم.
في إحدى الأمسيات، عندما قُدِّم العشاء،
قلتُ ما قلته لأمي قبل وفاتها. صدمته الكلمات كصفعة على وجهه. حدّق بها شاحبًا ساكنًا. وماذا قلت؟ ترددت، وأمالت رأسها كأنها تبحث عن النبرة المناسبة. لقد جعلتني أحبك بطريقة خاطئة. انزلقت الشوكة من يده. من أخبركِ بذلك؟ قال بحدة. من قال لكِ ذلك؟ أمي قالت ذلك، أجابت.
لكن فمها لم يتحرك، قالها وهو يضرب كأسه بقوة. كفى. هل تسمعينني؟ كفى هذا الهراء. ارتجفت، متراجعةً إلى الوراء. لم أقصد الإساءة، لكن شيئًا ما قد تغير بداخله. لم يعد يراها طفلته، بل الدليل الحي على عاره، عينا زوجته، قسوته، وكل ما لا يستطيع السيطرة عليه يحدق به من ذلك الجسد الصغير المرتجف.
في صباح اليوم التالي، جعلها تقف أمام المرآة في غرفة والدتها القديمة. قال انظري إلى نفسكِ. أنتِ لستِ واحدةً منهم. أنتِ لي. ستتذكرين هذا. أومأت برأسها بخفة، تحدق في انعكاس صورتها وكأنها لا تعرف الفتاة التي تنظر إليها. ثم همست إنها تشبهك عندما تغضب. رفع يده، لكنه توقف.
ساد الصمت في الغرفة. ولأول مرة، أدرك أنه لم يعد ينظر إلى ابنته، بل إلى انعكاس الرجل الذي غرس فيه صفاته. استدار بصوت مرتعش وقال هيا، اذهبي من أمام عيني. امتثلت لأمره، لكن قبل أن تغادر، ضغطت بيدها الصغيرة على المرآة، تاركةً أثرًا في الغبار يشبه أثره تمامًا.
بعد ذلك الصباح، أمام المرآة، بدا المنزل وكأنه ينكمش على نفسه. الطفلة التي كانت تُدندن في أرجاء المنزل، أصبحت الآن تتحرك بصمت. لم تعد أقدامها الصغيرة تترك أثراً على ألواح الأرضية. لم تعد تسأل أسئلة أو تنطق باسم والدها. أصبحت كالغبار المُلتصق بالستائر، موجودة لكنها غير مرئية، تنتظر نسمة هواء لم تأتِ قط.
في البداية، أقنع السيد نفسه بأن هذا جيد. الطاعة سلام. الهدوء شفاء. لكن الصمت كان له ثقلٌ أزعجه. كان يستيقظ ليلاً ليجدها واقفةً عند المدخل، تراقبه وهو نائم، رأسها مائل، وتعبير وجهها غامض. ماذا تفعلين هناك يا فتاة؟ كان يصيح.
جاء صوتها ناعمًا، يكاد يكون حنونًا، وكأنها تنتظر منك أن تتوقف عن الصراخ في نومك. لم ينطق بكلمة بعد ذلك، لكن كوابيسه ازدادت سوءًا. كل صباح، كانت تجلس على طاولة المطبخ، تحدق في كوب الحليب، بالكاد تتحرك شفتاها. عندما يُسأل عما تهمس به، كانت تجيب أعتذر، لأن أبي نسي كيف.
بدأ يُشغلها بالأعمال المنزلية، من كنس وطي البياضات إلى تلميع مفاتيح البيانو التي كانت والدتها تعزف عليها. لكن حتى مع ذلك، كانت تجد طرقًا لإزعاجه. ذات مرة، رآها ترتب الملاعق الفضية في أزواج، وهي تتمتم تقول أمي إنه لا ينبغي للناس أن يموتوا وحيدين. فانتزع الملاعق منها. لا تتحدثي عن والدتك. لم يرف لها جفن.
ثم ماذا أتحدث؟ لم يكن لديه جواب. حاولت مدبرة المنزل، إيسي، مساعدته. أحضرت للفتاة طعامًا، ولفتات لطيفة، وبعض الأغاني التي تذكرتها من طفولتها. لكن لايا لم تعد تأكل كثيرًا. كانت تقول فقط أمي تغني الآن. لا تحتاجني. تحول شعور السيد بالذنب إلى مرارة. بدأ يخلط بين الشفقة والتحدي، والحزن والوقاحة.
في كل مرة كان ينظر إليها، كان يرى المرأة التي لا يستطيع السيطرة عليها. نفس العينين، نفس الهدوء، وكان يكرهها لذلك. في أحد الأيام، عندما وجدها تحدق
أمسك بكتفيها، وهزّها بقوة حتى اصطكت أسنانها. توقفي عن الكلام مثلها. توقفي عن الكلام هكذا. خرج صوتها خافتًا، يكاد يكون همسًا. أحاول يا أبي. لكن صوتك لا يفارقني. تركها فجأة فتعثرت إلى الوراء، وارتطمت بالبيانو. أصدرت الأوتار نغمة خافتة متقطعة، ظلت عالقة في الهواء طويلًا بعد أن ساد الصمت في الغرفة.
استدار وهو يلهث بشدة، ويداه ترتجفان. قال بصوت أجش اصعدي إلى الطابق العلوي، قبل أن أنسى أنكِ من دمي. فعلت ذلك بهدوء، دون أن تبكي. في وقت لاحق من تلك الليلة، وجد غطاء البيانو مفتوحًا. على المفاتيح كان هناك خط من الغبار، مستقيم تمامًا، باستثناء بصمة يد صغيرة مضغوطة في المنتصف. بصمة يدها. وبجانبها، محفورة بشكل خافت في الخشب بشيء حاد، كانت الكلمات ما زلت أستمع.
انتشرت الكلمات ببطء من المنزل الكبير، وحملتها الرياح إلى الغرف الصغيرة كمرض ينتشر في الهواء. لم ينطق أحد بها بصوت عالٍ، لكن الجميع شعروا أن شيئًا ما ليس على ما يرام هناك. ظلت الأنوار مضاءة حتى وقت متأخر، أكثر من أي وقت مضى، وأحيانًا في هدوء ما بعد منتصف الليل، كانت الرياح تحمل أصواتًا لا تنتمي إلى الأحياء.
صوت طقطقة حزام، وارتطام باب، وصوت رجل يرتفع ثم ينقطع، وهمهمة خافتة مكتومة لطفل توقف عن البكاء. كانت مابيل أول من سمعها بوضوح. خرجت ذات ليلة لتسكب ماء الغسيل عندما رأت وهجًا خافتًا في نافذة الطابق العلوي، وشمعة واحدة لا تزال مشتعلة.
ورغم أنها لم تستطع الرؤية بوضوح، إلا أنها سمعت إيقاع شيء ثقيل يضرب الخشب مرارًا وتكرارًا. وضعت يدها على فمها وهمست يا رب، لا تجعلها هي. بحلول الصباح، كانت ذراعا لايا مغطاة بالكدمات. قالت مدبرة المنزل إنها سقطت، لكن لم يصدقها أحد. عندما صعد عمال الحقل لتوزيع الذرة، لمحت روث الفتاة من نافذة المطبخ.
كانت تجلس على الطاولة تطوي المناديل بدقة متناهية، كمن تعلمت أن السكون أمان. كانت شفتها مشقوقة، وعيناها خاليتان من أي تعبير. في تلك الليلة، جمعت مابل الآخرين في مقصورتها وقالت إنها هناك تحتضر ببطء، ولن يأتي أحد لإنقاذها.
كانت يدا روث ترتجفان. ماذا نفعل؟ هو السيد. إذا اقتربتِ من ذلك المنزل، فلا تعودي. قالت مابل ربما. لكن لا يمكنني الجلوس هنا وأنا أستمع إلى ذلك الطفل وهو ينسى كيف يكون إنسانًا. في الليلة التالية، انتظروا حتى هدأت الحقول. تسللت مابل وروث نحو المنزل الكبير، حافيتين، متخفيتين في الظلال.
انبعثت رائحة الويسكي من نافذة غرفة الجلوس المفتوحة. في الداخل، كان السيد يجلس مترهلاً على كرسيه، وقميصه مفتوح، ويده قابضة على زجاجة نصف فارغة. كانت لايا جاثية على الأرض بجانبه، تلتقط شظايا الزجاج من المكان الذي سقط فيه مشروبه. كان يراقبها كما يراقب الرجل انعكاس صورته، باشمئزاز، لكنه عاجز عن صرف نظره.
ستظلين تتظاهرين بأنكِ لا تفهمينني. تمتم. لم تُجب. انحنى للأمام، وصوته منخفض وحاد. أتسمعينني؟ أخيرًا، رفعت رأسها. أسمعك دائمًا، قالت بهدوء. حتى عندما لا تتكلم. شيء ما في تلك الإجابة حطمه. ضرب الزجاجة على الحائط، وصدى الصوت يتردد في أرجاء المنزل.
صرخ قائلًا لستِ هي، ولن تكوني هي أبدًا. لم تتحرك لايا، بل همست فقط أعلم. حرصتِ على أن تتمسك مابيل بذراع روث، ساحبةً إياها بعيدًا عن النافذة. همست
متابعة القراءة