مفقودة في كاليفورنيا: بعد 3 أيام… بدأ رجل الثلج يذوب ليكشف مفاجأة غير متوقعة
سيارته بانتظام.
لم يرتجف عندما سمع صفارات الشرطة.
ولم تطارده الكوابيس.
في منطقه الملتوي، لم يكن قد ارتكب جريمة.
كان فقط ينظف الفوضى.
كانت القضية تجمع الغبار في الأرشيف.
والقاتل يعيش بين الناس.
غير مرئي بسبب طبيعته العادية.
لكن حتى أكثر أنظمة السيطرة كمالًا لا بد أن تنهار يومًا ما.
وبالنسبة لغريغ، كان ذلك الانهيار يقترب ببطء.
وللمفارقة، لم يأتِ الخطر من المحققين.
بل من مرآبه الخاص.
في أكتوبر 2023، وصل غريغ إلى نقطة اللاعودة.
النقطة التي بدأت فيها قلعته المثالية بالتصدع.
والأمر المثير للسخرية أن حل واحدة من أكثر جرائم العقد غموضًا لم يأتِ من عبقرية المحققين.
ولا من أحدث تقنيات تحليل الحمض النووي.
بل من كراهية منزلية تافهة كانت تغلي منذ سنوات خلف أسوار حي هادئ في روزفيل.
يقول المحققون المخضرمون إن المجرمين غالبًا ما يُكشفون بسبب مصباح سيارة مكسور أو ضرائب غير مدفوعة.
لكن في حالة غريغ، كان السبب شيئًا مختلفًا تمامًا.
حاويات القمامة.
طوال خمس سنوات، كان غريغ يخوض حربًا مرهقة مع جاره بوب ميلر البالغ من العمر ستين عامًا.
كان النزاع يدور حول خط الحدود بين ممر سيارتيهما.
بوب، وهو رجل طيب لكنه قليل الانتباه، كان يخرج حاويات القمامة البلاستيكية في الليلة السابقة ليوم جمع النفايات.
وأحيانًا، بسبب العجلة، لم يكن يضعها بشكل مستقيم تمامًا.
كانت عجلات الحاوية تتجاوز الخط الوهمي الذي يعتبره غريغ مقدسًا.
عشرة سنتيمترات فقط.
بالنسبة لأي شخص آخر، كانت تلك العشرة سنتيمترات بلا معنى.
لكن بالنسبة لغريغ، الذي يقوم عالمه على التماثل والسيطرة المطلقة، كان ذلك غزوًا حقيقيًا.
نفس المحفز النفسي الذي عمل قبل عشر سنوات على الطريق السريع في نيفادا.
انتهاك الحدود. .الفوضى. القذارة.
كان غريغ يوثق كل انتهاك بدقة مهووسة.
أنشأ مجلدًا خاصًا في حاسوبه المنزلي يحتوي على جيجابايت من الصور المؤرخة لحاويات القمامة الخاصة بجيرانه.
كتب شكاوى رسمية إلى مكتب عمدة المدينة.
وأرسل رسائل غاضبة إلى جمعية الملاك المحلية.
واتصل بالشرطة مطالبًا بتسجيل بلاغ عن التعدي على ممتلكاته.
لكن الجميع تجاهلوه.
ورأوه مجرد غريب الأطوار في الحي.
ذلك التجاهل لم يهدئ غضبه بل غذّاه.
وفي ليلة 23 أكتوبر 2023، انكسر أخيرًا آخر حاجز داخله.
كانت الساعة الثانية فجرًا والشارع نائم.
غريغ، الذي كان يعاني الأرق، نظر من نافذة غرفة المعيشة.
ثم رأى ما جعل نبضه يتسارع.
بوب فعلها مجددًا.
كانت الحاوية البلاستيكية الخضراء مائلة.
وأحد عجلاتها تجاوزت بوضوح حدود رصيف غريغ النظيف تمامًا.
هذه المرة، لم يلتقط الكاميرا.
ولم يكتب شكوى جديدة.
قرر أن الوقت قد حان لتنظيف جذري.
نزل إلى مرآبه.
أخذ عبوة البنزين الحمراء التي يستخدمها
وخرج.
لم يهدئ برد الليل رأسه.
كانت حركاته دقيقة.
باردة. مثل آلة.
اقترب من الحاويات التي انتهكت حدوده.
فتح غطاء العبوة.. وبدأ يصب الوقود ببطء ومنهجية.
سال البنزين على البلاستيك ثم على الأسفلت.
مشكّلًا بركة داكنة… لم يكن غريغ مستعجلًا.
أراد أن يتأكد أن مصدر الإزعاج سيدمر بالكامل.
ثم أخرج علبة كبريت من جيبه.
أشعل عودًا..وألقاه بهدوء. اشتعل الضوء فورًا..بصمت تقريبًا.
كما لو أن مصباحًا قويًا أُضيء فجأة.
ابتلعت النار البلاستيك الجشع..وبدأ يذوب.
وينساب فوق الخرسانة مثل أنهار من اللهب.
لكنّ غريغ لم يأخذ في الحسبان عاملًا خارجًا عن سيطرته؛ فقد هبّت نسمة ليلية خفيفة رفعت ألسنة اللهب فجأة، وقذفتها فوق السياج الخشبي الجاف الذي كان يفصل بين القطعتين المتجاورتين من الأرض.
وخلال دقائق قليلة خرجت الأمور تمامًا عن السيطرة؛ إذ اشتعل السياج الجاف دفعة واحدة كما لو كان عود ثقاب ضخمًا، وانطلقت النار تلتهم الخشب اليابس بشراهة مرعبة.
وبدأت ألسنة اللهب تزحف ببطء نحو مرآب بوب، مهددة بالامتداد إلى المنزل نفسه، بينما تحطم صمت الضاحية الليلية صوتُ احتراق الخشب ورائحة البلاستيك المشتعل اللاذعة.
وبعد لحظات قليلة، بدأت الأضواء تُضاء في نوافذ المنازل المجاورة، ومع اتساع اللهب، ورد أول اتصال إلى خط الطوارئ 911 في تمام الساعة الثانية وثلاثٍ وعشرين دقيقة.
أبلغ المتصل عن حريقٍ كبير، وربما عن حريقٍ متعمد أيضًا، إذ بدت ألسنة النار وكأنها اندلعت بسرعة غير طبيعية، الأمر الذي أثار الشكوك منذ اللحظة الأولى.
وبعد ست دقائق فقط، امتلأ الشارع بصوت صفارات الإنذار الحادة؛ فقد وصلت فرق الإطفاء ودوريات شرطة مدينة روزفيل في الوقت نفسه تقريبًا.
وأغرقت الأضواء الحمراء والزرقاء العشبَ المثالي في الحديقة، بينما كان رجال الإطفاء يمدّون خراطيم المياه بسرعة محاولين إبعاد النار عن المنازل القريبة.
في تلك اللحظة كان غريغ يقف وسط أرضه بلا حراك، مرتديًا ملابس المنزل، وقد عقد ذراعيه فوق صدره كما لو كان مجرد متفرج يشاهد مشهدًا عابرًا.
لم يظهر على وجهه خوفٌ ولا هلع، بل ارتسمت عليه ملامح رضا عميق، كأن ما حدث لم يكن كارثة بل مهمة أنجزها بإتقان كامل.
ظل يراقب الخزانات المكروهة وهي تحترق دون أن يحاول الهرب أو الاختباء، فبالنسبة إليه لم يكن ذلك جريمة، بل فعل عدالة يعيد التوازن الذي اختلّ.
اقترب منه شرطيان ببطء، وكان الرقيب مايكل داوسون أول من لاحظ الرائحة النفاذة للبنزين التي كانت تنبعث بوضوح من ملابس الرجل.
وبالقرب منه مباشرة، كان جالونٌ أحمر فارغ موضوعًا بعناية فوق العشب، وكأن صاحبه تركه هناك متعمدًا دون أي محاولة لإخفاء أثره.
لم يكن هناك داعٍ لطرح الأسئلة؛ فقد بدت الصورة واضحة تمامًا منذ النظرة الأولى،
لم يقاوم الرجل ولم يبدِ أي اعتراض، بل تمتم بكلمات غامضة عن تحذيرٍ سبق أن وجّهه إلى جاره.
ومع ذلك، يفرض البروتوكول الأمني تفتيش المكان بالكامل بحثًا عن أي مصادر خطر أخرى قد تكون موجودة في الموقع.
كان على الضباط التأكد من عدم وجود نيران مفتوحة أو مواد متفجرة داخل منزل الموقوف قد تنفجر بسبب قربها من الحريق المشتعل في الخارج.
أومأ الرقيب داوسون لزميله ثم اتجه نحو مرآب غريغ، الذي كان بابه نصف مفتوح كما لو أن أحدًا غادره على عجل.
أضاء الشرطي مصباحه التكتيكي وتقدم داخل الظلام، غير مدرك أن ما ينتظره خلف ذلك الباب لن يكون مجرد مرآب عادي.
فمنذ تلك اللحظة، لم تعد القصة مجرد حريق أشعله رجل غاضب، بل بداية لغزٍ مرعب ظلّ يطارد الولاية بأكملها طوال عشر سنوات.
وفي الخارج كان المشهد يبدو كفوضى مسيطَر عليها؛ إذ كان رجال الإطفاء يسكبون الرغوة فوق بقايا السياج المحترق.
بينما وقف الجيران بملابس النوم على الشرفات يسجلون الحادث بهواتفهم، غير مدركين أن الدراما الحقيقية كانت تجري خلف بابٍ مغلق.
وبعد أن تأكد الرقيب من أن المشتبه به معزول جيدًا داخل سيارة الدورية، توجه مباشرة نحو المرآب وفتح الباب على اتساعه.
ووفقًا للإجراءات المعتادة، كان عليه البحث عن عبوات وقود أخرى أو أي مواد متفجرة قد تشكل خطرًا على الحي السكني.
كان يتوقع رؤية مرآب عادي يشبه مخازن الرجال المزدحمة، مليئًا بالدراجات القديمة والصناديق والقطع المتناثرة وبقع الزيت فوق أرضية الخرسانة.
لكن ما رآه تحت ضوء مصباحه جعله يتوقف عند العتبة فجأة، وكأن جسده رفض التقدم خطوة أخرى.
فالمكان بدا أشبه بغرفة عمليات معقمة أو مختبر لأجهزة دقيقة، لا بمرآب منزل عادي في ضاحية هادئة.
ساد في الداخل صمتٌ مطبق يكاد يُسمع، يتناقض بشدة مع أصوات أجهزة اللاسلكي وضجيج الماء في الخارج.
كانت الأرضية مغطاة بطبقة إيبوكسي رمادية فاتحة باهظة الثمن، نظيفة إلى درجة أنها تعكس ضوء المصابيح الفلورية.
لم تكن هناك ذرة غبار واحدة، ولا بقعة زيت عشوائية، ولا أثر للأوساخ التي يجلبها الناس عادة من الشارع.
كانت الجدران مغطاة بألواح بيضاء مثقبة، تتدلى عليها الأدوات مصطفة في صفوف دقيقة كأنها معروضة داخل متحف.
المفاتيح المعدنية مرتبة حسب الأحجام بفواصل ربع بوصة، بينما تتدلى المفكات متوازية تمامًا، وكلها بمقابض موجهة نحو الأعلى.
لكل أداة ظلٌ مرسوم على الجدار، بحيث يمكن لمالكها أن يلاحظ فورًا إن اختفت أصغر قطعة من مكانها.
أما الهواء فلم يكن يحمل رائحة الرطوبة أو عوادم السيارات، بل عبيرًا حادًا خفيفًا لمواد مطهرة وشمع صناعي.
تقدم الشرطي ببطء داخل المرآب، شاعراً بعدم ارتياح غريب وغير منطقي أمام ذلك النظام
كان يبحث عن عبوات الوقود، لكن نظره توقف فجأة عند رفٍ معدني ضخم في الزاوية البعيدة من الغرفة.
كان ذلك الرف المخزن الوحيد في المرآب، لكنه أيضًا خضع لنظام تصنيف صارم يشبه الهوس.
فقد امتلأت الرفوف بعشرات الحاويات البلاستيكية الشفافة المتطابقة، سعة كل منها نحو جالونين تقريبًا.
لم تكن مكدسة فوق بعضها، بل موضوعة في صفوف مستقيمة تمامًا، وبين كل حاوية وأخرى مسافة دقيقة لا تتجاوز سنتيمترًا واحدًا.
وفي نهاية الرف وُضعت لافتة بلاستيكية صغيرة، تحمل كتابة مطبوعة بعناية: أرشيف العقوبات والتعويضات.
توقف الشرطي عند تلك العبارة بدهشة؛ فمعظم الناس يخزنون الأشياء القديمة في مرآبهم، لا التعويضات.
لم يكن غريغ قاتلًا متسلسلًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن يجمع تذكارات ليحتفظ بذكرى ألم ضحاياه.
بل كان جامعًا للضغائن؛ ففي عالمه المشوّه كان يصادر أشياء ممن يعتقد أنهم أضرّوا بممتلكاته المثالية.
كانت تلك الأشياء عملته الخاصة، وطريقته الشخصية لإعادة ميزان العدالة إلى وضعه الصحيح.
بدأ الضابط يقرأ الملصقات المثبتة على الحاويات، وكل واحدة تحمل تاريخًا ووصفًا موجزًا لخطأ ارتُكب ضد غريغ.
مايو 2019: كرة في العشب.
داخل الحاوية كانت كرة سلة للأطفال منكمشة فقدت الهواء.
يوليو 2021: فضلات كلب.
كانت الحاوية معتمة، ولذلك فضّل الضابط عدم فتحها إطلاقًا.
سبتمبر 2022: غصن في المزراب.
وفي الداخل غصنٌ يابس ومنشار حديقة صدئ، يبدو أنه سُرق من أحد الجيران.
انزلقت نظرة الرقيب إلى الرف السفلي، حيث توقفت عند حاوية موضوعة وحدها بعيدًا عن البقية.
كان الملصق المثبت عليها قد اصفرّ قليلًا بفعل الزمن، لكن الكلمات المكتوبة بقلم أسود ما زالت واضحة تمامًا.
فبراير 2013: خدش في الجناح.
عند رؤية التاريخ شعر الشرطي بانقباضٍ مفاجئ في صدره؛ فقد تذكر ذلك العام جيدًا، وتذكر العاصفة الثلجية وكل أخبار الاختفاء التي ملأت الشاشات.
لكن مهمته الآن لم تكن البحث في أسرار قديمة، بل التحقيق في جريمة حريق متعمد وقعت قبل دقائق فقط.
مدفوعًا بحدسه، ارتدى قفازات لاتكس وأخرج الحاوية من الرف. فتح الغطاء ببطء. لم يكن بداخلها مال ولا مجوهرات، بل جسم ثقيل: عدسة كاميرا احترافية يابانية، وعدستها الأمامية محطمة.
كان الزجاج مغطى بشبكة من الشقوق، كأنه ارتطم بقوة بجسم صلب. بجواره قطعة قماش صناعية صفراء زاهية مطوية بعناية. التقطها الضابط ونشرها ببطء ليتفحصها.
لم تكن مجرد خرقة عادية. كانت قطعة ممزقة أو مقصوصة من ملابس ما، على الأرجح من سترة أو معطف شتوي. الحواف غير منتظمة، والخيوط بارزة في اتجاهات مختلفة.
لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق لم يكن شكل القطعة، بل طريقة استخدامها. كان القماش مشبعًا بطبقة بيضاء جافة تشبه الطباشير، تنبعث منها رائحة شمع
وعلى السطح الأصفر ظهرت بوضوح خطوط داكنة من معجون التلميع. لم يكن الأمر مجرد قطعة قماش مهملة، بل أداة استُخدمت بعناية لمسح شيء ثمين وإزالة أثر واضح.
لم يكن الرقيب يعرف بعد كل تفاصيل القضية التي تعود لعشر سنوات،