كان سيُعدم عند الفجر لجريمة لم يرتكبها، لكن فأراً أنقذ حياته...

لمحة نيوز

تتردد في أرجاء الزنزانة كأنها تسخر من ألمه.
وفي إحدى الليالي، بينما كان ينظر بحزن إلى قطعة الخبز اليابسة التي تمثل عشاءه الوحيد، سمع صوتًا خافتًا قرب قدمه.
تجمد في مكانه، ثم لمح عينين صغيرتين لامعتين تراقبانه من شق ضيق في الجدار الحجري القديم.
كان فأرًا رماديًا كبيرًا بفراء متسخ وأذن ممزقة، أحد سكان ذلك المكان الملعون الذي يعيش على بقايا البؤس.
كان معظم الرجال سيصرخون أو يحاولون قتله، فالفئران كانت تُعتبر آفات قذرة، لكن الوحدة الطويلة جعلته يرى فيه شيئًا مختلفًا.
نظر إليه وهمس بصوت مبحوح، متسائلًا إن كان جائعًا مثله، وكأنهما مخلوقان تقاسما نفس المصير داخل هذا الظلام.
لم يهرب الفأر، بل اقترب قليلًا وهو يشم رائحة الخبز، وكأن الجوع دفعه لتجاهل الخوف من الإنسان.
نظر السجين إلى قطعة الخبز الصغيرة في يده، مدركًا أنها بالكاد تكفيه ليعيش يومًا آخر داخل تلك الجدران القاسية.
صرخت غريزة البقاء بداخله أن يأكلها كاملة، لكن قلبه الطيب الذي لم تكسره السجون بعد اختار طريقًا مختلفًا.
مدّ يده وكسر قطعة الخبز اليابسة إلى نصفين.
تردد للحظة
فهي بالكاد تكفيه ليعيش يومًا آخر في تلك الزنزانة المظلمة.
لكن الجوع في عيني الفأر كان واضحًا.
فرمى له نصف القطعة بهدوء وقال بصوت مبحوح
ليست كثيرة لكنها
أفضل من لا شيء.
انطلق الفأر بالخبز واختفى في الظلام. أكل برونو حصته وشعر بدفء غريب في صدره. لأول مرة منذ أسابيع تواصل مع كائن حي، دون أن يدرك أن هذا الفعل الصغير بدأ يحرك خيوط نجاته.
منذ تلك الليلة أصبح بينهما موعد ثابت. كلما وصل الطعام ظهرت الجرذة في التوقيت نفسه، وكأنها تعرف الساعة. أطلق عليها برونو اسم سبارك بسبب اللمعة الذكية في عينيها.
لم تعد العلاقة مجرد مشاركة طعام. أصبحت لحظة صحبة
في عزلة الزنزانة. كان برونو يحدثها عن حياته قبل السجن، وعن الظلم الذي قاده إلى هنا، وعن خوفه مما ينتظره.
كانت الجرذة تأكل الفتات بثقة من يده بينما يهمس لها
أنت الكائن الوحيد هنا الذي لا يحكم عليّ.
كانت تبقى أحيانًا قربه دقائق طويلة، تراقبه بفضول.
لكن جسد برونو بدأ ينهار سريعًا. تسربت رطوبة الجدران إلى صدره، وبدأ يسعل دمًا. في الليل كانت الحمى تربكه، وتجعله يرى كوابيس عن مصيره القريب.
في الطابق العلوي من القصر، كانت حياة غاستون مختلفة. حصل على ترقية وسيطرة أكبر، لكنه فقد راحته. الخوف أصبح يطارده كل ليلة كظل لا يختفي.
احتفظ غاستون بالخاتم المسروق مع مجوهرات أخرى في خزنة سرية خلف لوحة في غرفته. كل ليلة يخرج الخاتم ويتفحصه بقلق، وكأن بريقه يذكّره بما فعله.
فكر مرارًا في بيعه والتخلص منه،
لكن الخوف شلّ قراره. فبيع جوهرة معروفة قد يكشف كل شيء. لذلك ظل الخاتم مخبأً، بينما يكبر القلق داخله.
في أحد الأيام قرر غاستون زيارة السجن. رشَا الحارس ووقف أمام زنزانة برونو. نظر إليه باحتقار وقال انظر إلى حالك، تبدو كجثة.
رفع برونو رأسه بصعوبة وقال بهدوء
يمكنك أن تحبسني هنا، لكنك تعيش في سجن أصغر سجن خوفك.
غضب غاستون بشدة وضرب القضبان بيده قائلاً
بعد ثلاثة أيام، عند الفجر، سيتم إعدامك في الساحة العامة. استمتع بوقتك القليل.
سقط الخبر على برونو كصاعقة. ثلاثة أيام فقط تفصله عن النهاية. تحول خوفه إلى ذعر بارد يخنق أنفاسه.
بعد مغادرة غاستون انهار تمامًا. جلس على الأرض لساعات طويلة، عاجزًا عن التفكير. كانت الزنزانة أكثر برودة من أي وقت مضى.
في تلك الليلة لم تظهر سبارك. ترك لها الخبز قرب الجدار لكنه بقي كما هو. شعر برونو أن الوحدة أصبحت كاملة.
في الليلة التالية استيقظ على صوت خفيف قرب الجدار. همس بصوت متعب
سبارك
ظهرت الجرذة، لكن هذه المرة لم تبحث عن الطعام. كان في فمها شيء يلمع.
اقتربت وأسقطت الشيء في يد برونو. نظر إليه بصعوبة في الظلام. لم يكن حجرًا عاديًا بل زر ذهبي محفور عليه شعار زهرة الزنبق.
تجمد برونو في مكانه. كان يعرف هذا الزر جيدًا. فقد صقله مرات عديدة عندما كان
يعمل في القصر. كان جزءًا من سترة غاستون.
نظر إلى الجرذة بدهشة وسألها وكأنها تفهم
من أين أحضرتِ هذا؟
ركضت نحو شق صغير في الجدار ثم عادت، وكأنها تشير إلى طريق خفي. بدأ عقل برونو يعمل بسرعة رغم الحمى.
إذا كانت تستطيع الوصول من غرفة غاستون إلى الزنزانة، فهذا يعني وجود ممر مخفي يربط المكانين.
تذكر برونو أن الفئران تنجذب للأشياء اللامعة. بدأت فكرة مجنونة تتشكل في ذهنه. ربما تكون فرصته الوحيدة.
خلع ميداليته الفضية القديمة، آخر شيء يملكه. رفعها أمام سبارك التي لمع بريق الفضول في عينيها.
قال لها بصوت منخفض
خذيها وأحضري لي ما يخفيه.
التقطت الجرذة الميدالية بأسنانها واختفت داخل الشق المظلم. بقي برونو وحده ينتظر.
مرت الساعات ببطء شديد. كل دقيقة كانت تقربه أكثر من الفجر ومن حبل المشنقة.
لم ينم تلك الليلة. ظل واقفًا قرب الشق في الجدار، يحدق في الظلام بعينين مرهقتين، منتظرًا شيئًا قد لا يحدث.
لكن تلك كانت فرصته الأخيرة.
همس برونو بصوت متعب
أرجوك يا سبارك عودي.
لكن الصمت بقي سيد الزنزانة. بدأ الشك يتسلل إلى عقله. هل كان أحمق حين علق آخر أمل له على جرذ صغير؟
في الطابق العلوي من القصر، كان غاستون نائمًا بقلق بعد ليلة من الشراب. لم يلاحظ الظل الصغير الذي تسلل بهدوء داخل غرفته.
انجذب الجرذ
إلى لمعان المعادن ورائحة المكان. تسلل
خلف اللوحة التي
تم نسخ الرابط