اختفى شاب أثناء رحلة في جبال سموكي… وبعد ثلاث سنوات، وجدوه جالسًا فوق شجرة مرتديًا بدلة مهرج.
المحتويات
قد انخفضت إلى 92 درجة فهرنهايت، وهو ما يشير إلى تعرضه لفترات طويلة للبرد والهواء الطلق دون حماية كافية.
أكدت مذكرة إدارة الشرطة الطابع غير المألوف للموقع الذي عُثر فيه على لوكاس.
فمنطقة ديب كريك لا ترتبط منطقيًا بالمسار الذي سلكه الشاب عام 2013.
وهذا يعني أنه طوال ثلاث سنوات إما كان يتحرك تحت سيطرة شخص آخر، أو كان محتجزًا في مكان لم يظهر في أي خريطة بحث.
كانت طبقة المكياج على وجهه كثيفة للغاية، لدرجة أن الأطباء اضطروا إلى استخدام مذيبات خاصة لإزالتها داخل المستشفى.
وعندما أزيل الطلاء الأبيض، ظهرت بشرة لم تتعرض لضوء الشمس منذ سنوات.
كانت شاحبة إلى حدٍ شبه شفاف، وتظهر من خلالها عروق زرقاء دقيقة بوضوح.
إن عودة لوكاس بهذه الحالة دفعت المحققين إلى إعادة فحص القضية بالكامل.
وجاء في التقرير الرسمي لذلك اليوم، الذي وقعه قائد شرطة المقاطعة، أن الظروف المحيطة باكتشاف الشاب تشير بوضوح إلى احتجازه عمدًا في ظروف غير إنسانية.
وأضاف التقرير أن أساليب ضغط نفسي ممنهجة استُخدمت خلال فترة اختفائه.
لقد أعادت جبال سموكي العظيمة لوكاس سنو أخيرًا.
لكنها كشفت في الوقت نفسه أدلة على جحيم شخصي مخفي في أعماق الغابة.
كل تفاصيل عودته، من الأزرار الحمراء الكبيرة على بدلة المهرج إلى نوبات الضحك الهستيرية، كانت تشير بوضوح إلى أن ما حدث لم يكن حادثًا عشوائيًا.
بل كان فعلًا متعمدًا لشخص بارد وقاسٍ.
في 29 سبتمبر 2016، عند الساعة الثانية صباحًا، تم نقل لوكاس سنو أخيرًا إلى وحدة العناية المركزة المغلقة في المركز الطبي بجامعة تينيسي في مدينة نوكسفيل.
بعد إزالة المكياج الأبيض الكثيف باستخدام مذيبات خاصة، رأى الأطباء وجهًا بدا وكأنه قناع ممزق.
كان جلده شاحبًا للغاية حتى إن كل عرق كان واضحًا تحته.
أما عيناه، اللتان لم تتوقفا عن الحركة، فقد كشفتا عن توتر عصبي شديد.
وبحسب التقرير الطبي، كان لوكاس يعاني من حالة تراجع نفسي عميقة واضطراب انفصال حاد.
داخل جدران المستشفى بدا سلوك الشاب، الذي اعتُبر ميتًا لثلاث سنوات، أشبه بسلوك حيوان محاصر.
ذكر طاقم الجناح أن لوكاس رفض تمامًا الاستلقاء على السرير.
وبدلًا من ذلك اختار أظلم زاوية في الغرفة وجلس على الأرض، وظهره ملتصق بقوة بالجدار.
لم يسمح لأي فرد من الطاقم الطبي بالاقتراب منه.
الاستثناء الوحيد كان الدكتور سامويل فانس، أحد أبرز المتخصصين في علم نفس الأزمات.
خلال أول محاولة للتواصل معه صباح 30 سبتمبر عند الساعة الثامنة، وضع لوكاس شرطًا واحدًا فقط.
طلب من الطبيب أن يجلس في مجال رؤيته المباشر، وألا يتحرك مطلقًا نحو النقطة العمياء خلف كتفيه.
كان لوكاس يشعر برعب شديد من أي حركة تحدث خلفه.
تضمن التحقيق لاحقًا تقريرًا كتبته الممرضة سارة ميلر، التي كانت تعمل في نوبة المساء في الأول من أكتوبر عام 2016.
وجاء في التقرير أنه عند الدقيقة الخامسة عشرة من الساعة التاسعة مساءً تقريبًا، اقتربت الممرضة عن طريق الخطأ من خلف لوكاس لتفقد شاشة الأجهزة الطبية.
وبمجرد أن سقط ظلها على الجدار أمامه، ارتجف لوكاس كما لو أنه تعرض لصدمة كهربائية.
غطى رأسه
قال بوضوح إن المخرج عاد مرة أخرى.
استمر في التشنج حتى خرجت الممرضة من الغرفة.
بعد ذلك اضطر الطبيب المناوب إلى إعطائه مهدئًا.
أصبح هذا الخوف الشديد من الاقتراب من الخلف أحد أهم الأدلة لفهم ما حدث له خلال فترة اختفائه التي استمرت 1213 يومًا.
وخلال إحدى المحادثات النادرة مع الدكتور فانس، والتي أُدرجت لاحقًا في ملف التحقيق الجنائي، همس لوكاس بكلمات أثارت قشعريرة لدى المحققين.
قال الصبي، بحسب الطبيب
لم أسمعه يدخل أبدًا كان المخرج يتسلل دائمًا من الخلف.
وأضاف أن أفضل المشاهد، بحسب ما كان يقوله الرجل، تبدأ عندما لا يرى الممثل المهاجم.
في تلك الشهادة المقطعة ظهرت شخصية المخرج للمرة الأولى.
كان رجلاً، وفقًا لكلمات لوكاس، لم يكتفِ باحتجازه، بل حوّل حياته إلى عرض جنوني متواصل.
قال لوكاس إن أي صوت يأتي من خلفه كان يعني بداية مشهد جديد.
وغالبًا ما كان ذلك المشهد ينتهي بالألم أو بإجباره على أداء أفعال غريبة.
عند هذه النقطة أدرك المحققون أنهم لا يتعاملون مع خاطف عشوائي.
بل مع شخص سادي ومنهجي يستخدم لغة المسرح وأدواره لتعذيب ضحيته نفسيًا.
كان خوف لوكاس من الاقتراب غير المرئي عميقًا لدرجة أنه تعلم النوم وعيناه شبه مفتوحتين.
كان يستيقظ عند أدنى تغير في الضوء داخل الغرفة.
وبحسب بروتوكول مراقبة المرضى، كان يحلم كثيرًا بأنه يقف خلف الكواليس قبل أن يصعد إلى خشبة المسرح.
قال إن المخرج كان يطالبه بأن يكون ممثلًا مثاليًا.
وأي خطأ في الأداء كان يؤدي إلى ما يسميه الرجل إعادة التصوير.
وبحسب روايته، كانت تلك الإعادات تستمر لساعات طويلة في ظلام شبه كامل.
وكان الصوت الوحيد الذي يسمعه هو صوت المعذب القادم من مكان ما خلفه.
كتب المحقق آرثر ميلر، من قسم شرطة مقاطعة سيفير، في مذكراته أن نوبات الهلع تلك كانت أول دليل حقيقي على وجود شخص آخر وراء الاختفاء.
هذا الاكتشاف دحض تمامًا الرواية الأولية التي افترضت وقوع حادث في الجبال.
لم يكن لوكاس مجرد شاب تائه.
لقد تم اختطافه واحتجازه وعزله عن العالم، ثم تحطيم نفسيته بشكل منهجي.
أُجبر على لعب الدور الذي ابتكره ذلك الرجل لنفسه.
بحلول الخامس من أكتوبر 2016 بدأت حالة لوكاس الجسدية تتحسن تدريجيًا.
لكن جرحه النفسي ظل مفتوحًا.
كان يتجمد في مكانه عند سماع أي خطوات في الممر.
ويبقى مستمعًا بعناية إلى إيقاع حركة الناس حوله.
كان هوسه بفكرة أنه لا يزال على خشبة المسرح يمنعه من التمييز بين الواقع وذكريات أسره.
أدرك الأطباء والمحققون أنه للعثور على الشخص الذي حول حياة الشاب إلى عرض تنكري لا نهاية له، عليهم فهم قواعد اللعبة التي فرضها ذلك المخرج.
كان عليهم أيضًا العثور على المكان الذي أُجبر فيه لوكاس على أداء هذا الدور طوال ثلاث سنوات.
كل تفاصيل خوفه داخل مستشفى نوكسفيل لم تكن سوى صدى للرعب الذي عاشه في أعماق غابات تينيسي.
وقبل أن تصل القصة إلى أكثر فصولها رعبًا، كان هناك سؤال واحد يلاحق المحققين.
أين كان المسرح الحقيقي الذي دارت فيه تلك المأساة؟
في 7 أكتوبر 2016 عاد فريق من خبراء
كان هدف المهمة إجراء مسح تفصيلي للمنطقة ضمن دائرة نصف قطرها 500 قدم حول شجرة الصنوبر التي عُثر على لوكاس فوقها.
ورغم مرور عدة أيام، بقيت المنطقة كما هي تقريبًا.
فالطريق إليها صعب، ونادرًا ما يصل إليها الزوار.
سجل المحقق آرثر ميلر في مذكراته الميدانية ملاحظة غريبة.
كان الصمت في تلك المنطقة غير طبيعي تقريبًا.
خلال ساعات طويلة من العمل لم يسمع الخبراء أي صوت لطيور أو حيوانات صغيرة.
وهو أمر غير معتاد إطلاقًا في هذا الجزء من جبال سموكي العظيمة.
كان أول ما ركز عليه فريق التحقيق هو آثار الأقدام على الأرض.
فبسبب الرطوبة العالية في أرض الغابة وعدم هطول أمطار قوية في الأيام السابقة، تمكن خبراء الطب الشرعي من توثيق آثار أقدام حافية واضحة.
وبحسب تقرير التحقيق في مسرح الجريمة، تم العثور على سلسلة واضحة من آثار الأقدام تقود من غابة كثيفة مباشرة نحو جذع شجرة صنوبر مرتفعة.
أظهرت الفحوص أن السمات التشريحية للقدم، من حيث الطول والعرض والانحناء المميز، تطابقت تمامًا مع مقاييس قدم لوكاس سنو.
ومع ذلك، وخلال عملية تمشيط دقيقة وشاملة للمنطقة المحيطة، اكتشف المحققون حقيقة أربكت الجميع.
لم يتم العثور على أي آثار أقدام تقود من الشجرة إلى داخل الغابة أو في أي اتجاه آخر.
بدا المشهد وكأن الصبي اقتيد إلى تلك النقطة تحديدًا ثم أُجبر على الصعود إلى الشجرة.
أشار المحقق آرثر ميلر في تقريره إلى احتمال أن لوكاس بقي فوق شجرة الصنوبر هذه لفترة طويلة دون أن ينزل إلى الأرض.
لكن غياب أي آثار أقدام أخرى في المنطقة، بما في ذلك آثار شخص آخر، جعل المشهد يبدو كما لو أن لوكاس ظهر فجأة في ذلك المكان.
افترض المحققون أن الجاني ربما استخدم أساليب خاصة لإخفاء آثاره.
أو ربما تحرك عبر جذوع الأشجار المتساقطة والنتوءات الصخرية المنتشرة حول المنطقة المفتوحة.
أولى خبراء الطب الشرعي اهتمامًا خاصًا لشجرة الصنوبر التي يبلغ ارتفاعها عشرين قدمًا.
وخلال فحص الجذع باستخدام التصوير الفوتوغرافي الماكروي الدقيق، اكتشفوا العديد من الأضرار الميكانيكية في اللحاء.
وعلى ارتفاع يتراوح بين خمسة وخمسة عشر قدمًا، وجدوا مئات الخدوش القديمة والحديثة التي بدت وكأنها آثار أظافر بشرية.
كانت بعض هذه العلامات عميقة للغاية.
حتى إن الشجرة بدأت تفرز راتنجًا كثيفًا غطّى طبقات الضرر القديمة.
أكدت هذه الأدلة المادية أن الصبي تسلق إلى ذلك الارتفاع مئات، وربما آلاف المرات.
كان اللحاء في بعض المواضع مصقولًا ولامعًا.
وهي الأماكن التي كان يمسك بها بيديه باستمرار أو يثبت ركبتيه عليها أثناء التسلق.
وبينما كان فريق الطب الشرعي يواصل عمله في الغابة، ظلت حالة لوكاس النفسية غير مستقرة داخل مستشفى نوكسفيل.
كان لا يزال أسيرًا لهلاوسه التي أصبحت الآن أكثر وضوحًا.
وكشفت شهادة الممرضة المناوبة، إيلين جرانت، المسجلة في الثامن من أكتوبر، عن نوبة أخرى من الهذيان الليلي.
ذكرت الممرضة أنه عند الساعة الثالثة صباحًا، جلس لوكاس فجأة على
كان يقلد بوضوح الحركات التي يقوم بها شخص يجلس على غصن شجرة.
ثم همس بالعبارة نفسها مرة أخرى
لم أستطع النزول لم أستطع.
وأضاف بصوت منخفض أن المخرج سيعود للتحقق من وجوده على المسرح عند الساعة الثالثة.
تحولت هذه الكلمات لاحقًا إلى مفتاح مهم لفهم سبب عدم محاولة لوكاس الهروب أثناء وجوده في الغابة.
فبالنسبة له، لم تكن شجرة الصنوبر في ديب كريك مجرد مكان للاختباء أو مأوى مؤقت.
داخل عقل الصبي تحولت الشجرة إلى جزء من الدور المفروض عليه.
إلى قطعة من الديكور داخل المسرحية المرعبة التي صنعها ذلك المخرج المجنون
أدرك المحققون أن الفترة التي قضاها لوكاس في المرتفعات لم تكن عشوائية، بل كانت تخضع لنظام صارم وجدول زمني محدد بدقة.
كانت عبارة التحقق من الوجود على المسرح في الساعة الثالثة دليلاً واضحًا على أن المعذب كان يتبع روتينًا ثابتًا.
ربما كان يقترب من الشجرة في ذلك الوقت تحديدًا.
أو يراقب لوكاس من مسافة بعيدة دون أن يراه.
وخلال تفتيش أحد الفروع السفلية لشجرة الصنوبر، على ارتفاع يقارب عشرة أقدام، عثر الخبراء على دليل مقلق آخر.
كان هناك خطاف معدني صغير مغروس مباشرة في جذع الشجرة.
وعند فحصه بعناية، وُجدت عليه ألياف مجهرية من نسيج صناعي أصفر فاقع.
تطابقت هذه الألياف تمامًا مع القماش المستخدم في زي المهرج الذي كان يرتديه لوكاس.
عزز هذا الاكتشاف الرواية التي تشير إلى أن الصبي أُجبر على البقاء في وضعية محددة.
أو أداء حركات بهلوانية وهو معلق بذلك الخطاف، تنفيذًا لما فُرض عليه من دور.
كشف تحليل التربة الموجودة مباشرة أسفل الشجرة عن وجود بقايا عضوية متعددة.
أشارت هذه النتائج إلى أن لوكاس كان يقضي أيامًا وليالي طويلة فوق الشجرة.
دون أن يتمكن حتى من النزول لتلبية أبسط احتياجاته الجسدية.
كما أظهر مستوى تآكل اللحاء وكثرة الخدوش أن تلك الشجرة تحولت إلى مسرحه القسري.
على الأقل خلال الأشهر الأخيرة قبل أن يعثر عليه المتنزهون.
كانت كل خدشة محفورة في الخشب شاهدًا صامتًا على آلاف الساعات التي قضاها الصبي وحيدًا.
تحت مراقبة متفرج لا يُرى.
أشار المحقق آرثر ميلر، في خلاصة تقريره عن المسح الذي أُجري في ديب كريك، إلى أن المنطقة كانت مثالية لممارسة ضغط نفسي شديد.
فمن أعلى الشجرة يمكن رؤية الغابة الكثيفة المحيطة.
حيث قد تبدو أي حركة بين الأغصان وكأنها اقتراب المخرج.
عند هذه النقطة أدركت الشرطة أن اختيار الشجرة لم يكن عشوائيًا.
لقد كانت جزءًا من وسيلة تعذيب مدروسة.
أداة مصممة لطمس الحدود بين الواقع والدور الذي أُجبر لوكاس على لعبه.
تحت تهديد دائم بالموت أو بعقاب قاسٍ.
عقاب كان يأتي، بحسب وصفه، دائمًا من الخلف.
كانت كل خطوة في التحقيق تقود إلى استنتاج واحد.
الخاطف لم يكن يخفي ضحيته فقط.
بل كان يصنع بيئة كاملة يتحول فيها منتزه غريت سموكي ماونتينز إلى جزء من واقع مشوه صنعه بنفسه.
في العاشر من أكتوبر عام 2016، عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، سلّم مختبر جرائم ولاية تينيسي نتائج الفحص الكامل لملابس لوكاس سنو إلى المحقق آرثر ميلر.
حملت الوثيقة رقم 48213
أظهر تحليل الألياف أن البدلة الصفراء الزاهية التي كان يرتديها الصبي مصنوعة من
بوليستر رخيص.
وأنها
متابعة القراءة