لمدة ثمانية عشر شهرًا كان العالم يعتقد أن ثلاثة أصدقاء لقوا حتفهم في نهر بري متوحش

لمحة نيوز

على مدى ثمانية عشر شهرًا كاملة ظل العالم يعتقد أن ثلاث شابات قد فقدن حياتهن في حادث تجديف مأساوي. الرواية الرسمية التي تداولتها الأخبار بدت منطقية إلى حد كبير قارب مطاطي انقلب في نهر سريع التيار داخل منطقة نائية، ولم يتم العثور على أي أثر لركابه. بالنسبة لمعظم الناس، كانت مجرد مأساة أخرى من تلك الحوادث التي تقع كل عام في البراري الأمريكية القاسية.
لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا، وأكثر ظلامًا مما يمكن تخيله.
لأن إحدى هؤلاء الشابات لم تمت في ذلك اليوم.
في مكان ما تحت مئات الأمتار من الصخور الحمراء، داخل كهف لا يصل إليه ضوء الشمس، كانت هناك إنسانة ما تزال تقاتل للبقاء على قيد الحياة. كانت معزولة عن العالم، بلا طعام تقريبًا، بلا ضوء، وبلا أي وسيلة لطلب المساعدة. والأكثر رعبًا أن الطريقة التي نجت بها طوال تلك المدة كانت سرًا ثقيلًا لم يكن من السهل على أي إنسان الاعتراف به.
لكن في صباح يوم 12 يونيو عام 2016 لم يكن أحد يتخيل أن هذه القصة ستنتهي بتلك الطريقة.
في ذلك اليوم كانت بلدة Green River الصحراوية الصغيرة تستيقظ على شمس حارقة. تقع البلدة على أطراف صحراء ولاية يوتا، وهي واحدة من تلك الأماكن التي يمر بها المسافرون عادة في طريقهم إلى أماكن أخرى، لكنها نادرًا ما تكون الوجهة النهائية لأي رحلة. الطريق السريع يمر بالقرب منها، ومحطة الوقود الرئيسية تقف على حافته مثل نقطة حياة صغيرة وسط فراغ صحراوي واسع.
كانت الحرارة في ذلك الصباح ترتفع بسرعة، حتى قبل أن تقترب الساعة من منتصف النهار. الهواء الجاف كان يلمع فوق الأسفلت، والصمت الذي يميز البلدات الصغيرة في الصحراء كان يسيطر على المكان.
عند الساعة الحادية عشرة تقريبًا، دخلت سيارة دفع رباعي رمادية داكنة إلى موقف محطة الوقود.

توقفت السيارة ببطء، ثم انفتح الباب الأمامي ونزلت منه شابة ذات شعر بني طويل، بدت عليها علامات التعب بعد رحلة طويلة، لكنها كانت تبتسم وهي تمدد ذراعيها وتتنفس الهواء الحار.
كانت تلك الشابة تدعى بريسيلا غرانت.
بعدها بثوانٍ خرجت صديقتها بوني جونز من الباب الآخر، وهي تحمل زجاجة ماء باردة وتشرب منها بسرعة. كانت بوني أكثر حيوية من بريسيلا، وكانت تضحك وهي تشير إلى الطريق الذي قطعنه قادمات من مدينة سولت ليك سيتي. أما الراكبة الثالثة، مارلين واتسون، فقد نزلت من المقعد الخلفي وهي تمسك هاتفها وتلتقط صورة للمكان، وكأنها تريد توثيق بداية المغامرة.
كانت الشابات الثلاث في أواخر العشرينيات من العمر، وجمعتهن صداقة طويلة بدأت منذ سنوات الجامعة. ما جمع بينهن لم يكن الدراسة فقط، بل حب المغامرة أيضًا. كن يقضين معظم إجازاتهن في تسلق الجبال أو التجديف أو التخييم في المناطق البرية، وقد اعتدن على خوض رحلات صعبة لا يجرؤ الكثيرون على تجربتها.
لكن الرحلة التي كن يخططن لها هذه المرة كانت مختلفة قليلًا.
فبعد شهور من التخطيط، قررن القيام برحلة تجديف تستغرق ستة أيام عبر أحد أكثر الأودية عزلة في غرب الولايات المتحدة، وهو الوادي المعروف باسم وادي ديزوليشن. يمتد هذا الوادي لمسافات طويلة عبر تضاريس قاسية، حيث ترتفع الجدران الصخرية الحمراء آلاف الأمتار فوق النهر، وتختفي تمامًا أي مظاهر للحضارة الحديثة.
داخل ذلك الوادي لا توجد تغطية لشبكات الهاتف المحمول، ولا طرق قريبة، ولا حتى مسارات سهلة يمكن أن تصل إلى المدن. عندما يدخل شخص إلى هناك فإنه يصبح معتمدًا بالكامل على نفسه وعلى خبرته في التعامل مع الطبيعة.
ومع ذلك، لم تكن الفتيات قلقات.
بعد أن اشترين الشاي المثلج وبعض الوجبات الخفيفة وبطاريات إضافية
للمصابيح اليدوية من داخل محطة الوقود، وقفن قليلًا بجوار السيارة يتبادلن المزاح. كانت مارلين تقرأ توقعات الطقس على هاتفها، بينما كانت بوني تمزح قائلة إن أول من يسقط في الماء سيضطر إلى طهي العشاء لبقية الفريق طوال الرحلة.
حتى أمين الصندوق في المحطة سيتذكر لاحقًا تلك اللحظة بوضوح. عندما سئل بعد أشهر عن آخر مرة رأى فيها الفتيات، قال إنهن بدين واثقات جدًا من أنفسهن، وربما أكثر مما ينبغي.
بعد حوالي ساعة، وصلت السيارة إلى رصيف صغير تابع لمنتجع بسيط يقع على أطراف البلدة. هناك بدأت الشابات الثلاث في تفريغ معدات الرحلة من الصندوق الخلفي للسيارة. كان أول ما أخرجنه قاربًا مطاطيًا أخضر مصنوعًا من مادة بولي يوريثان قوية، مصممًا خصيصًا للرحلات الطويلة في الأنهار السريعة.
بعد ذلك أخرجن الحقائب المقاومة للماء، والتي كانت مليئة بالطعام المجفف، وملابس إضافية، ومعدات التخييم، وأدوات الطهي، وأجهزة الملاحة البسيطة التي سيعتمدن عليها طوال الأيام القادمة.
عند الساعة الواحدة والنصف تقريبًا توجهت الفتيات إلى مكتب صغير تابع لخدمة المتنزهات الوطنية لتسجيل رحلتهن رسميًا. كان هذا إجراءً روتينيًا يتبعه معظم المتنزهين في تلك المنطقة. يكتب المسافرون أسماءهم ومسار الرحلة المتوقع وموعد العودة التقريبي، بحيث يتمكن حراس المتنزه من بدء عمليات البحث إذا لم يعد الفريق في الموعد المحدد.
كتبت مارلين المعلومات بعناية في السجل.
المسافة أربعة وثمانون ميلًا عبر النهر.
مدة الرحلة ستة أيام.
موعد الوصول المتوقع الثامن عشر من يونيو عند شاطئ سويزي.
بعد الانتهاء من التسجيل عادت الفتيات إلى الرصيف مرة أخرى، وبدأن في دفع القارب نحو الماء. كان النهر في ذلك الوقت يبدو هادئًا، يتدفق ببطء بين الصخور الحمراء التي
تحيط به من الجانبين.
جلست بوني في المقدمة، بينما أمسكت مارلين بالمجداف الثاني، واستقرت بريسيلا في الخلف لتوجيه القارب. دفعن القارب قليلًا حتى أصبح طافيًا بالكامل، ثم بدأ التجديف ببطء مع التيار.
خلال دقائق قليلة فقط أخذهن النهر بعيدًا عن الرصيف، وبدأت جدران الوادي ترتفع حولهن تدريجيًا. ومع أول منعطف كبير في مجرى النهر اختفت السيارة الرمادية، واختفى الرصيف، واختفى آخر أثر للحضارة خلفهن.
لم يكن هناك ما يدعو للقلق في ذلك الوقت.
خلال اليومين الأولين سارت الرحلة تمامًا كما خططن لها. كانت الشمس تشرق على المنحدرات الحمراء فتجعلها تبدو وكأنها تشتعل بالضوء، وكان النهر يشق طريقه بهدوء بين الصخور. كانت الفتيات يتوقفن أحيانًا على ضفاف رملية صغيرة لإعداد الطعام أو للسباحة قليلًا لتخفيف حرارة الجو.
لكن في اليوم الثالث تغير شيء ما.
كان ذلك في الرابع عشر من يونيو، عند حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر. كانت الحرارة مرتفعة بشكل غير عادي حتى بالنسبة لصيف يوتا القاسي، وكان الهواء فوق سطح الماء يهتز بفعل الحرارة.
في تلك اللحظة بدا النهر هادئًا جدًا.
هادئًا لدرجة أن أي صوت صغير كان يتردد صداه بين الجدران الصخرية العملاقة.
أخرجت مارلين صندوقًا بلاستيكيًا صغيرًا من إحدى الحقائب المقاومة للماء. كانت الفتيات قد تحدثن عن محتوياته قبل الرحلة، لكنه لم يكن موضوعًا جديًا في البداية. داخل الصندوق كانت هناك عدة أقراص من عقار مهلوس صناعي.
كانت الفكرة التي طرحتها مارلين بسيطة في نظرها تجربة روحية وسط الطبيعة.
في عزلة الوادي، بعيدًا عن المدن والضوضاء، بدا الأمر مغريًا بشكل غريب. وبعد لحظات من التردد وافقت الصديقتان الأخريان.
تناولن الأقراص دون أن يوقفن القارب أو يربطنه بالشاطئ.
في البداية لم
يحدث شيء.
لكن بعد فترة قصيرة
تم نسخ الرابط