لمدة ثمانية عشر شهرًا كان العالم يعتقد أن ثلاثة أصدقاء لقوا حتفهم في نهر بري متوحش
المحتويات
الساعات ببطء شديد.
ثم مرت أيام.
في الظلام الكامل يصبح الزمن شيئًا غامضًا. لم يكن هناك شروق شمس ولا غروب، ولا أي علامة يمكن أن تشير إلى مرور الوقت. كان الشيء الوحيد الذي يتغير هو حالة مارلين.
في البداية كانت تحاول التماسك. كانت تتحدث مع بريسيلا عن خطط الهروب، وتقترح طرقًا مختلفة لاستكشاف الكهف. لكن بعد فترة قصيرة بدأ الألم والبرد والإرهاق ينهكون جسدها.
الجرح في ساقها بدأ يلتهب.
ارتفعت درجة حرارتها.
وبعد بضعة أيام بدأت تهذي.
كانت تتحدث إلى أشخاص غير موجودين، وتنادي أسماء أفراد عائلتها، وتضحك أحيانًا بدون سبب واضح. كانت بريسيلا تجلس بجوارها طوال الوقت تقريبًا، تمسك بيدها وتحاول تهدئتها، لكنها لم تكن تملك أي وسيلة لمساعدتها.
لم يكن هناك طعام على الإطلاق.
كانتا تشربان من ماء النهر فقط.
ومع مرور الوقت بدأت قوى مارلين تضعف بسرعة.
في إحدى اللحظات الهادئة، بعد فترة طويلة من الهذيان، أصبحت أنفاسها أبطأ بكثير. جلست بريسيلا بجانبها وهي تمسك بيدها، تنتظر أن تستعيد وعيها مرة أخرى كما كانت تفعل في الأيام السابقة.
لكن هذه المرة لم يحدث ذلك.
بعد عدة دقائق أدركت بريسيلا أن صدر صديقتها لم يعد يتحرك.
كانت مارلين واتسون قد ماتت.
لم يبقَ في الكهف سوى إنسانة واحدة حية.
جلست بريسيلا في الظلام لفترة طويلة جدًا دون أن تتحرك. لم تكن تبكي، ولم تكن تصرخ. كان عقلها فارغًا تقريبًا، كأن الصدمة استنزفت قدرتها على التفكير.
كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
لم يعد هناك أحد يمكنه مساعدتها.
لم يعد هناك من تتحدث إليه.
لم يعد هناك من يسمع صوتها.
كانت وحيدة تمامًا تحت مئات الأمتار من الصخور.
ومع مرور الأيام بدأ جسد بريسيلا ينهار ببطء.
في البداية كان الأمر مجرد دوار خفيف يهاجمها كلما
لم يكن هناك طعام.
لم يبق معها شيء من مؤن الرحلة، وكل ما استطاعت فعله هو أن تشرب من ماء النهر البارد الذي يمر عبر الكهف. كان الماء يخفف العطش، لكنه لا يستطيع خداع الجسد طويلًا. بعد وقت قصير بدأ الجوع يتحول إلى ألم حقيقي، ألم حاد يشبه القبضة التي تنغلق ببطء داخل المعدة وتزداد قوة مع كل ساعة تمر.
كانت تحاول النوم أحيانًا لتتجاهل الإحساس بالجوع. كانت تتمدد على الحافة الصخرية الضيقة، تضم ذراعيها حول جسدها لتحافظ على شيء من الدفء، وتغمض عينيها محاولة إقناع نفسها بأن النوم سيجعل الوقت يمر أسرع.
لكن النوم في ذلك المكان لم يكن سهلًا.
الهواء داخل الكهف كان باردًا ورطبًا على الدوام، وملابسها لم تجف بالكامل منذ اللحظة التي خرجت فيها من الماء. كلما حاولت النوم كان جسدها يرتجف بعنف، وأحيانًا كانت تستيقظ فجأة بسبب تقلصات مؤلمة في معدتها.
مر الوقت ببطء شديد.
وفي أحد الأيام أو ربما بعد عدة أيام، لم تعد متأكدة بدأت فكرة غريبة تمر في عقلها.
لم تكن فكرة واضحة في البداية، بل مجرد ومضة سريعة حاول عقلها أن يطردها فورًا.
لكنها عادت مرة أخرى.
ثم عادت مرة ثالثة.
كانت فكرة بدائية، مظلمة، ومقززة إلى حد جعلها تشعر بالغثيان لمجرد اقترابها منها.
فكرة لا يريد أي إنسان طبيعي أن يسمح لنفسه بالتفكير فيها.
حاولت بريسيلا أن تقاومها. كانت تهمس لنفسها في الظلام بأنها ستجد حلًا آخر، وأن فرق البحث ربما بدأت بالفعل في الخارج، وأن أحدهم سيصل إلى هذا المكان يومًا ما.
لكن الجوع لا يفهم لغة الأمل.
مع مرور الوقت بدأ عقلها
جلست بريسيلا على الحافة الصخرية، تستمع إلى صوت الماء وهو يتحرك في الظلام حولها. كان الصوت رتيبًا، ثابتًا، يتكرر بلا نهاية. بعد فترة طويلة أصبح ذلك الصوت كأنه جزء من أفكارها نفسها، كأنه نبض المكان الذي حبسها داخله.
كانت تعرف حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها.
إذا لم تجد طعامًا قريبًا
فلن تعيش طويلًا.
الجسد البشري يمكنه الصمود لبعض الوقت، لكنه في النهاية يبدأ في استهلاك نفسه. كانت تشعر بذلك يحدث بالفعل. ضعف في أطرافها، ارتجاف لا يتوقف، وتعب عميق يجعل مجرد الوقوف مهمة شاقة.
رفعت رأسها ببطء، كأنها تحاول النظر عبر الظلام الذي يملأ الكهف.
لكن الظلام لم يكن يخفي الحقيقة.
في ذلك المكان لم يكن هناك أي شيء يمكن أن يؤكل.
لا نباتات لا حيوانات لا حشرات حتى.
لم يكن هناك شيء إلا الشيء الوحيد الذي كانت تحاول ألا تفكر فيه.
وكلما حاولت إبعاد الفكرة عن عقلها، كانت تعود أقوى من قبل.
لأن الجوع، في النهاية، لا يترك للإنسان الكثير من الخيارات.
لم تكن تعرف أن فرق الإنقاذ قد بدأت بالفعل عمليات بحث واسعة بعد اختفائهن. عندما لم تعد الفتيات الثلاث في الموعد المحدد عند شاطئ سويزي، أبلغ موظفو خدمة المتنزهات السلطات. خلال الأيام التالية قامت فرق الإنقاذ بتمشيط أجزاء طويلة من النهر داخل وادي ديزوليشن، مستخدمة القوارب والطائرات المروحية.
عثروا على بقايا القارب المطاطي الممزق بعد أيام قليلة من الحادث. كما عثروا على بعض الحقائب الطافية
لكن لم يتم العثور على أي أثر للفتيات.
بعد أسابيع من البحث المكثف، بدأت السلطات تفترض أن التيار جرف الأجساد بعيدًا إلى أماكن يصعب الوصول إليها، أو ربما حبسها تحت الصخور في أعماق النهر.
ببطء بدأ الاهتمام الإعلامي يتلاشى.
تحولت القصة من حادثة عاجلة إلى مأساة قديمة.
ثم إلى ذكرى حزينة.
لكن في تلك الأثناء كانت بريسيلا ما تزال حية.
كان الجوع قد وصل إلى مرحلة لا يمكن تجاهلها. بدأت تشعر بضعف شديد في أطرافها، وأصبح الوقوف لفترة طويلة يسبب لها دوارًا حادًا. كانت تشرب الماء باستمرار في محاولة لتخفيف الألم، لكن الماء لا يمكنه أن يعوض الطعام.
وفي النهاية جاء اليوم الذي توقفت فيه عن مقاومة الفكرة.
لم يكن قرارًا سريعًا.
جلسَت لفترة طويلة في الظلام، تفكر في الأمر، وتحاول إقناع نفسها بأن هناك خيارًا آخر. كانت تتذكر صديقتها مارلين، وتستعيد لحظات الرحلة قبل الحادث، والضحكات التي تبادلنها في محطة الوقود صباح ذلك اليوم.
لكن الجوع لا يهتم بالذكريات.
الجوع قوة بدائية، تضغط على الإنسان ببطء حتى تكسر مقاومته.
وفي النهاية فعلت الشيء الوحيد الذي أبقاها على قيد الحياة.
لم يكن الأمر سهلًا.
ولم يكن سريعًا.
لكن بعد ذلك اليوم تغير كل شيء.
استطاعت بريسيلا أن تبقى حية.
الأيام تحولت إلى أسابيع.
والأسابيع تحولت إلى شهور.
لم تعد تفكر كثيرًا في الخروج من الكهف. بمرور الوقت أصبحت الحركة داخل الظلام أسهل قليلًا، لأن جسدها بدأ يحفظ شكل المكان تقريبًا. كانت تعرف أين توجد الحافة الصخرية، وأين يبدأ الطين العميق، وأين يمر التيار الأقوى للماء.
أحيانًا كانت تحاول استكشاف مناطق أبعد قليلًا، لكنها لم
كان الكهف فخًا مغلقًا.
لكن الشيء الغريب أن عقلها بدأ
متابعة القراءة