لمدة ثمانية عشر شهرًا كان العالم يعتقد أن ثلاثة أصدقاء لقوا حتفهم في نهر بري متوحش

لمحة نيوز

بدأ كل شيء يتغير ببطء.
الألوان أصبحت أكثر سطوعًا، وجدران الوادي بدت وكأنها تتحرك ببطء، كأن الصخور نفسها تتنفس. صوت الماء الذي كان هادئًا قبل قليل تحول تدريجيًا إلى هدير متواصل يتردد صداه داخل رؤوسهن.
والأخطر من ذلك أن إحساسهن بالزمن والمسافة بدأ يختفي.
لم تدرك أي منهن أن التيار كان يدفع القارب مباشرة نحو جزء من النهر يعرفه المتجدفون جيدًا بخطورته. كان ذلك الامتداد قريبًا من منطقة تسمى Cold Creek، حيث يضيق مجرى النهر وتنتشر الصخور الكبيرة المخفية تحت سطح الماء.
في الظروف الطبيعية كان من الممكن اجتياز تلك المنطقة بصعوبة، لكن مع تركيز كامل وتنسيق بين المجدفين.
أما في حالتهن تلك
فكان الأمر مختلفًا تمامًا.
بدأ القارب يدور قليلًا مع التيار. ضحكت بوني بصوت عالٍ وهي تحاول تعديل اتجاه المجداف، بينما كانت مارلين تجدّف في الاتجاه المعاكس تقريبًا دون أن تدرك ذلك. كانت بريسيلا تحاول السيطرة على القارب من الخلف، لكن التيار كان يزداد سرعة كل ثانية.
ثم ظهرت الصخرة.
كانت كتلة جرانيتية ضخمة تبرز من منتصف القناة، لكن رؤيتها في الوقت المناسب كان يتطلب تركيزًا كاملًا لم يكن متوفرًا في تلك اللحظة.
اصطدم القارب بها بعنف.
صوت التمزق كان حادًا وقصيرًا عندما انشقت مادة البولي يوريثان تحت الضغط.
انقلب القارب في لحظة.
وسقطت الفتيات الثلاث في الماء الجليدي.
لكن الخطر الحقيقي لم يكن السقوط في النهر.
كان ما يوجد تحت تلك الصخرة.
فأسفلها مباشرة كان هناك ما يعرف بين خبراء الأنهار باسم السيفون، وهو تجويف طبيعي يسحب الماء بقوة هائلة إلى نفق ضيق تحت الصخور.
في أقل من ثانية سحبت المياه الأجساد الثلاثة إلى الأسفل.
اختفى ضوء الشمس.
واختفى الهواء.
لم يعد هناك سوى الظلام
والماء البارد والضغط الذي يدفع الأجساد عبر ممر صخري ضيق.
ثم فجأة اندفع تيار قوي إلى الأعلى.
خرجت بريسيلا إلى السطح وهي تلهث بحثًا عن الهواء.
لكن عندما حاولت النظر حولها لم ترَ السماء.
لم يكن فوقها سوى سقف صخري مظلم.
كانت داخل كهف.
عندما استعادت بريسيلا غرانت أنفاسها أخيرًا، كانت أول فكرة مرت بعقلها أنها ما تزال تحلم. كان جسدها يرتجف بعنف من شدة البرودة، والماء المظلم يحيط بها من كل جانب، لكن أكثر ما أربكها هو الشيء الذي لم تره.
لم تكن هناك سماء.
رفعت رأسها أكثر، وحاولت أن تركز عينيها في الظلام، لكن ما كان فوقها لم يكن سوى سقف صخري منخفض تتدلى منه نتوءات حادة. لم يكن هناك ضوء شمس، ولا حتى خيط صغير من الضوء يتسلل إلى الداخل.
كانت داخل كهف.
استغرق الأمر بضع ثوانٍ حتى بدأ عقلها يستوعب ما حدث. تيار الماء الذي سحبهن تحت الصخرة لم يكن مجرد دوامة عادية، بل كان نفقًا مائيًا ضيقًا دفعهن عبر ممر تحت الأرض، لينتهي بهن في تجويف صخري مظلم تمامًا.
كان النهر ما يزال يتدفق من خلال الكهف، لكن بصوت أخف بكثير من هديره في الخارج. كانت المياه السوداء تتحرك ببطء حولها، وتضرب الجدران الحجرية بصوت مكتوم يتردد صداه في الفراغ.
تذكرت فجأة أنها لم تكن وحدها.
صرخت باسم صديقتيها وهي تحاول أن تدور في الماء، لكن الظلام كان كثيفًا إلى درجة أنها لم تستطع رؤية أي شيء على الإطلاق. بعد لحظات سمعت صوت ارتطام مجداف بشيء صخري، ثم جاءها صوت متقطع يلهث بحثًا عن الهواء.
كان ذلك صوت مارلين.
تحركت بريسيلا في اتجاه الصوت وهي تحاول السباحة في المياه الباردة. لم تكن تعرف إلى أين تذهب، لكنها كانت تمد يديها في الظلام حتى اصطدمت أخيرًا بشيء صلب. كان نتوءًا صخريًا يخرج قليلًا من
الجدار، بالكاد يكفي لشخصين أو ثلاثة للتشبث به.
بعد لحظات استطاعت مارلين أن تصل هي الأخرى إلى الحافة نفسها، وكانت أنفاسها متقطعة وهي تحاول الصعود فوق الصخرة الصغيرة.
جلستا معًا في الظلام، تتشبثان بالحافة الصخرية بينما الماء البارد يلامس أقدامهما.
ثم تذكرتا بوني.
صرخت مارلين باسمها أولًا، وكان صوتها يرتد عبر الكهف مثل صدى بعيد.
بعدها بدأت بريسيلا تنادي هي الأخرى.
نادتا اسمها مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم عشر مرات.
في البداية لم يكن هناك رد.
لكن بعد لحظة قصيرة سمع الاثنان صوتًا خافتًا يأتي من الماء. كان صوت ارتطام ضعيف، كأن شخصًا ما يضرب سطح الماء بيديه في محاولة يائسة للبقاء طافيًا.
صرخت بريسيلا مرة أخرى، وهي تحاول النزول إلى الماء للبحث عنها، لكن مارلين أمسكت بذراعها بسرعة.
لم يكن من الممكن رؤية أي شيء.
الماء كان مظلمًا بالكامل، والكهف لا يحتوي على أي مصدر ضوء. حتى لو نزلت للبحث عنها فلن تجد طريقها، وربما تُسحب هي الأخرى بعيدًا.
استمر الصوت لبضع ثوانٍ أخرى.
ثم توقف.
عاد الصمت إلى الكهف مرة أخرى.
جلست الفتاتان في الظلام، تتشبثان بالصخرة، وتحاولان استيعاب ما حدث. لم تعرفا كم من الوقت مر بعد ذلك. ربما كانت دقائق، وربما ساعة كاملة. في غياب الضوء كان من المستحيل تقريبًا إدراك الزمن.
في النهاية كانت الحقيقة واضحة.
بوني جونز لم تخرج من الماء.
كانت أول من مات في ذلك الكهف.
لكن الرعب الحقيقي لم يبدأ إلا بعد ذلك.
مع مرور الوقت بدأت برودة الماء تتسلل إلى أجسادهما المبللة. كان الهواء داخل الكهف باردًا ورطبًا، وكل ملابسهما كانت مشبعة بالماء. حاولت بريسيلا أن تتحسس جيوبها بحثًا عن أي شيء مفيد، لكنها لم تجد سوى سكين صغيرة كانت تستخدمها في الرحلات.
لم يكن
هناك طعام.
لم يكن هناك ضوء.
لم يكن هناك أي وسيلة لمعرفة أين يقع المخرج.
بعد فترة قالت مارلين بصوت متعب إن عليهما محاولة استكشاف المكان. لم تكن مستعدة لتقبل فكرة أن الكهف مغلق بالكامل. كان من الممكن أن يكون هناك ممر آخر يقود إلى الخارج، أو ربما فتحة صغيرة تسمح بدخول الضوء.
في البداية رفضت بريسيلا الفكرة. مجرد الابتعاد عن الحافة الصخرية كان يبدو خطرًا للغاية، لأن الأرضية مغطاة بطبقة لزجة من الطين والصخور غير المستقرة. لكن بعد فترة قصيرة أدركت أن البقاء في مكانهما لن يغير شيئًا.
إذا لم يجدا طريقًا للخروج، فسيموتان هنا ببطء.
تحركت مارلين أولًا. كانت تضع يديها على الجدار الصخري وتتحرك ببطء شديد، خطوة صغيرة تلو الأخرى. كانت بريسيلا تسمع صوت احتكاك قدميها بالطين بينما تبتعد تدريجيًا في الظلام.
مرت دقائق طويلة وهي تتحسس الجدران، تبحث عن أي شق أو نفق.
لكن الكهف بدا وكأنه فخ مغلق.
ثم حدث كل شيء في لحظة واحدة.
سمعت بريسيلا صرخة قصيرة وحادة قطعت الصمت فجأة، تلتها ضربة قوية على الصخور. ارتد الصوت في أنحاء الكهف كأنه انفجار صغير.
صرخت بريسيلا باسم صديقتها وهي تحاول الوصول إليها، لكنها كانت تتحرك ببطء شديد حتى لا تسقط هي الأخرى.
عندما وصلت أخيرًا وجدت مارلين ملقاة على الأرض الطينية.
كانت تتنفس بصعوبة، وكانت ساقها اليمنى ملتوية بزاوية غير طبيعية تمامًا.
حتى في الظلام كان من الواضح أن العظم قد انكسر.
لم تكن مجرد كسور بسيطة.
كانت ساقها محطمة.
ساعدتها بريسيلا على العودة ببطء إلى الحافة الصخرية التي بدأتا منها، لكن كل حركة كانت تجعل مارلين تصرخ من الألم. عندما جلستا أخيرًا على الصخرة، كان جسدها يرتجف بعنف وهي تحاول كتم أنفاسها.
في تلك اللحظة أدركت
بريسيلا شيئًا مرعبًا.
حتى لو وجدتا طريقًا للخروج، فلن تستطيع مارلين السير.
مرت
تم نسخ الرابط