اختفى أب وابنته خلال رحلة جبلية هادئة، وبعد سبعة عشر شهرًا، تم العثور على أشياء تخصهما

لمحة نيوز

صغير صدئ، جزء من صندل نيا.
ارتجف صوت جيليان عبر اللاسلكي، تسأل إن كان هذا يخص ابنتها، لكن الإجابة ظلت معلقة بين الأمل والخوف.
تابع الفريق التقدم، حتى لمحوا قطعة قماش عالقة بين الأغصان، بيجامة نيا، ما زالت محتفظة ببقايا لونها رغم الزمن.
انهارت جيليان، احتضنت القماش، تبكي بصمت، بينما أدرك ليال أن نيا نجت لفترة بعد وفاة والدها، لكنها واصلت السير وحدها.
انقسم الوادي إلى طريقين، أحدهما يغوص أعمق في البرية، والآخر يقود نحو طرق قديمة مهجورة، وكل اختيار قد يحمل النهاية.
توقف الفريق، مترددين، بينما الكلب يدور في حيرة، وأجهزة التتبع تشير إلى نشاط قديم في اتجاه غير واضح.
مع حلول المساء، عادوا إلى القاعدة، الأدلة موضوعة أمامهم، حذاء، مشبك، قطعة قماش لكنها لم تكن كافية لإغلاق القصة.
بل كانت مجرد بداية لشيء أكبر شيء لم يكشف عن نفسه بعد.
وصل خبراء الطب الشرعي على عجل من سياتل، يحملون معداتهم الثقيلة ووجوههم الجامدة، بينما كان التوتر يملأ المكان، وكأنهم يدركون أن ما سيكشفونه لن يكون عادياً على الإطلاق.
فني المختبر ريس هارون، ذو النظرة الثاقبة والملامح الصارمة التي لا تعرف المزاح، وقف تحت المصابيح القوية يحدق بدقة، كأنه يحاول انتزاع الحقيقة من خيوط الصمت.
أشار إلى المنسوجات قائلاً إن آثار التلف الواضحة ناتجة عن الماء، وتتوافق تماماً مع حالة غمر طويلة، ثم أضاف بهدوء أن التجفيف تم لاحقاً في مكان مرتفع وجاف.
تطابقت الميكروبات العالقة داخل الألياف مع تلك الموجودة في قيعان نهر كاسكيد كريك بعد الفيضانات، ما أكد أن القطع قضت وقتاً طويلاً في الماء قبل أن تُنقل.
لم تكن هناك آثار مضغ حيواني، ولا تمزقات تشير لهجوم، بل بدت القطع وكأنها محفوظة بشكل
متعمد، وربما حُميت بعناية من أي تدخل خارجي أو عبث طبيعي.

تداخلت الأفكار داخل العقول؛ تورين مصاب، ونيا تُعلّق الملابس كعلامات استرشادية قبل أن تنهار، محاولة ترك أثر يدل على طريقها وسط الغموض والخوف المتزايد.
ثم، بعد أشهر، اجتاح الفيضان المنطقة بعنف، جارفاً كل ما تبقى إلى أسفل النهر، ومعه الأدلة الهشة التي كانت ربما ستروي القصة كاملة دون هذا التشويه.
ورغم ذلك، ظل السؤال الأثقل كيف تمكنت طفلة صغيرة من البقاء سبعة عشر شهراً، تواجه الجوع والبرد والدببة والعزلة، دون أن تنهار أو تختفي كلياً؟
كانت جيليان تحلق بخيالها خلف الأثر، تتشبث بصورة ابنتها، تلك التي كانت قوية كوالدها، وقد تعلمت كيف تتبع الماء وتعثر على التوت لتبقى على قيد الحياة.
أومأ ريس بصمت وهو يسحب عينة من التربة، موضحاً أن الطين يعود لأعلى النهر قرب التلال، لكن حبوب اللقاح تشير إلى إزهار الألدر في أوائل ربيع 2005.
هذا يعني أنها تحركت بعد الشتاء، وأنها لم تستسلم، بل واصلت السير شرقاً، تنجو من الفيضان وتعيد رسم طريقها وسط بيئة قاسية لا ترحم.
حلل فريق هارلاند تآكل الإبزيم باستخدام النظائر، فظهرت بصمة مائية تشير إلى نبع قريب من طرق قديمة كان يستخدمها عمال قطع الأشجار قديماً.
قال ريس بهدوء ثقيل إن الأمر لم يعد برياً تماماً، فهناك آثار معدن وزيت، ولمسة بشرية واضحة، ما جعل نبض لي يتسارع مع إدراك خطورة الاحتمال.
ربما كانوا صيادين غير شرعيين، أو مستوطنين مختبئين، أو حتى نساك يعيشون خارج النظام، يكافحون للبقاء على الفطر والحشيش قبل حملات التطهير التي أنهت وجودهم.
اشتدت نظرات جيليان، فقد بدا واضحاً أن أحدهم ساعد نيا أو نقلها، خاصة مع انتشار همسات قديمة عن فتاة متوحشة تم تجاهل رؤيتها
عام 2005.

أبلغ ليال المتطوعين عبر اللاسلكي بإعادة توجيه البحث نحو الطرق القديمة والقرى المهجورة، حيث قد تكمن الحقيقة التي تم تجاهلها لسنوات طويلة.
حلّ الليل ببطء، وتلألأت النجوم في السماء كأنها اتهامات صامتة، بينما جلست جيليان تخيط رقعة وحيد القرن على وشاحها، كأنها تتمسك بالأمل الأخير.
همست بصوت مكسور لكنها واثقة أن ابنتها ما زالت هناك، وأنها تشعر بوجودها، رغم كل ما يشير إلى العكس، ورغم ثقل الوقت والمسافة والخوف.
مع الفجر، التقط جهاز المسح إشارة طقطقة، تبعها نداء من صياد في الفرع الشرقي، يبلغ عن شجرة منحوتة تحمل الأحرف NC مع سهم يشير لمسار خافت.
وقف الفريق أمام الشجرة التي بدت كحارس صامت، وقد شُق لحاؤها بعنف، بينما امتد السهم شرقاً كإصبع عظمي يقود نحو طرق قطع الأشجار القديمة.
مرر ليال غرايسون أصابعه على الأخاديد، ولاحظ أن الخشب ما زال حديثاً نسبياً، ما يشير إلى أنه نُحت في الربيع، ربما في مارس مع ذوبان الثلوج.
اقتربت جيليان ببطء، وانحبس أنفاسها وهي تتعرف على ميل الحروف، نفس الارتباك الطفولي الذي كانت نيا تكتبه به في رسوماتها الأولى.
همست بصوت أجش، بالكاد يُسمع، أن ابنتها هي من رسمت هذا الطريق، مؤكدة بارتعاش أن ذكاءها هو ما أبقاها حية طوال هذه المدة القاسية.
تحرك الفريق بسرعة حول الموقع، الكاميرات تومض، والقوالب الجصية تُثبت الآثار، بينما انطلق كلب ماركوس على المسار، ينبح بقوة وسط الغابة الكثيفة.
أبلغ ليال الموقع عبر اللاسلكي، مؤكدًا العثور على العلامة، وأمر الجميع بالتوجه شرقًا عبر الطرق القديمة، حيث بدأت الخيوط أخيرًا تتجمع بعد انتظار طويل ومرهق.
اندفع المتطوعون بسياراتهم عبر مسارات مهجورة منذ التسعينيات، طرق ضيقة ومهملة، بالكاد
تُرى تحت الأعشاب، وكأن الزمن نفسه تخلى عنها وتركها تندثر بصمت.

امتدت الجبال شرقًا في موجات من أشجار الفراء والألدر، كثيفة ومتشابكة، بينما واصلت جيليان السير بنفس الوتيرة، ورقعة وحيد القرن على كمها ترفرف كعلامة تحدٍ لا تنكسر.
بعد ميلين، تحوّل المسار إلى طريق مهجور مغطى بالأعشاب الكثيفة، وأصبح صوت خطواتهم خافتًا للغاية، يكاد يختفي، كأن الأرض تحاول ابتلاع أي أثر لمرورهم.
توقفوا لحظة ربما كان الصوت لغزال، أو لمخلوق أصغر وأخف وزنًا، يتحرك بحذر شديد، يراقب من بعيد دون أن يجرؤ على الاقتراب أو كشف نفسه.
ثم تغيّر الهواء فجأة، حاملاً رائحة دخان خشب حديث، حادة وواضحة، تختلط برائحة السرخس الرطب، وكأن هناك حياة قريبة مختبئة، تراقبهم في صمت.
توقفت كيرا جيبونز فجأة، ورفعت رأسها، تنصت بتركيز شديد، وكأن حواسها التقطت شيئًا لم يصل بعد إلى الآخرين، شيئًا خافتًا لكنه غير طبيعي.
همست بتوتر هل تسمعون ذلك؟ حفيف ليس ريحًا، بل احتكاك قماش بغصن، صوت ناعم ومتكرر، يحمل إيقاعًا بشريًا لا تخطئه الأذن.
وصلوا إلى مرتفع منخفض، تتحرك عليه أقدامهم فوق غبار الإبر الصامت، ثم تجمدوا جميعًا في أماكنهم، وكأن المشهد أمامهم سلب القدرة على الحركة.
هناك، داخل فسحة مضاءة بالشمس ومحاطة بجذوع أشجار كالحراس، وقف كوخ بدائي من أعمدة مربوطة وصفائح معدنية، مترهلًا فوق جذع كأنه فخ منسي.
تصاعد دخان بطيء من حفرة نار تحيط بها حلقة حجرية، حيث يغلي قدر فوق الجمر، بينما كانت دجاجات تنقر الأرض داخل قفص سلكي، تكسر الصمت بأصواتها.
تحركت يد ليال نحو سلاحه الجانبي بحذر، وأشار للجميع بالصمت، ثم همس بصوت منخفض يحمل يقينًا ثقيلًا هذا المكان لم يُهجر، هناك من يعيش هنا.
انفتح الباب ببطء، لوح
خشب رقائقي يصرّ مع الحركة، وظهرت امرأة في منتصف الأربعينيات، نحيلة كالجذور، وشعرها الرمادي مشدود تحت منديل مهترئ.

رفعت فأسًا دون تردد،
تم نسخ الرابط