ركب أبٌ وابنه طائرةً في ليلة عيد الميلاد… وعندما هبطت، كان مقعداهما فارغين.

لمحة نيوز

غير رسمية من أحد العمال، ذكر فيها أن توماس كان يقضي وقتًا أطول من المطلوب في بعض المناطق، ويُجري تعديلات لم تكن مدرجة ضمن خطة العمل، وهو ما تم تفسيره حينها على أنه اجتهاد زائد، لكنه بعد اكتشاف الجدار، لم يعد يبدو كذلك.
في نفس الوقت، كانت نتائج الطب الشرعي تكتمل تدريجيًا، حيث أكدت التحاليل وجود آثار لمادة مهدئة قوية في بقايا الأنسجة، وهي مادة كانت تُستخدم في تلك الفترة داخل بعض العيادات البيطرية، ويمكن الحصول عليها بشكل غير قانوني إذا توفرت المعرفة الكافية، وهو ما دعم فرضية أن الضحيتين لم يُقتلا بعنف مباشر، بل تم تخديرهما أولًا، ثم تركهما داخل المساحة المغلقة حتى الوفاة.
بدأت الصورة تتجمع ببطء، لكنها هذه المرة لم تكن مجرد تخمينات، بل تسلسل منطقي يمكن تتبعه خطوة بخطوة، وهو ما دفع سارة إلى إعادة بناء يوم الحادث بالكامل، معتمدًة على كل ما تم جمعه من أدلة.
قبل يومين من الرحلة، تلقى ريتشارد مكالمة من رقم غير مسجل، لم يتم تتبعه وقتها، لكن بعد إعادة فتح القضية، أمكن تحديد موقع شراء الشريحة المستخدمة، والتي
كانت من متجر صغير يقع ضمن نطاق جغرافي قريب من آخر عنوان معروف لتوماس فيرن، وهو ما جعل احتمال أن يكون هو المتصل أمرًا شبه مؤكد.
محتوى المكالمة لم يُسجل، لكن من خلال شهادة كلير، كان واضحًا أن المتصل أشار إلى شيء يتعلق بالمطار، وهو ما يفسر استجابة ريتشارد، بحكم عمله كمهندس متخصص في هذا المجال، ومن الطبيعي أن يثير هذا فضوله، خاصة إذا كان المتحدث شخصًا يدّعي معرفة سابقة به.
في يوم الرحلة، لم يكن اللقاء عشوائيًا، بل تم ترتيبه مسبقًا عند البوابة B7، حيث اختار توماس توقيتًا مثاليًا، زحام شديد، حركة مستمرة، وبيئة تسمح لأي شخص بالتحرك دون أن يلفت الانتباه، وعندما التقى بريتشارد، لم يكن بحاجة إلى استخدام القوة، بل اكتفى بإقناعه بالتحرك لبضع دقائق إلى الممر الجانبي لمراجعة أمر عاجل، وهو ما قبله ريتشارد دون شك، خصوصًا أن المكان كان مألوفًا بالنسبة له.
دخلا الممر.
ومن تلك اللحظة، تغير كل شيء.
تشير الأدلة إلى أن توماس كان قد جهز المكان مسبقًا، حيث استغل معرفته القديمة بالبناء لإنشاء فراغ خلف الجدار، مساحة كافية لإخفاء
شخصين، مع إمكانية إغلاقها بسرعة بعد الانتهاء، دون أن تترك أي أثر ظاهر، وهو ما يفسر دقة التنفيذ.
بمجرد دخولهم إلى المنطقة الخلفية، استخدم مادة مهدئة، ربما عبر مشروب أو حقنة، وهو ما يفسر عدم وجود آثار مقاومة، ثم نقلهم إلى داخل الفراغ، حيث وُضعا في وضعية جلوس، وأُغلقت المساحة عليهما بالكامل.
لم تكن هناك نية لإبقائهما على قيد الحياة.
بل كان الهدف الإخفاء التام.
بعد ذلك، عاد توماس إلى عمله بشكل طبيعي، وأكمل إغلاق الجدار باستخدام نفس المواد والتقنيات المستخدمة في بقية المبنى، وهو ما جعله يمر دون أن يُلاحظ، خاصة أن تلك المنطقة كانت ضمن أعمال متفرقة لم يتم توثيق كل تفاصيلها بدقة في ذلك الوقت.
أما لماذا اختار ريتشارد تحديدًا، فالإجابة ظهرت في مرحلة لاحقة من التحقيق، عندما تم العثور على ارتباط مباشر بين الاثنين، حيث كان ريتشارد هو أحد المهندسين الذين وقعوا على قرار إنهاء التعاقد مع توماس قبل سنوات، وهو ما يشير إلى دافع شخصي واضح، يجمع بين الانتقام والقدرة على التنفيذ.
لم يكن أوين هدفًا بحد ذاته.
لكنه كان شاهدًا.

ولهذا لم يُترك.
استمر البحث عن توماس فيرن بعد إعادة فتح القضية، وتم تتبع آخر عنوان معروف له، وهو عقار ريفي معزول، وعند مداهمة المكان، تم العثور على دلائل إضافية، أدوات قديمة، بقايا أخشاب، ومخططات غير مكتملة، لكنها لم تكن كافية لإثبات تورطه في جرائم أخرى، ولم يتم العثور عليه في الموقع.
لكن الإجابة جاءت لاحقًا، من خلال سجلات طبية قديمة، حيث تبيّن أن توماس توفي قبل ما يقارب عشر سنوات، نتيجة مرض مزمن، ودُفن في مقبرة محلية باسم مسجل رسميًا، دون أن يُربط اسمه بأي قضية جنائية في ذلك الوقت.
وبذلك، انتهى المسار الجنائي.
القاتل معروف.
الدافع واضح.
طريقة التنفيذ مفهومة.
ولا يوجد مشتبه بهم آخرون.
أُغلقت القضية رسميًا، بعد ستة وعشرين عامًا من اختفاء بدأ بلحظة عابرة عند بوابة مزدحمة، وانتهى بجدار صامت أخفى الحقيقة طوال تلك السنوات.
لم يكن هناك لغز خارق.
ولا اختفاء مستحيل.
بل جريمة نُفذت بدقة، في مكان اعتاد الجميع أن يمروا به دون أن ينظروا.
مكان كان يفترض أن يكون الأكثر أمانًا.
لكنه كان، في تلك اللحظة، كافيًا لإخفاء
شخصين دون أن يلاحظ أحد.

تم نسخ الرابط