قاموا بهدم جدار منزل — حتى اكتشفوا غرفة سرية كشفت عن اختفاء عام 1978
المحتويات
خاصة بعد عدم وصولها، فيتصلون مجددًا حوالي الساعة الحادية عشرة صباحًا.
يبدو ريتشارد قلقًا، ويخبرهم أنه سيخرج للبحث عنها بنفسه، محاولة لطمأنتهم أو ربما لطمأنة نفسه.
تمر الساعات دون أي خبر.
وفي السادسة مساءً، وبعد غياب أي اتصال أو عودة، يبلغ ريتشارد شرطة بورتلاند عن اختفاء ابنته رسميًا.
يدوّن الضباط التفاصيل العمر 24 عامًا، الطول حوالي 5 أقدام و بوصات، الوزن 125 رطلاً، شعر بني بطول الكتفين، وعينان بنيتان.
يقدم صورة حديثة، تظهرها مبتسمة، ترتدي فستانًا أزرق، وشعرها مربوط للخلف، مظهر هادئ لا يحمل أي إشارة لقلق أو اضطراب.
يؤكد أنها غادرت المنزل كالمعتاد، متجهة إلى عملها، ترتدي بنطالًا بنيًا فاتحًا وبلوزة بيضاء، وتحمل حقيبتها ومفاتيح سيارتها.
لا شيء غير طبيعي في سلوكها، فقط هدوء خفيف، دون أي علامة على خوف أو توتر أو نية للهرب.
وعند سؤاله عن أي مشكلات محتملة، ينفي تمامًا، لا خلافات، لا ضغوط، لا أسباب قد تدفعها للاختفاء.
يصفها بأنها سعيدة، تحب عملها، وقريبة منه، ولا يوجد ما يدعوها لترك كل شيء خلفها بهذه الطريقة.
يتحرك التحقيق بسرعة.
تُعثر الشرطة على سيارتها متوقفة في شارع سكني، على بعد ثلاثة مبانٍ فقط من المنزل، في موقع يثير التساؤلات منذ اللحظة الأولى.
السيارة مغلقة، لكن المفاتيح في مكان التشغيل، وحقيبتها على المقعد المجاور، وبداخلها محفظتها بكل محتوياتها.
رخصة القيادة، بطاقات الائتمان، و دولارًا نقدًا كل شيء في مكانه، دون أي علامة على سرقة أو فوضى.
الموقع لا يتماشى مع طريقها المعتاد إلى العمل، وكأنها لم تكن في طريقها الطبيعي منذ البداية.
تحركت لبضعة شوارع فقط ثم ماذا؟
هل أُجبرت على التوقف؟
هل خرجت بإرادتها؟
هل صعدت إلى سيارة أخرى؟
لا آثار مقاومة.
لا دليل على عنف.
فقط اختفاء كامل، بلا تفسير.
استجوب المحققون جيران الشارع الذي عُثر فيه على السيارة، لكن الإجابات جاءت باردة ومتشابهة، إذ لم يلحظ أحد أي حركة مريبة أو حدث استثنائي في ذلك اليوم.
لم يتذكر أي شاهد رؤية سيارة بينتو وهي تصل، ولا حتى خروج كاثرين منها، وكأن اللحظة التي اختفت فيها لم تكن مرئية لأي شخص.
بدت السيارة وكأنها ظهرت فجأة صباح الأربعاء، مركونة بهدوء دون لفت الانتباه، حتى وصلت الشرطة وبدأت الأسئلة التي أيقظت الشكوك في المكان.
ومع هذا الغموض، توسعت التحقيقات بسرعة، وانتقل المحققون لاستجواب زملاء كاثرين في العمل، وأصدقائها، وكل من تقاطع معها في حياتها خلال الفترة الأخيرة.
ومن بين كل الأسماء، برز اسم واحد فقط ديفيد، الشاب الذي ذكرته كاثرين لزميلتها ليندا
لكن ليندا لم تعرف عنه شيئًا يُذكر، فلا اسم عائلة، ولا مكان عمل، ولا حتى فكرة عن المكان الذي قد يعيش فيه أو يتردد عليه.
كانت العلاقة بين كاثرين وديفيد محاطة بالكتمان، إذ حرصت على إخفائها، خوفًا من رد فعل والدها إذا علم بوجود هذا الشخص في حياتها.
حاولت الشرطة تتبع هذا الخيط، فسألت كل من يعرف كاثرين عن ديفيد، لكن لم يسمع أحد من قبل أنها تحدثت عن شخص بهذا الاسم.
وهكذا، انتهى هذا المسار كما بدأ غامضًا ومقطوعًا، دون أن يقود إلى أي دليل حقيقي يمكن البناء عليه في مسار التحقيق.
بالتوازي، أطلقت فرق البحث عمليات واسعة في المناطق المحيطة بمكان العثور على السيارة، وكذلك في محيط منزل عائلة هارتويل بحثًا عن أي أثر.
تم تمشيط الحدائق العامة والمناطق المشجرة بدقة، كما شملت عمليات التفتيش المستشفيات، والمقابر، ومحطات الحافلات، وكل مكان قد تكون كاثرين وصلت إليه.
لكن رغم هذا الانتشار الواسع، لم يظهر أي دليل يُذكر، وكأن كاثرين اختفت تمامًا دون أن تترك خلفها أي إشارة يمكن تتبعها.
خلال ذلك، خضع ريتشارد هارتويل لعدة مقابلات، وكان متعاونًا بشكل كامل، حيث سمح بتفتيش المنزل وقدم كل ما طلبه المحققون دون تردد.
بدا عليه الحزن بوضوح، إذ كان يعيش صدمة اختفاء ابنته، وكان يتواصل يوميًا مع الشرطة لمعرفة أي جديد، عارضًا مكافأة مقابل أي معلومة.
ورغم تعاونه، نظر إليه المحققون كمشتبه محتمل، فالعائلة دائمًا تكون ضمن دائرة الشك في قضايا الاختفاء، لكن لم يظهر أي دليل يدينه.
أكد زملاؤه أنه كان في عمله طوال يوم الأربعاء، حتى تلقى الاتصال بشأن كاثرين، مما جعله خارج دائرة الشك من حيث الوقت والفرصة.
ومع تصاعد الاهتمام، حظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة في بورتلاند، حيث عُرضت صورة كاثرين في الأخبار ونُشرت قصتها في الصحف المحلية.
وردت بعض البلاغات من الجمهور، لكن أغلبها كان مجرد ظنون، إذ لم يتمكن أي منها من تقديم خيط حقيقي يقود إلى مكانها.
ادعى أحدهم رؤيتها في محطة حافلات، بينما قال آخر إنه شاهدها تركب سيارة مع رجل، لكن التحقيقات لم تؤكد صحة أي من هذه الروايات.
ومع مرور الوقت وتحول الأسابيع إلى شهور، بدأ زخم التحقيق يتراجع تدريجيًا، دون أن يتم إغلاق القضية التي ظلت مفتوحة رسميًا بلا تقدم يُذكر.
وبغياب أي أدلة جديدة، أصبحت الخيارات محدودة أمام الشرطة، لتبقى الحقيقة المؤلمة أن بعض الأشخاص يختفون أحيانًا دون أن يُترك خلفهم أي أثر.
استمر ريتشارد في العيش وحيدًا في منزل العائلة، محاطًا بذكريات زوجته الراحلة وابنته المفقودة، في حياة أصبحت أكثر
نظر إليه الجيران بعين الشفقة، فقد خسر زوجته بسبب المرض، ثم فقد ابنته في ظروف غامضة، ليبدو كرجل تحطمت حياته بالكامل.
لكن ما لم يعرفه أحد، أن غرفة كاثرين في الطابق الثاني أُغلقت تمامًا، وأُخفيت متعلقاتها خلف جدار طوب بُني بعد اختفائها بفترة قصيرة.
عاش ريتشارد أربعة عشر عامًا بعد الحادثة، وواصل عمله كمحاسب، محافظًا على المنزل، لكنه عاش في عزلة هادئة بعيدة عن أي علاقات قريبة.
وصفه الجيران بأنه رجل منطوٍ ومثقل بالحزن، نادر الزيارة، يكتفي بالروتين اليومي بين العمل والمنزل دون أن يسمح لأحد بالاقتراب منه.
بمرور السنوات، بدأ المنزل يظهر عليه إهمال خفيف، ليس خرابًا واضحًا، بل علامات تشير إلى أن ساكنه فقد الشغف بكل ما يتجاوز الضروريات.
وفي السابع من مارس عام 1992، توفي ريتشارد إثر نوبة قلبية، بعد أن عُثر عليه في غرفة نومه حين جاء زميله للاطمئنان عليه.
كان عمره ثمانية وستين عامًا، وقد رحل وحيدًا داخل المنزل الذي كان يومًا يعج بالحياة، قبل أن يتحول إلى مكان يحتفظ فقط بالذكريات.
استمر التحقيق الجنائي داخل الغرفة المغلقة وباقي أرجاء المنزل لمدة أسبوع كامل، بين أواخر أبريل وبدايات مايو 2024، في محاولة لفك لغز ظل صامتًا لعقود طويلة.
وما كشفته تلك الأيام القليلة، كان كفيلًا بإعادة تشكيل الصورة بالكامل، وتغيير الفهم السائد لما حدث لكاثرين هارتويل في صيف عام 1978.
كانت الغرفة نفسها مشهدًا مربكًا مزيجًا غريبًا بين الحفظ والتآكل، كأن الزمن توقف بداخلها، ثم عاد ليمر ببطء قاسٍ فوق كل شيء.
كل شيء ظل في مكانه كما كان يومًا؛ الأثاث، الأغراض الشخصية، التفاصيل الصغيرة التي تؤكد أن هذه المساحة كانت يومًا تخص شابة تعيش حياتها.
لكن فوق هذا الثبات، تراكمت آثار السنوات؛ طبقات من الغبار، وتآكل صامت صنعته العزلة الطويلة والهواء المحبوس داخل جدران مغلقة.
غطاء السرير الذي كان يومًا زاهي الألوان، بدا الآن باهتًا ومطفأ، وقد فقد حيويته تحت وطأة الزمن والتعرض المتقطع لأشعة الشمس.
في بعض الزوايا، أصبح النسيج هشًا، متآكلًا بفعل الضوء الذي تسلل عبر شقوق صغيرة، ظل لسنوات ينهش في تفاصيله دون أن يلاحظه أحد.
أما الملابس داخل الخزانة، فلم تسلم هي الأخرى، إذ ترك العث بصماته الواضحة، ثقوب متناثرة تشهد على سنوات من الإهمال الصامت.
الكتب على الرف الصغير تشوهت هيئتها، وانحنت صفحاتها واصفرت، لكنها احتفظت بشيء من ملامحها، كأنها تقاوم الاختفاء الكامل.
ورغم كل هذا التآكل، بقيت بعض الأشياء صامدة؛ الصور لا تزال واضحة، والوثائق قابلة للقراءة، وكأنها ترفض أن
حتى رخصة قيادة كاثرين، المحفوظة داخل محفظتها، احتفظت بوضوح ملامحها، صورة لفتاة خرجت يومًا ولم يُرَ لها أثر بعدها.
لم تعثر فرق الطب الشرعي على أي آثار دماء أو دلائل عنف داخل الغرفة، وهو أمر لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى طبيعة القضية.
فكل المؤشرات كانت تقول إن ما حدث لكاثرين، إن حدث، لم يقع داخل تلك الغرفة، بل في مكان آخر لم يُكشف بعد.
لكن الاكتشاف الأهم لم يكن في محتويات الغرفة، بل في الجدار نفسه في الطريقة التي بُني بها ليُخفي كل شيء خلفه.
من خلال تحليل المواد وتقنيات البناء، تمكن الخبراء من رسم جدول زمني دقيق تقريبًا لوقت إنشاء ذلك الجدار.
الملاط المستخدم كان متوافقًا مع المواد الشائعة في أواخر السبعينيات، تحديدًا الفترة التي اختفت فيها كاثرين دون أثر.
أما الجدار الجصي الذي أخفى البناء من جهة الممر، فكان من نوع تم تصنيعه بين عامي 1977 و، مما ضيّق الإطار الزمني أكثر.
وقدّر الخبراء أن بناء هذا الجدار لم يكن عملًا سريعًا، بل احتاج عدة أيام، وربما أسبوعًا كاملًا لشخص يعمل بمفرده دون مساعدة.
كما أشاروا إلى أن التنفيذ كان متقنًا، يدل على خبرة ومعرفة حقيقية بأساسيات البناء، وليس مجرد محاولة عشوائية أو عمل مرتجل.
ورغم أن ريتشارد هارتويل لم يكن يعمل في هذا المجال، إلا أن التحقيقات كشفت أنه امتلك خبرة سابقة في البناء خلال شبابه.
فقد عمل في مواقع بناء خلال العطلات الصيفية أثناء دراسته، ما منحه المهارات الكافية لتنفيذ عمل كهذا دون الحاجة إلى مساعدة خارجية.
وفي الأشهر التي تلت اختفاء كاثرين، كان يعيش وحده تقريبًا، مما وفر له الوقت والخصوصية لإنجاز هذا العمل دون إثارة الشكوك.
كما أن غياب أي تصاريح رسمية للبناء لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا واضحًا على نية متعمدة لإبقاء الأمر خارج السجلات.
كل شيء كان يشير إلى هدف واحد أن تظل تلك الغرفة سرًا، مخفية بعناية خلف جدار يبدو عاديًا تمامًا لمن يمر بجانبه دون انتباه.
السؤال الذي أربك المحققين لم يكن كيف اختفت كاثرين بل لماذا تصرّف ريتشارد بهذه الطريقة، وكأن الغرفة لم تكن مجرد مكان، بل شيء لا يمكنه التخلي عنه أبدًا.
إذا كان قد قتلها، سواء عن قصد أو عن طريق الخطأ، وتخلّص من جثتها بعيدًا فلماذا يُغلق غرفتها بإحكام، ويترك كل شيء بداخلها كما هو دون تغيير؟
لماذا لم يمحُ آثارها؟
لماذا لم يُفرغ المكان من ذكرياتها؟
بل على العكس احتفظ بكل تفصيلة، كأن الزمن توقف عند آخر يوم كانت فيه هناك.
التحليل النفسي رسم صورة مختلفة تمامًا؛ رجل لم يستطع تجاوز فقدان ابنته، حتى لو كان هو السبب في اختفائها،
رجل تمسّك بالمكان بدلًا منها
حافظ على غرفتها كما هي، ربما ليبقي جزءًا منها حيًا، أو ليخفف وطأة ذنب لم يستطع الهروب منه.
لم تكن الغرفة وسيلة لإخفاء جريمة،
فلم يُعثر بداخلها على جثمان، ولا على دليل مادي مباشر يشير إلى ما
متابعة القراءة