تركَني زوجي، وانتقل ليعيش مع زوجته الثانية… فأخذتُ والدته المريضة إلى شقته الجديدة
المحتويات
حدّثها عن زواج فاشل، وعن امرأة صعبة، وعن أمّ متعبة قليلًا. هذا هو الأسلوب المعتاد الرجال الجبناء لا يعترفون بخيانتهم صراحة، بل يتركون روايات ناقصة حتى لا يظهروا في أسوأ صورة.
في تلك اللحظة، كانت الحاجة أم حسن تنظر إليه دون أن تدرك ما يدور، وابتسمت له بصدقٍ مؤلم، حتى إن قلبي انقبض رغم كل شيء.
قالت بصوتٍ مرتعش حسن يا بني.
ابتلع ريقه بصعوبة.
نظرت إليه زوجته الثانية، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تقول لم تخبرني أن والدتك بهذه الحالة.
مرّر يده في شعره بتوتر، وقال متلعثمًا أنا لم أكن أظن
قاطعته بهدوء حاد أنت لا تفكر أصلًا كعادتك.
تقدّمتُ قليلًا بالكرسي المتحرك، حتى تركتُ الحاجة أم حسن في منتصف الردهة. كانت الشقة صغيرة وحديثة، مزينة ببرودة الأماكن التي لم يسكنها أصحابها بما يكفي ليتركوا فيها أثرًا. غرفة بسيطة، ومطبخ مفتوح، تفوح منه رائحة عطور فاخرة وطعام مُعدّ بعناية. لم يكن هناك مكان لسريرٍ طبي، ولا قضبان دعم، ولا حفاضات، ولا أدوية، ولا ذلك الصبر الطويل الذي يحتاجه جسدٌ مريض. كان كل شيء يوحي بحياة خفيفة بلا أعباء. حياة قائمة على الرغبة، لا المسؤولية. وهذا بالضبط ما جاء من أجله.
قال حسن أخيرًا، بعدما استعاد صوته لا يمكنكِ فعل هذا لا يمكنكِ ببساطة أن تحضريها
حدّقتُ فيه، ثم قلت بهدوء بارد حقًا؟ غريب لأنك تمكنت من تركها معي سبع سنوات كاملة.
بدأت زوجته الثانية تربط الأمور بسرعة، رأيت ذلك في وجهها، وفي الطريقة التي التفتت بها نحوه، كأنها تكتشف فجأة أن الرجل الذي تخيّلت معه مستقبلًا خفيفًا، يحمل ماضيًا ثقيلًا لم يكن ينوي أن يشاركه معها.
قالت بدهشة سبع سنوات؟
أجبت دون أن أشيح بعيني عنه نعم، سبع سنوات وأنا أحملها، وأنظفها، وأطعمها، وأسهر بجانبها في ليالي الألم، وأراقب جسدها وهو يتأذى إن تأخرتُ نصف ساعة عن وضع الدواء سبع سنوات، وأنا أُمدح على صبري، بينما هو يجلس هنا يحدّق في هاتفه.
احمرّ وجه حسن وقال بتوتر الأمر ليس بهذه البساطة.
ابتسمت بسخرية خفيفة وقلت بالفعل، لم يكن بسيطًا البسيط كان أن تتركني أعتني بوالدتك، بينما تذهب أنت لتبدأ حياة جديدة.
وضعت زوجته الثانية يدها على فمها، وقالت بصوتٍ منخفض أخبرتني أنك تهتم بها وأن هناك من يساعد.
ضحكت، ضحكة قصيرة خافتة، لكنها كانت كافية لتفضح كل شيء نعم كان هناك من يساعد. أنا.
بدأت الحاجة أم حسن تنظر بيننا بقلق، تشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، دون أن تفهم التفاصيل.
قالت بصوتٍ ضعيف ما الأمر يا حسن؟
انحنى بجانبها، مرتبكًا، كأنه لا يعرف أين يضع يديه، وقال لا
نظرت إليه وقلت بوضوح سوء الفهم كان حين ظننتُ أنك متعب لا غائب. أما الآن فهذه هي الحقيقة.
أنزلتُ حقيبتين كبيرتين على الأرض، فيهما أدويتها، وملفاتها الطبية، وكريماتها، وملابسها، وحفاضاتها، وكل ما تحتاجه. وضعتُ أيضًا ملفًا مليئًا بالتفاصيل التي كتبتها بيدي عبر السنوات مواعيد الدواء، ردود الفعل، أوقات الألم، وكل ما لا يلاحظه إلا من عاش التفاصيل يومًا بيوم.
وتركتُ دفترًا صغيرًا فيه ليالٍ طويلة من السهر، وملاحظات عن طعامها، وروتين العناية بها، وكيفية تحريكها دون أن تتأذى.
كانت زوجته الثانية تنظر إلى كل ذلك، وكأنها تشاهد حياةً كاملة تُلقى أمامها دفعة واحدة.
قالت بهدوء، وهي تنظر إلى حسن أنا لا أستطيع لم أوافق على هذا.
التفتُ إليها لأول مرة بنظرة هادئة، وقلت لا أحد يوافق على المسؤولية مسبقًا لكن يأتي يوم، ويُطلب منكِ أن تُظهري من أنتِ.
شدّت على فكّها؛ لم تكن سيئة، بل كانت فقط غير ناضجة. بدا واضحًا أنها صُدمت حين اكتشفت أن الرومانسية ليست مجرد كلمات، بل لها ثقل، وتعب، ومسؤوليات بأسماء واضحة.
نهض حسن متوترًا، كمن حُوصر فجأة، وقال محاولًا التماسك اسمعي لنتحدث بعقلانية. أمي لا يمكن أن تبقى هنا. المكان غير مهيأ، وأنا أعمل، وهي أيضًا وأنتِ
المنطقي؟ شعرت بمرارة ترتفع في صدري.
قلت بهدوء قاسٍ لا المنطقي كان ألا تخونني. المنطقي كان، إن اخترت حياة أخرى، أن تتحمّل مسؤولياتك. المنطقي كان أن تعتني بأمك قبل أن تذهب لتعيش دور الشاب مع امرأة يمكن أن تكون موظفة لديك.
تغيّر وجه زوجته الثانية، وقالت بحدة لا تتحدثي عني بهذه الطريقة.
نظرتُ إليها بثبات إذًا لا تقفي بجانب رجل يتخلى عن أمه المريضة بسهولة كما تخلى عن زوجته.
أصابتها الكلمات، فتراجعت خطوة إلى الخلف، كأنها بدأت ترى ما لم تكن تريد رؤيته.
خفض حسن صوته، محاولًا أن يعود إلى نبرته القديمة التي يلين بها الأمور من فضلك لا تكبّري الموضوع. سنتحدث غدًا. خذيها اليوم، وسنبحث عن دار رعاية أو ممرضة أي حل.
نظرت إليه طويلًا، وبوضوح لم أشعر به من قبل. لم يكن رجلًا ضائعًا بل رجل اعتاد أن تتحمل النساء من حوله نتائج أفعاله.
رفعت الحاجة أم حسن يدها المرتجفة، وقالت بصوتٍ خافت يا بنتي
نظرتُ إليها. كانت ضعيفة، هشّة، تعتمد على غيرها بالكامل. وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا لم أكن أراه من قبل أنها بدأت ترى ابنها على حقيقته. تلك المرأة التي انتقدتني لسنوات، مظهري، وطريقتي، وكل تفصيل فيّ تنظر إليّ الآن بخوف،
انحنيت قليلًا
متابعة القراءة