توفي زوجي بعد سقوطه داخل منزلنا

لمحة نيوز

وبعد خمس سنوات كاملة، حين تحطّم إناء الزهور الذي احتفظت به كأثرٍ أخير منه، ما رأيته داخل التراب جعلني أصرخ، أنهار أرضًا، وأتصل بالشرطة فورًا...
كان المفتاح داخل حزمة القماش.
لم يكن مفتاحًا عاديًا لخزانة أو حقيبة، بل كان طويلًا، قديم الطراز، مصنوعًا من نحاس داكن، ومربوطًا به لوح صغير بسلك صدئ، وعلى ذلك اللوح ظهرت بالكاد حروف محفورة ورقم SB 17.
ظللت أحدّق فيه للحظات طويلة دون أن أتحرك، أصابعي ملوثة بالتراب، وركبتاي تؤلماني من الركوع فوق شظايا الإناء المكسور، بينما كانت حرارة الظهيرة تضغط على جسدي، ومع ذلك شعرت ببرودة غريبة تتسلل إلى صدري.
لماذا قد يُخفي حسن مفتاحًا كهذا داخل إناء زرع؟ ولماذا يدفنه تحت الجذور، ملفوفًا بعناية، في مكان يستحيل أن يصل إليه أحد بالصدفة؟
قلبت المفتاح بين أصابعي ببطء، وفجأة انزلق شيء آخر من القماش وسقط في حجري، كان خاتمًا خاتمًا نسائيًا.
ذهب رقيق، يتوسطه حجر أخضر صغير.
لم يكن لي.
كنت أعرف كل ما أهداني إياه حسن، أتذكر خاتمًا بسيطًا اشتراه لي في بداية تعارفنا ونحن نضحك تحت المطر لأنه لم يكن يملك ثمن شيء أفضل، وأعرف خاتم زواجنا، وأعرف كل قطعة حُليّ أحضرها لي في مناسباتنا لكن هذا الخاتم تحديدًا لم أره في حياتي.
جفّ حلقي، وشعرت بشيء يضغط على صدري بقوة.
وبينما كنت أفتح القماش أكثر، وجدت ورقة مطوية بعناية، موضوعة داخل غلاف بلاستيكي لحمايتها من الرطوبة، وعندما فتحته تشقق الغلاف قليلًا، لتظهر رسالة بخط يد حسن.
على الأقل هكذا ظننت.
قرأت الكلمات ببطء 
إذا حدث لي شيء، فلا تصدقوا ما سيقال. الخزانة رقم ١٧، في فرع الحي القديم. اطلبوا الحساب القديم كل شيء هناك. سامحوني.
هذا كل ما كُتب.
لا اسم.
لا تفسير.
لا كلمة وداع.


شعرت بدقات قلبي تتسارع بشكلٍ مرعب، قرأت الرسالة مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، لكن الكلمات بدأت تتلاشى أمام عيني، وشعرت بغثيان شديد يكاد يفقدني توازني.
لا تصدقوا ما سيقال
أي كلام؟
أي قصة؟
هل يقصد سقوطه؟
موته؟
أم أن حياتي معه كلها كانت شيئًا آخر لم أفهمه أبدًا؟
جلست على أرض الشرفة، محاطة ببقايا الطين والجذور الممزقة، بينما كانت الشمس تضرب الأرض بقسوة، وقطة الجيران تراقبني من فوق السور كأنها شاهد صامت على كل ما يحدث، ولم أعد أعرف كم مرّ من الوقت، دقائق أم ساعة، كل شيء كان ضبابيًا.
كل ما شعرت به أن حياتي التي عشتها طوال خمس سنوات بدأت تتفكك أمامي قطعة قطعة.
في تلك الليلة، أخذت المفتاح والخاتم والرسالة، وأغلقت عليهم درج مكتبي بإحكام، ثم عدت إلى السرير دون أن أطفئ النور.
لم أنم.
ظللت أحدق في سقف الغرفة، وأعيد في ذهني تفاصيل ذلك اليوم
المطر الغزير،
انقطاع الكهرباء،
الأرض المبللة،
غرفة التخزين،
الدرج،
صوت الجيران وهم يندفعون إلى الداخل،
صوت المسعفين،
وجوه الشرطة،
ثم الجنازة
ولأول مرة منذ خمس سنوات بدأت أشك أن ما حدث لم يكن مجرد حادث.
قال الجميع إنها كانت مأساة بسيطة حادث منزلي مؤلم، لا أكثر من ذلك.
لكن الآن، لم يعد الأمر يبدو بسيطًا أبدًا.
كان هناك مفتاح مخفي
وخاتم غريب
ورسالة بدت وكأنها تحذير قادم من عالمٍ آخر.
ومع أول ضوء للصباح، لم يعد الحزن هو ما يسيطر عليّ بل الخوف.
في العاشرة صباحًا، اتصلت بالعمل واعتذرت مدّعية المرض، وكان صوتي غريبًا حتى عليّ، ضعيفًا ومتوترًا وكأنني لست أنا.
بعدها خرجت، واستوقفت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يتجه إلى الحي القديم.
طوال الطريق، كنت أضم حقيبتي إلى صدري بقوة، كأنني أخشى أن تُنتزع مني، بينما كانت المدينة
تدور حولي بصخبها المعتاد، أصوات السيارات، الزحام، الفوضى، لكنني شعرت وكأنني منفصلة عن كل ذلك، كأنني أراقب العالم من بعيد.
توقفت السيارة أمام بنك قديم، يقع بين صيدلية ومحل أدوات منزلية في شارع مزدحم، لافتته باهتة، وداخله تفوح منه رائحة الورق القديم والغبار مع برودة أجهزة التكييف.
اقتربت من الموظف وقلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا أريد فتح خزانة رقم 17، كانت تخص زوجي.
نظر إليّ الشاب باستغراب وسألني عن الأوراق، فأجبته بأنني لا أملك شيئًا، ثم أخرجت المفتاح والرسالة.
قرأ الورقة بتردد، ثم طلب مني الانتظار، واختفى للحظات قبل أن يعود مع رجل مسن، عرّف نفسه بأنه مدير الفرع.
ما إن ذكرت اسم زوجي حسن كاملًا، حتى تغيّر وجهه فجأة، ونظر إليّ بنظرة مختلفة، ثم طلب مني أن أدخل إلى مكتبه.
أغلق الباب خلفنا، وقال بصوت هادئ إن حسن جاء إلى هنا منذ سنوات، وفتح خزانة خاصة مرتبطة بحساب قديم، وبعد وفاته لم يطالب بها أحد، ولم يكن بإمكانهم تسليمها دون إجراءات، لكنه يعرف هذا التوقيع ويتذكره جيدًا.
سألته بصعوبة عما يوجد بداخلها، فتردد قليلًا، ثم قال إنه لا يعلم، لكنه يتذكر أن حسن كان قلقًا جدًا في آخر زيارة له.
سألته عن موعد تلك الزيارة، فراجع ملفًا أمامه، ثم قال إنها كانت قبل وفاته بثلاثة أيام فقط.
في تلك اللحظة شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
أخذني إلى الطابق السفلي، حيث الخزائن، باب ثقيل، ورائحة معدنية، وصفوف من الصناديق المغلقة المصطفة كأنها قبور صامتة.
توقف أمام الرقم 17، وأدخل مفتاح البنك، ثم طلب مني استخدام المفتاح الذي معي.
وضعت المفتاح بيد مرتعشة وأدرته.
انفتح القفل.
داخل الخزانة كان هناك ظرف بني سميك، وعلبة صغيرة من المخمل، وقطعة تخزين.
هذا كل شيء.
شعرت أن
أنفاسي تضيق، فسألني المدير إن كنت أحتاج إلى خصوصية، فاكتفيت بالإيماء، ثم تركني وحدي.
فتحت الظرف أولًا.
تساقطت الصور في حجري.
لم تكن صورًا عادية بل لقطات مراقبة، ووثائق، ونسخ مطبوعة، تظهر حسن في أماكن مختلفة، وبجانبه امرأة لا أعرفها، مرة عند مدخل مبنى، ومرة في موقف سيارات، ومرة يجلسان معًا في مقهى، وكل صورة تحمل تاريخًا ووقتًا مختلفين.
تكرر ظهور نفس المرأة في كل الصور، طويلة، ملامحها حادة، تبدو متوترة دائمًا، وفي إحدى الصور القريبة، كان واضحًا خاتم في يدها اليسرى حجر أخضر.
نفس الخاتم الذي وجدته.
لكنني واصلت القراءة
وكانت الحقيقة أسوأ مما تخيلت.
أسوأ بكثير.
الرسائل لم تكن كاملة، بعضها ناقص، وبعضها ممسوح، لكن ما تبقى منها كان كافيًا ليكشف شيئًا مرعبًا.
لم تكن تلك المرأة حبيبة حسن
كانت عميلة لديه.
قبل وفاته، كان حسن يساعد تلك المرأة سرًا في جمع أدلة ضد زوج شقيقتها، وهو رجل أعمال نافذ، متورط في قضايا فساد كبيرة تشمل الاحتيال العقاري وغسل الأموال ودفع الرشاوى.
كانت شقيقة ميرا قد توفيت قبل عامين في ظروف غامضة، وقيل إنها أنهت حياتها، لكن ميرا لم تصدق ذلك أبدًا، وكانت مقتنعة أن ما حدث لم يكن سوى جريمة تم إخفاؤها بعناية.
اكتشف حسن سجلات مالية تربط هذا الرجل بعدة شركات وهمية، والأخطر من ذلك أنه عثر على أدلة تشير إلى تورط بعض رجال الشرطة في التستر على الشكاوى مقابل المال.
لم تكن المسألة مجرد قضية فساد عادية، بل شبكة كاملة من التواطؤ.
في إحدى الرسائل التي قرأتها، كتبت ميرا بأنها تشعر أن هناك من يراقبها، وأنها تعتقد أن أحدهم تبعها بعد خروجها من المكتب، وكانت تسأله بقلق ماذا تفعل.
رد حسن عليها طالبًا منها ألا تعود إلى منزلها، وأن تقيم في شقة
فندقية لبضعة أيام، وأخبرها أنه سينقل المستندات الأصلية بنفسه، وأنه في حال حدث له أي
تم نسخ الرابط