توفي زوجي بعد سقوطه داخل منزلنا

لمحة نيوز

طويلة من التحقيقات والتصريحات والسهر، جاء دياب لزيارتي، وجلسنا في الشرفة نفسها التي انكسر فيها الإناء، كنت قد نظفت المكان، لكن أثرًا خفيفًا ما زال على الأرض يذكرني بكل شيء.
أخبرني أن راغب بدر وُجهت إليه تهم رسمية تتعلق بالفساد وعرقلة العدالة، وأن تهمة القتل ما زالت قيد التحقيق، لكنها قائمة، وأن الوسيط بدأ يتحدث.
أغمضت عيني وأنا أستمع، ثم سألت السؤال الذي ظل يطاردني منذ قرأت رسالة حسن، هل تألم؟
لم يتردد دياب، قال إن الضربة على الأرجح جاءت أولًا، وربما فقد وعيه قبل السقوط.
خرجت مني شهقة مختلطة، شعور غريب بين الراحة والرعب، راحة لأنه لم يعِش لحظاته الأخيرة في ألم كامل، ورعب لأن النهاية كانت حقيقية وقاسية.
مرت الشهور، وخفت الضجيج، كما يحدث دائمًا، لكن حياتي لم تعد كما كانت، ولم يعد الحزن كما كان.
لم أعد أبكي حادثًا مفاجئًا، بل رجلًا كان يعيش مطاردًا، خائفًا، ويحاول
حمايتي دون أن أشعر.
كنت غاضبة منه، وأحبه، وأفتقده، وأفخر به، وألومه، كل تلك المشاعر كانت تعيش داخلي في وقتٍ واحد، لدرجة أنني أحيانًا كنت أستيقظ عاجزة عن التنفس من شدّة الاشتياق.
وأخيرًا فهمت لماذا كان ذلك اليوم يبدو خاطئًا دائمًا في أعماقي.
ولماذا لم يتوقف جزء مني عن استعادته مرارًا.
الحقيقة لم تُدفن فقط في الملفات والخزائن والتقارير المزوّرة بل دُفنت داخلي أيضًا.
وفي اللحظة التي تحطّم فيها إناء الأوركيد انفتح شيء ما بداخلي أنا كذلك.
في إحدى الأمسيات، بعد مرور عام تقريبًا على بدء التحقيق، ذهبت إلى المقبرة، وكنت أحمل بين ذراعي إناءً فخاريًا جديدًا.
بداخله زهرة أوركيد أرجوانية صغيرة.
لم تكن نفسها فقد انتهت تلك الزهرة يوم تحطّم الإناء القديم.
وربما كان ذلك مناسبًا، فبعض الأشياء لا يمكن الحفاظ عليها كما نريد، وبعض الذكريات تفسد حين نحاول الاحتفاظ بها بإحكامٍ شديد.

عند قبر حسن، ركعت ووضعت الزهرة برفق، وبقيت صامتة لوقتٍ طويل.
كان الهواء يحمل رائحة مختلطة من الغبار والمطر، ومن بعيد سُمِع ضحك طفل، وصوت غراب ينعق فوق شجرة قريبة.
ثم تحدثت أخيرًا.
همستُ بصوت مرتجف أنني كنت غاضبة منه كثيرًا، وما زلت كذلك أحيانًا، وأنه كان عليه أن يخبرني، أن يثق بي في الخوف كما وثق بي في الحب.
انهمرت دموعي، لكنني أكملت حديثي، وقلت إنني أفهم الآن لماذا لم يفعل، وأعلم أنه حاول بطريقته أن يحميني.
مرّت نسمة خفيفة عبر العشب، ولمست بيدي الحجر البارد، ثم أخبرته أن الحقيقة ظهرت أخيرًا، وأن الجميع بات يعلم ما حدث له وما حدث لميرا.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم أشعر أنني أتحدث إلى فراغ، ليس لأنني أعتقد أنه يسمعني، بل لأن الصمت لم يعد ملكًا لمن قتلوه بل صار لي.
وقفت لأغادر، ثم توقفت، وابتسمت رغم الدموع، وأخبرته أن زهرة الأوركيد انكسرت، وأنه كان سيغضب من ذلك،
لأنه كان دائمًا يبالغ في ريّها ويتصرف كخبير.
ضحكت ضحكة قصيرة متقطعة، ثم نظرت إلى القبر، وإلى الزهرة الجديدة، وإلى السماء التي بدأت تميل إلى الغروب، وقلت الكلمات التي عجزت عن قولها يوم رحيله.
وداعًا يا حسن.
كانت مؤلمة كتمزّق شيء حي داخلي، لكنها هذه المرة كانت صادقة تمامًا.
وبينما كنت أبتعد، وصلني على هاتفي إشعار برسالة من دياب، يخبرني أن لائحة الاتهام قد قُدّمت، وأن كل شيء بدأ الآن.
نظرت خلفي مرة واحدة، إلى القبر، إلى الزهرة، إلى الماضي الذي كاد يبتلعني بالكامل.
ثم استدرت ومضيت.
لأن الحقيقة ظهرت أخيرًا.
لأن من رحلوا تكلموا بطريقتهم.
ولأن مفتاحًا مخفيًا، وخاتمًا غريبًا، وإناء زهور محطمًا كان كافيًا ليُخرج جريمة كاملة من الظلام.
ولأنني، بعد خمس سنوات من انهياري على أرض الشرفة وأنا أصرخ وأطلب النجدة أدركت أخيرًا 
لم يكن ذلك اليوم نهاية آخر ذكرى لي مع زوجي
بل
كان البداية الحقيقية لكل شيء.

تم نسخ الرابط