لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض
ابتسمتُ فقط.
ثم حملتُ كوب القهوة بهدوء، بينما استمر الطائر يصرخ بصوته الحاد
عجوز كسولة! عجوز كسولة!
ضحكت زوجة ابني وهي تقول
يكرر الكلام اللي يسمعه من الأولاد طوال الوقت.
الأولاد.
بالطبع.
الأطفال دائمًا يكررون ما يسمعونه داخل البيوت.
أما أنا، فوضعت الكوب على الطاولة دون أن أعلّق.
كان التعب أثقل من أن يسمح لي بالغضب.
وغادرا بعد أقل من ساعة، تاركَين خلفهما شعر القطط فوق الأرائك، وبذور الطائر متناثرة على الأرض، ورائحة عطر زوجة ابني تملأ الصالة كأنها ختمٌ يؤكد أن المكان أصبح لهم بالفعل.
وقفتُ وحدي بعد إغلاق الباب.
نظرتُ إلى الفيلا الكبيرة التي عشتُ فيها أربعين عامًا.
الجدران نفسها.
الستائر نفسها.
والأثاث نفسه الذي اخترته قطعةً قطعة عندما كنا لا نملك سوى القليل.
لكن البيت لم يعد يشبهني.
أصبح يشبه فندقًا مزدحمًا أقيم فيه مجانًا مقابل الخدمة فقط.
سمعتُ الطائر يصرخ مرةً أخرى من داخل القفص
عجوز كسولة!
أغمضتُ عيني للحظة.
ثم ضحكت.
ضحكة قصيرة، متعبة، خرجت مني لأول مرة منذ شهور.
لأنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه أحد داخل هذا البيت.
بعد ثمانٍ وأربعين ساعة فقط
لن أكون هنا أصلًا.
قبل وفاة زوجي بأسبوعين، كنتُ قد سقطتُ داخل المطبخ.
لم يكن سقوطًا قويًا.
لكنني بقيت عاجزة عن النهوض لدقائق كاملة.
أتذكر برودة الأرض تحت وجهي.
وصوت غلاية الماء وهي تصفر.
ورجفة يدي وأنا أحاول الإمساك بطرف الطاولة.
في تلك اللحظة، لم أفكر بنفسي.
أقسم أن أول فكرة
من سيعطيه الدواء إن لم أستطع الوقوف؟
وصل ابني بعد ساعة تقريبًا.
ساعدني على الجلوس، ثم قال بانزعاج وهو ينظر إلى الفوضى
يمّه، لازم تنتبهين لعمرِك.
كنتُ أرتجف من الألم، لكنني ابتسمتُ وقلت
مجرد دوخة بسيطة.
أما زوجته، فدخلت المطبخ، ونظرت إلى الأرض المبللة، ثم تمتمت
لو عندنا خادمة إضافية كان أريح.
خادمة إضافية.
قالتها بينما كنتُ أنا الخادمة الأصلية طوال العمر.
في اليوم التالي، أصرّت جارتي وصديقتي الوحيدة، سعاد، على أخذي إلى الطبيب.
بعد الفحوصات الطويلة، جلس الطبيب أمامي واضعًا النظارات على طرف أنفه، وقال بجدية
أنتِ لا تعانين من مرض خطير لكن جسدكِ منهك بالكامل.
أطرق قليلًا، ثم أضاف
ضغط مرتفع، أرق مزمن، إرهاق عصبي، وآلام ظهر حادة. لو استمر الوضع هكذا، ستنهارين تمامًا.
ابتسمتُ بخجل كأنني أعتذر عن تعبي.
سألته
وماذا أفعل؟
رفع الملف وأغلقه بحزم
تسافرين.
ظننت أنه يمزح.
لكنه أكمل
شهرين على الأقل بعيدًا عن المسؤوليات. نوم، بحر، هدوء، وممنوع خدمة أي شخص.
ضحكتُ وقتها.
ضحكة صغيرة مرتبكة.
كأن الرجل طلب مني المستحيل.
بعد الخروج من العيادة، جلستُ مع سعاد داخل المقهى المقابل.
كانت تراقبني بصمت طويل قبل أن تقول
تعرفين ما مشكلتك الحقيقية يا نورة؟
نظرتُ إليها.
فقالت بهدوء
أنكِ تعودتِ أن تكوني ضرورية للجميع لدرجة أنكِ نسيتِ أن تكوني ضرورية لنفسك.
بقي كلامها يلاحقني أيامًا كاملة.
خصوصًا بعد وفاة زوجي.
لأنني اكتشفت شيئًا مرعبًا
حتى
بعد انتهاء العزاء بأيام، استيقظتُ فجرًا على أصوات قادمة من الطابق العلوي.
كان ابني وزوجته يظنان أنني نائمة.
خرجتُ من غرفتي ببطء، وعندما اقتربت من الممر، سمعت صوت زوجته يقول
غرفة أمكِ واسعة جدًا ممكن نحولها دريسنج روم بعدين.
ثم ضحكت.
ضحكة خافتة، لكنها دخلت قلبي كالإبرة.
رد ابني
بالتدريج لا تستعجلين.
ثم أضاف بصوت منخفض
غالبًا بعد فترة ننقلها لشقة أصغر. الفيلا كبيرة عليها لحالها.
شقة أصغر.
عليها لحالها.
وقفتُ متجمدة في الظلام.
لم أشعر بالغضب أولًا.
شعرتُ بشيء أسوأ.
شعرتُ أنني اختفيت.
كأنهم يتحدثون عن امرأة انتهت صلاحيتها بالفعل.
امرأة يجب إعادة ترتيبها مثل قطعة أثاث قديمة.
سمعت زوجته تسأل
والصكوك؟
فأجاب ابني
أبي كان ناوي ينقل بعضها باسمي أصلًا قبل ما يتعب أكثر.
ثم خفض صوته، لكنني سمعت الجملة بوضوح
المهم نتصرف بسرعة قبل ما تدخل العائلة بالميراث.
عدتُ إلى غرفتي بخطوات بطيئة.
وجلستُ على طرف السرير حتى الفجر.
أتأمل يديّ.
هاتان اليدان اللتان غسّلتا ثيابهم، وأطعمتهم، وسهرتا على حماهم، أصبحتا فجأة عبئًا يجب نقله إلى شقة أصغر.
وفي تلك الليلة تحديدًا
اتخذتُ قراري.
في الصباح، اتصلتُ بسعاد.
وعندما سمعت صوتي، قالت فورًا
ماذا حدث؟
أجبتها
أحتاج محامية.
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت بهدوء مختلف
أخيرًا.
أعطتني رقم محامية متخصصة في قضايا العقارات والورث.
اسمها هالة.
استقبلتني داخل مكتب هادئ تفوح منه رائحة الورق والقهوة.
استمعت إليّ دون مقاطعة.
لم ترفع حاجبيها بدهشة عندما أخبرتها أن ابني بدأ يسأل عن الصكوك قبل وفاة والده بأسابيع.
ولم تتفاجأ عندما أخبرتها عن فكرة نقلي لشقة أصغر.
بل قالت جملة جعلت معدتي تنقبض
يحدث هذا أكثر مما تتخيلين.
ثم فتحت الملفات أمامها وسألتني
هل تريدين حماية البيت أم حماية نفسك داخله؟
لم أفهم السؤال أولًا.
لكنها أوضحت بهدوء
أحيانًا يكون العقار مجرد بداية. المشكلة الحقيقية هي أن الجميع يتصرف وكأنكِ لن تبقي صاحبة القرار طويلًا.
شعرتُ بالقشعريرة.
لأنها وصفت ما كنت أشعر به تمامًا.
بقيتُ أراجع الأوراق معها أيامًا كاملة.
ولأول مرة منذ سنوات، كنتُ أفعل شيئًا لنفسي فقط.
شيئًا لا علاقة له بالأدوية أو الطبخ أو الغسيل أو خدمة أحد.
اكتشفتُ خلال المراجعات أن زوجي، رغم مرضه، كان قد ترك ملاحظات واضحة تؤكد حقي الكامل في البيت طوال حياتي.
وأدركتُ فجأة أنه كان يرى ما يحدث أيضًا.
كان يفهم صمت ابنه.
ونظراته.
وسؤاله المتكرر عن الأملاك.
ربما لهذا السبب ظل يرفض توقيع بعض الأوراق في أيامه الأخيرة.
قبل مغادرتي مكتب المحامية في آخر يوم، دفعت نحوي ملفًا أزرق وقالت
الآن لن يستطيع أحد إخراجكِ من بيتكِ ولا التصرف فيه دون إرادتك.
ثم أضافت
وبعد وفاتكِ، سينتقل البيت إلى الوقف الذي طلبتِ تأسيسه.
نظرتُ إليها طويلًا.
وقلت بصوت خافت
أريد المكان للنساء اللواتي لا يجدن مكانًا يذهبن إليه بعد أن تنتهي حاجتهم داخل بيوتهن.
ابتسمت هالة للمرة الأولى.
وقالت
إذًا
بعد إنهاء كل شيء، حجزتُ الرحلة البحرية دون أن أخبر أحدًا.
حتى سعاد لم تعرف موعد السفر الحقيقي.
كنت