لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض
قليلة.
تم تجهيز الغرف.
وترميم بعض الجدران.
ووُضعت لافتة صغيرة عند المدخل.
أرسلت لي سعاد صورة لها.
وكان مكتوبًا عليها
هنا لا توجد امرأة زائدة.
ظللتُ أحدق في الصورة حتى تشوش بصري من الدموع.
لأنني لأول مرة شعرت أن كل سنوات تعبي لم تذهب هباءً.
كل الليالي التي سهرتُ فيها.
كل التعب.
كل الصمت.
كل التنازلات.
تحولت أخيرًا إلى باب نجاة لنساء أخريات.
نساء لن يُطلب منهن الرحيل لأنهن أصبحن كبيرات في السن.
ولن يشعرن أن وجودهن عبء ثقيل يجب التخلص منه.
عدتُ إلى جدة بعد سبعة أشهر.
كانت المدينة كما هي.
الحر نفسه.
والشوارع نفسها.
لكنني لم أعد
عندما خرجتُ من المطار، وجدته ينتظرني وحده.
ابني.
بلا تلك الثقة الحادة التي كان يتحدث بها دائمًا.
بلا نظارته الداكنة.
وبلا زوجته.
بدا أكبر سنًا.
ومتعبًا بطريقة أعرفها جيدًا.
وقف أمامي بصمت للحظات.
ثم قال بصوت خافت
انفصلنا.
لم أتفاجأ.
كنتُ أرى الانهيار قادمًا منذ زمن.
سرنا معًا نحو السيارة بصمت طويل.
ثم قال فجأة
كنتِ تفعلين أشياء لا أستطيع أنا وزوجتي القيام بنصفها.
لم أعلق.
لكنه أكمل بصوت مكسور
كنتُ أظن أن كل هذا طبيعي لأنكِ أمي.
شعرتُ بشيء ثقيل يتحرك داخل صدري.
ليس غفرانًا كاملًا ولا غضبًا كاملًا.
بل شيء بينهما
قال بعدها بصعوبة
سامحيني.
توقفتُ عن السير.
ونظرتُ إليه طويلًا.
رأيت الطفل الذي حملته يومًا بين ذراعي.
ورأيت الرجل الذي كاد ينسى أنني إنسانة.
ثم قلت بهدوء
أنا لا أحتاج اعتذارًا بقدر ما أحتاج أن تفهم.
خفض رأسه.
فأضفت
الأم ليست بيتًا مفتوحًا بلا نهاية.
وليست خادمة خُلقت لتتحمل الجميع وحدها.
نحن أيضًا نتعب لكنكم لا تلاحظون ذلك إلا حين نختفي.
بكى.
لأول مرة منذ وفاة والده.
بكى بصمتٍ موجع، كأنه يرى حياته كلها بوضوح للمرة الأولى.
أما أنا فلم أحتضنه ولم أبتعد عنه.
فقط تركته يمشي بجانبي.
لا أمامي ولا خلفي بجانبي
لأن هذا هو المكان الصحيح أخيرًا.
وفي تلك الليلة، عدتُ إلى الفيلا لكنها لم تعد تشبه البيت القديم.
كانت أكثر هدوءًا وأكثر دفئًا.
في الصالة، جلست ثلاث نساء مسنات يشربن القهوة ويتحدثن بهدوء.
إحداهن كانت تضحك بصوت عالٍ.
والأخرى تحكي قصة قديمة عن شبابها.
أما الثالثة، فكانت تنظر إلى الحديقة كأنها لم ترَ الأمان منذ سنوات.
وقفتُ عند الباب أراقبهن طويلًا.
ثم ابتسمت.
لأنني فهمت أخيرًا شيئًا مهمًا
المرأة لا تصبح عديمة القيمة حين يتقدم بها العمر.
لكن بعض العائلات تعتاد وجودها إلى درجة أنها تتوقف عن رؤيتها تمامًا.
وأحيانًا
لا يحتاج
أحيانًا يكفي فقط
أن تتوقفي عن حملهم وحدك.