لقد دفنتُ زوجي بعد سنواتٍ طويلة من المرض
المحتويات
أخشى أن أتراجع.
أو أن ينجح أحدهم في إشعاري بالذنب.
وفي الليلة الأخيرة قبل السفر، جلستُ وحدي داخل غرفتي.
أنظر إلى الخزانة.
إلى صورتي القديمة مع زوجي يوم كنا شابين.
إلى التجاعيد التي ظهرت حول عينيّ دون أن أنتبه.
وفجأة
بكيت.
ليس خوفًا من السفر.
بل لأنني اكتشفت أنني لا أعرف نفسي خارج التعب.
أربعون عامًا كاملة، كنتُ أعرف نفسي من خلال ما أقدمه للآخرين فقط.
أم خالد التي تطبخ جيدًا.
أم خالد التي تتحمل.
أم خالد التي لا ترفض طلبًا.
لكن من تكون نورة؟
لم أكن أعرف.
غادرتُ قبل الفجر.
كان البحر داكنًا، والهواء باردًا، والمدينة تبتعد ببطء خلفي.
وعندما بدأت السفينة تتحرك، شعرتُ بشيء غريب داخل صدري.
خوف.
وراحة.
وذنب.
وحريّة.
كلها دفعة واحدة.
جلستُ قرب السور المعدني أحدّق بالماء.
لا أحد يطلب مني شيئًا.
لا أحد يناديني.
لا أحد يسأل أين وضعتُ المناشف.
ولا متى سأنتهي من إعداد الطعام.
فقط صوت البحر.
بعد ساعات، أخرجتُ هاتفي.
وجدتُ أكثر من عشر رسائل من ابني.
في البداية كانت عادية
يمّه وينك؟
ثم
ليش ما تردين؟
ثم أخيرًا
شو يعني سافرتِ؟!
أغلقتُ الهاتف.
لكن بعد دقائق، عاد يرن.
ترددتُ قليلًا قبل الإجابة.
جاءني صوته غاضبًا ومصدومًا
أنتِ سافرتِ فعلًا؟! وتركتِ البيت والحيوانات وكل شيء؟!
نظرتُ إلى البحر أمامي.
ثم قلت بهدوء لم أسمعه في صوتي منذ سنوات
نعم.
صرخ بعصبية
كيف يعني نعم؟! ونحن؟!
ابتسمتُ ببطء.
وأجبته أخيرًا
الآن فقط ستفهمون كم كان
مرّت الأسابيع الأولى ببطءٍ غريب.
كنتُ أستيقظ كل صباح على صوت البحر بدلًا من صوت جهاز التنفس.
لا أحد يطرق باب غرفتي عند الفجر.
لا أحد يصرخ لأن القهوة تأخرت.
ولا أحد يطلب مني أن أبحث عن شيء أضاعه بنفسه.
في الأيام الأولى، كنتُ أستيقظ مذعورة أحيانًا.
أظن أن زوجي يناديني.
أو أن دواءه قد فات موعده.
أفتح عيني بسرعة، ثم أتذكر.
لقد انتهى كل شيء.
وكان ذلك الإدراك مؤلمًا ومريحًا في الوقت نفسه.
زرتُ مدنًا ساحلية كثيرة.
العقبة.
ثم شرم الشيخ.
ثم أماكن هادئة صغيرة لم أكن أعرف أسماءها أصلًا.
كنتُ أجلس بالساعات أمام البحر، أراقب الناس فقط.
أطفال يركضون.
نساء يضحكن.
ورجال يمشون بلا استعجال.
وفي كل مرة، كنتُ أكتشف كم كانت حياتي مليئة بالعجلة والخدمة والركض خلف الجميع حتى نسيت كيف أجلس دون خوف.
لكن أكثر ما صدمني كان النوم.
لأول مرة منذ سنوات، أنام ليلة كاملة.
ثماني ساعات متواصلة.
دون أن أستيقظ مذعورة.
دون أن أتحسس جهاز الأكسجين.
ودون أن أشعر أن هناك شخصًا يحتاجني كل دقيقة.
وفي إحدى الليالي، جلستُ أبكي داخل غرفة الفندق.
ليس حزنًا.
بل لأنني أدركت أن جسدي كان متعبًا إلى درجة أن الراحة نفسها أصبحت تبكيني.
أما ابني
فقد بدأ ينهار بالتدريج.
في البداية، كانت اتصالاته غاضبة.
كيف تتركين البيت بهذه الطريقة؟
الأولاد يبكون لأن القطط أحدثت فوضى!
الطائر لا يسكت!
العمال لا يعرفون ماذا يفعلون!
كنتُ أستمع
ثم أقول بهدوء
ستتدبرون أموركم.
وكان ذلك الجواب وحده يدفعه للجنون.
لأنه لم يعتد أن يسمعه مني.
بعد شهر تقريبًا، تغيرت نبرته.
لم يعد غاضبًا فقط.
أصبح مرتبكًا.
متعبًا.
وفي إحدى المكالمات قال بعصبية
هل كنتِ تفعلين كل هذا وحدك فعلًا؟
لم أجب.
لأنني كنتُ أعرف أنه بدأ يكتشف الحقيقة بنفسه.
اكتشف أن البيت لا ينظف نفسه.
وأن الطعام لا يظهر فوق الطاولة بالسحر.
وأن الملابس لا تُغسل وحدها.
وأن والده طوال سنوات المرض لم يكن يعتني به ملاكٌ خفي
بل امرأة تتآكل بصمت كل يوم.
ثم بدأت المشكلة الكبرى.
اتصل بي ذات مساء، وصوته متوتر
أين أوراق الفيلا؟
شعرتُ بالهدوء يملأني بطريقة غريبة.
وسألته
أي أوراق؟
قال بسرعة
المحامي يقول إن الملكية أصبحت وقفًا ما معنى هذا الكلام؟!
أغمضتُ عيني للحظة.
ثم قلت
يعني أن البيت لن يُباع.
ساد الصمت.
ثم جاءني صوته مرتفعًا
أنتِ فعلتِ هذا من دون أن تخبرينا؟!
أجبته بهدوء
لأنكم كنتم ترتبون حياتكم داخله من دون أن تخبروني.
صمت طويل.
طويل جدًا.
ثم أغلق الخط.
بعدها بأيام، بدأت الرسائل تصلني من زوجته.
رسائل طويلة مليئة بالاستنكار.
مرة تتحدث عن حق الأبناء.
ومرة عن الناس ماذا سيقولون.
ومرة عن حرام أن يذهب تعب العائلة للغرباء.
لكن أكثر رسالة آلمتني كانت حين كتبت
كيف تفضلين نساء لا تعرفينهن على ابنك وأحفادك؟
بقيتُ أحدق في الهاتف طويلًا.
ثم أغلقتُه دون رد.
لأن الحقيقة التي لم يفهموها أنني لم أختر الغرباء.
أنا
في تلك الفترة، تعرّفتُ إلى نساء كثيرات يشبهنني.
امرأة من الكويت قضت ثلاثين عامًا تعتني بزوج مقعد، ثم تزوج بعد شفائه بأشهر.
وأخرى من المغرب باع أبناؤها بيتها وأرسلوها لتعيش وحدها.
وثالثة كانت تقول دائمًا
حين كنتُ أخدمهم، كنتُ أهم شخص في البيت وحين تعبتُ، أصبحتُ عبئًا.
كنتُ أسمع قصصهن وكأنني أسمع نسخًا مختلفة من حياتي.
وفي إحدى الأمسيات، سألتني امرأة مسنة كانت تجلس بقربي
هل تشعرين بالذنب لأنكِ رحلتِ؟
فكرتُ طويلًا قبل أن أجيب.
ثم قلت
أشعر بالحزن لا بالذنب.
ابتسمت المرأة وقالت
هذا يعني أنكِ بدأتِ تتعافين.
وفي جدة
كانت الفوضى تكبر.
الخادمة الجديدة تركت العمل بعد أسابيع.
القطتان خدشتا الأثاث.
والطائر استمر بالصراخ داخل البيت
عجوز كسولة! عجوز كسولة!
حتى إن حفيدي الصغير بكى ذات مرة وهو يقول لوالده
البيت صار مخيفًا بعد جدتي.
حين أخبرني ابني بذلك، شعرتُ بشيء ينقبض داخل صدري.
ليس شماتة.
بل وجع.
لأنني أدركت أن البيت نفسه كان يتنفس من خلالي وأنا لم أكن أعرف.
ثم حدث ما لم أتوقعه.
وصلتني رسالة من حفيدتي الكبرى.
كانت في الخامسة عشرة.
كتبت تقول
جدتي هل صحيح أنكِ ستعطين البيت لنساء غريبات بدلًا من عائلتنا؟
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم جلستُ طويلًا أفكر قبل أن أجيبها.
وأخيرًا كتبت
يا ابنتي هؤلاء النساء لسن غريبات.
إنهن نسخ كثيرة مني لكن بأسماء مختلفة.
بعد ساعات،
أمي غضبت عندما قرأت رسالتك لكنني فهمتك.
بكيت بعدها طويلًا.
لأن أول شخص حاول فهمي حقًا لم يكن ابني.
بل حفيدتي الصغيرة.
بدأ العمل داخل الفيلا بعد أشهر
متابعة القراءة