اتصل بي حفيدي ليلة العيد وهمس

لمحة نيوز

اتصل بي حفيدي ليلة العيد وهمسجدي لا تأتِ؛ أمي تقول إنك غير مرحب بك.
اقترب من أذني وهمس بكلمات جعلت قلبي يتوقف لثانية كاملة
جدي... الكاميرا ما زالت تعمل.
شددت ذراعي حوله دون أن أشعر.
كانت أنفاسه متقطعة، وجسده خفيفًا على نحو أخافني، كأنني أحمل طفلًا استنزفته أيام طويلة من الخوف والسهر والبكاء.
نظرت إليه غير مستوعب ما يقوله، ثم سألت بصوت خافت
أي كاميرا يا علي؟
حاول أن يرفع رأسه قليلًا، لكن التعب كان أثقل من أن يسمح له بذلك.
بدت عيناه نصف مغمضتين، وشفتاه جافتين، ووجهه شاحبًا بصورة لم أعتدها فيه.
كان علي دائمًا طفلًا كثير الحركة، لا يهدأ في مكان واحد أكثر من دقائق معدودة، أما الآن فكان يبدو كمن أمضى أيامًا كاملة بلا نوم أو راحة.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال
السيارة الحمراء... التي اشتريتها لي.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قبل شهرين تقريبًا اشتريت له سيارة صغيرة بالتحكم عن بعد من أحد الأسواق الشعبية في بغداد.
لم تكن غالية الثمن، لكنها أعجبته أكثر من أي هدية أخرى حصل عليها.
كانت تحتوي على كاميرا صغيرة مثبتة في مقدمتها، ويومها ظل يحدثني ساعات طويلة عن المقاطع التي ينوي تصويرها بها داخل البيت.
لم أكن أفهم الكثير في تلك الأجهزة.
أما هو فكان يفهم أكثر مما يتوقعه أي شخص من طفل في عمره.
كان هادئًا، خجولًا، قليل الكلام، لكنه شديد الذكاء، خاصة حين يتعلق الأمر بالأجهزة والهواتف.
همس مرة أخرى
خبأتها.
شعرت بأن دقات قلبي ازدادت سرعة.
أين؟
أجاب بصوت بالكاد سمعته
في غرفتي.
وفي تلك اللحظة اقترب أحمد نحونا بخطوات سريعة.
كان وجهه متوترًا بصورة واضحة، لكنه بدا مرتبكًا أكثر من كونه غاضبًا.
وقال
ماذا قال لك؟
لم أجبه.
فكرر سؤاله
ماذا قال لك يا أبي؟
رفعت عيني إليه، ثم ضممت علي أكثر إلى صدري وقلت ببرود
لا شأن لك.


مرر أحمد يده في شعره بعصبية، ثم قال
أبي... أعطني علي ودعنا نتحدث بهدوء.
لن أفعل.
إنه ابني.
وأنا جده.
ساد صمت ثقيل بيننا.
ثم جاءت زينب من خلفه.
كانت تحاول التظاهر بالهدوء، لكن الخوف كان واضحًا في عينيها.
ولأول مرة منذ أن عرفتها رأيتها عاجزة عن إخفاء ارتباكها.
قالت بصوت منخفض
عمي... أرجوك لا تكبر الموضوع.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
أكبّر ماذا بالضبط؟
علي أخطأ.
وما الخطأ الذي يستحق أن يُحبس بسببه داخل مخزن ليلة العيد؟
لم تجب.
واكتفت بالنظر إلى أحمد.
أما هو فتنحنح وقال
كان يحتاج إلى بعض التأديب.
كدت أضحك من شدة الغضب.
التأديب؟
نعم.
وهل أصبح حبس طفل في مخزن تأديبًا؟
ارتبك للحظة.
ثم قال
أنت لا تعرف ما الذي فعله.
إذًا أخبرني.
صمت.
ونظر إلى الأرض.
ثم أشاح بوجهه بعيدًا.
وعندها أدركت أنه لا يريد الإجابة.
أو ربما لا يعرف الإجابة كاملة.
أما زينب فبدت أكثر توترًا كلما طال الحديث.
وكانت عيناها تتحركان باستمرار بيني وبين الممر المؤدي إلى غرف الأطفال.
وكأنها تخشى شيئًا موجودًا هناك.
أو تخشى أن أصل إليه.
خفض علي صوته أكثر.
حتى كدت لا أسمعه.
وقال
بالحقيبة.
توقفت أنفاسي.
ماذا؟
التسجيلات...
ثم أغلق عينيه للحظة طويلة.
شعرت بأن شيئًا ليس طبيعيًا.
وضعت يدي على جبينه.
فوجدته ساخنًا.
كما أن أنفاسه كانت بطيئة بصورة غريبة.
همست له
هل أنت مريض؟
هز رأسه بالنفي.
ثم قال
شربت العصير.
تبادلت نظرة سريعة مع زينب.
وكانت تلك اللحظة وحدها كافية.
لأن لون وجهها تغير فورًا.
أما أحمد فبدا مرتبكًا.
كأن جزءًا من الحديث يفاجئه هو الآخر.
سألت علي بهدوء
أي عصير؟
نظر إلى زينب.
ثم عاد ينظر إلي.
ولم يقل شيئًا.
لكن الخوف الذي ظهر في عينيه قال كل شيء.
شعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافي.
في تلك اللحظة فقط بدأت القطع المتفرقة تتجمع داخل
رأسي.
حبس.
وخوف.
وطفل شبه منهك.
وكاميرا مخبأة.
كل ذلك لم يكن يمكن أن يكون مصادفة.
قال أحمد فجأة
أبي... ضع علي جانبًا وتعال نتحدث بهدوء.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
انتهى وقت الحديث.
تجمد مكانه.
ماذا تقصد؟
أقصد أنني أريد رؤية تلك الحقيبة الآن.
ساد الصمت في أرجاء المنزل.
حتى أصوات التلفاز القادمة من غرفة الجلوس بدت بعيدة.
ورأيت أصابع زينب تنقبض حول طرف عباءتها.
ولأول مرة منذ وصولي إلى المنزل لم تحاول الرد أو التبرير.
كانت تنظر إلى الممر المؤدي إلى غرف الأطفال وكأن ما يوجد هناك أخطر عليها من وجودي أنا نفسه.
وفجأة...
ظهر وجه صغير عند مدخل الممر.
كانت مريم.
وقفت مترددة، وعيناها محمرتان من البكاء.
وحين رأتني، أسرعت نحوي قبل أن تتمكن زينب من منعها.
تعلقت بطرف ثوبي وهمست بصوت مرتجف
جدي...
ثم رفعت رأسها نحوي وقالت جملة جعلت الجميع يلتفت إليها
لا تدعوها تدخل غرفتنا مرة أخرى.
شعرت بأن زينب شحبت في اللحظة نفسها.
أما أحمد فنظر إلى ابنته باستغراب.
وقال
ماذا تقصدين يا مريم؟
لكن الطفلة لم تنظر إليه.
بل ظلت متمسكة بي وهمست
الحقيبة ما زالت تحت السرير...
ماذا تقصدين يا مريم؟
لكن الطفلة لم تنظر إليه.
بل ظلت متمسكة بي وهمست
الحقيبة ما زالت تحت السرير...
ثم سكتت فجأة.
وكأنها قالت أكثر مما ينبغي.
رفعت زينب رأسها بسرعة نحوها، وفي عينيها نظرة جعلت مريم تختبئ خلفي فورًا.
أما أحمد فبدا عاجزًا عن فهم ما يجري.
نظر إلى ابنته ثم إلى زوجته ثم إليّ.
وقال بضيق واضح
ما هذه الحقيبة أصلًا؟
لم تجبه مريم ولم تجب زينب أيضًا.
وكان ذلك الصمت وحده كافيًا ليؤكد لي أن الأمر أكبر مما تخيلت.
عدلت علي بين ذراعي.
ثم استدرت نحو الممر المؤدي إلى غرف الأطفال.
فقال أحمد بسرعة
أبي... إلى أين؟
نظرت إليه.
وقلت
إلى الغرفة.
لا داعي لذلك.
بل
هناك داعٍ كبير.
وتقدمت خطوة. لكن زينب سبقتني ووقفت في طريقي.
كانت تحاول التظاهر بالهدوء، إلا أن الارتباك كان واضحًا في ملامحها.
وقالت
عمي... الأطفال خائفون، والأفضل أن تنتهي هذه الليلة بهدوء.
قلت دون أن أتوقف
لو كنتِ تريدين الهدوء لما حبستِ طفلًا في مخزن.
ارتجفت شفتاها.
ثم قالت
أنت تفهم الأمور بطريقة خاطئة.
ربما.
ثم نظرت مباشرة إلى عينيها.
وأكملت
ولذلك سأرى الحقيقة بنفسي.
تراجعت خطوة صغيرة دون أن تشعر.
وفي تلك اللحظة تأكدت أنني أسير في الاتجاه الصحيح.
دخلت الممر وكانت مريم تسير خلفي.
بينما بقي أحمد واقفًا مكانه للحظات قبل أن يلحق بنا.
أما زينب فجاءت أخيرًا.
لكنها لم تعد تبدو واثقة كما كانت قبل دقائق.
وصلنا إلى غرفة الأطفال دفعت الباب ببطء.
فانفتح أمامي مشهد جعل قلبي ينقبض.
كانت الغرفة مرتبة ظاهريًا.
لكن شيئًا فيها بدا حزينًا.
على الجدار آثار أماكن نزعت منها صور أو ملصقات.
وفي إحدى الزوايا دمية قديمة ممزقة الذراع.
وعلى المكتب أوراق مطوية بعناية وكأن أحدًا أخفاها على عجل.
أما مريم فاقتربت من السرير الصغير وأشارت بيد مرتجفة.
وقالت
هناك.
انحنيت بصعوبة.
ورفعت الغطاء المتدلي من جانب السرير ثم مددت يدي إلى الداخل.
وبعد لحظات لامست أصابعي شيئًا سحبته ببطء.
كانت حقيبة مدرسية زرقاء قديمة.
ما إن ظهرت حتى شهقت زينب دون إرادة منها أما أحمد فحدق فيها باستغراب حقيقي.
وقال
ما الذي يوجد داخلها؟
لم يجبه أحد وضعتها فوق السرير ثم فتحت السحاب ببطء.
كان الصمت يخيم على الغرفة كلها.
حتى علي، الذي كان ما يزال بين ذراعي، فتح عينيه بصعوبة وكأنه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
أدخلت يدي إلى الحقيبة وأخرجت أول شيء.
كانت السيارة الحمراء السيارة نفسها التي اشتريتها له.
رأيتها فعرفت فورًا أنني لم أكن أتوهم شيئًا.
ثم
وجدت علبة صغيرة.
فتحْتها فوجدت بداخلها بطاقة ذاكرة.
وتحتها مجموعة من الصور القديمة المطوية بعناية.
رفعتها ببطء وبمجرد أن رأتها زينب شحبت أكثر.
أما مريم فانهمرت دموعها من جديد لم أفحص الصور حينها.
كان هناك
تم نسخ الرابط