اتصل بي حفيدي ليلة العيد وهمس
المحتويات
شيء أهم التفت نحو علي.
فوجدته ينظر إلى بطاقة الذاكرة.
ثم همس
شغّلها يا جدي.
نظرت إلى أحمد.
فقال بارتباك
أبي... ربما من الأفضل أن نتحدث أولًا.
قلت
تأخر وقت الكلام.
أخرجت هاتفي وأدخلت بطاقة الذاكرة.
وبعد محاولات قصيرة ظهر أول مقطع مصور.
كانت الصورة مهتزة في البداية.
وكأن الكاميرا موضوعة داخل السيارة الصغيرة.
ثم استقرت وأصبحت تُظهر جزءًا من غرفة الجلوس.
ساد الصمت في الغرفة.
الجميع كان يحدق في الشاشة.
مرّت ثوانٍ قليلة ثم ظهرت زينب.
كانت تقف أمام علي ووجهها مختلف تمامًا عن الوجه الذي اعتدنا رؤيته أمام الناس.
لم تكن تبتسم ولم تكن هادئة.
بل كانت غاضبة.. غاضبة على نحو أخافني.
سمعنا صوتها بوضوح
كم مرة قلت لك ألا تتصل بجدك؟
ظهر صوت علي الصغير من بعيد
كنت أريد أن أطمئن عليه فقط.
صرخت فيه
لا أريد سماع اسمه مرة أخرى.
ساد الصمت داخل الغرفة.
أما أحمد فبدا وكأنه لم يصدق ما سمعه.
أكمل التسجيل.
ظهر علي واقفًا قرب الحائط ورأسه منخفض.
بينما كانت زينب تشير إليه بإصبعها.
ستجلس هنا حتى تتعلم الطاعة.
لكنني لم أفعل شيئًا.
اجلس.
ثم انقطع الصوت لثوانٍ وبقيت الكاميرا تسجل.
علي جالس وحده الدقائق تمر.
ولا أحد يتحدث معه ولا أحد يقترب منه.
مرت عشر دقائق ثم عشرون ثم أكثر.
حتى شعرت بالاختناق وأنا أشاهد كان طفلًا صغيرًا.
يجلس وحده في زاوية الغرفة كأن وجوده عقوبة بحد ذاته.
ثم عادت زينب إلى الصورة وانحنت نحوه.
وقالت بصوت منخفض لكنه واضح
وإذا أخبرت أحدًا بما يحدث هنا...
فلن يعجبك ما سأفعله تجمدت يدي حول الهاتف.
وشعرت بأن مريم تشد طرف ثوبي بقوة.
أما علي فأغلق عينيه.
كأنه لا يريد رؤية المشهد مرة أخرى انتهى التسجيل.
وساد صمت ثقيل صمت لم يقطعه أحد.
رفعت رأسي ببطء ونظرت إلى أحمد.
كان ما يزال يحدق في الشاشة.
وجهه شاحب وعيناه معلقتان بالمقطع
ثم قال أخيرًا بصوت خافت ومضطرب
هذا... هذا لا يمكن أن يكون كل الحقيقة.
لكن حتى وهو يقولها...
بدا كأنه يحاول إقناع نفسه أكثر مما يحاول إقناعنا.
وللمرة الأولى منذ دخلت ذلك المنزل...
رأيت الشك يتسلل إلى عيني ابني.
ظل أحمد يحدق في شاشة الهاتف لوقت أطول مما ينبغي، وكأنه ينتظر أن يتحرك المشهد من جديد أو أن يظهر تفصيل خفي يغير معنى ما شاهده قبل لحظات، لكن التسجيل انتهى بالفعل، ولم يبقَ أمامه سوى ذلك الصمت الثقيل الذي خيم على الغرفة حتى بدا وكأنه جدار غير مرئي يفصل كل واحد منا عن الآخر.
أما زينب فكانت تقف قرب الباب وقد شبكت أصابعها بقوة حتى ابيضت مفاصل يديها، بينما راحت نظراتها تتنقل بين وجوهنا بسرعة واضحة، وكأنها تحاول قياس حجم الضرر الذي سببه ذلك المقطع القصير، أو تبحث عن طريقة تعيد بها السيطرة على موقف بدأ يخرج من بين يديها تدريجيًا.
ثم قالت أخيرًا بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا
لقد شاهدتم دقيقة واحدة فقط.
لم يجبها أحد.
فأكملت بسرعة أكبر
لا يمكن الحكم على إنسان من مقطع قصير لا يُظهر كل ما حدث قبله.
رفعت عيني إليها.
وظللت أنظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم قلت بهدوء جعلها تتوتر أكثر
وأنا لم أحكم بعد.
ساد الصمت.
ثم رفعت الهاتف قليلًا.
وأضفت
ولهذا السبب سأشاهد البقية.
رأيت القلق يمر في عينيها كوميض خاطف.
وكان ذلك وحده كافيًا.
لأن الإنسان البريء يخاف الاتهام.
أما الإنسان المذنب...
فيخاف الحقيقة.
مددت إصبعي نحو الشاشة.
وضغطت على التسجيل التالي.
ظهرت الصورة هذه المرة أكثر وضوحًا.
وكانت الكاميرا موضوعة في مستوى منخفض قريب من الأرض.
ربما أسفل خزانة صغيرة.
أو خلف صندوق ألعاب.
لم أكن متأكدًا.
لكن زاوية التصوير كانت كافية لإظهار معظم غرفة الأطفال.
بدت الغرفة هادئة في البداية.
ثم ظهر علي.
كان يجلس على طرف
ورأسه منخفض.
وبين يديه ورقة مطوية بعناية.
اقترب قليلًا.
ثم فتحها.
وعرفت فورًا أنها صورة.
ظل ينظر إليها عدة ثوانٍ.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة.
وقال بصوت خافت
اشتقت إليكِ يا أمي.. إنها تجبرني على مناداتها أمي.
شعرت بأن مريم تشهق بجواري.
أما أحمد فرفع رأسه فجأة.
وكأنه لم يكن يتوقع سماع تلك الكلمات.
استمر التسجيل.
وبعد ثوانٍ فقط انفتح الباب بقوة.
ودخلت زينب.
توقفت فور أن رأت الصورة.
وتغير وجهها بالكامل.
اختفت الابتسامة الهادئة التي اعتادت إظهارها أمام الجميع.
وحل محلها غضب بارد أخافني أكثر من الصراخ نفسه.
تقدمت نحو علي.
وقالت
من أين أخرجت هذه؟
رفع الصورة قليلًا.
وقال
وجدتها في الصندوق.
ألم أقل لك أن تتخلص من هذه الأشياء؟
لكنها صورة أمي.
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت بحدة أكبر
أعطني إياها.
هز رأسه رافضًا.
وضم الصورة إلى صدره.
وكأنه يخشى أن تُنتزع منه.
اقتربت منه أكثر.
ثم مدت يدها فجأة.
اختفت الحركة جزئيًا خارج زاوية التصوير.
لكن الصوت كان واضحًا.
صوت شد عنيف.
ثم صوت ورق يتمزق.
ثم بكاء طفل.
ارتجفت مريم بجواري.
وأخذت دموعها تنهمر من جديد.
أما أحمد فظل يحدق في الشاشة دون أن يرمش.
ظهر علي وهو يحاول جمع أجزاء الصورة الممزقة من فوق الأرض.
لكن زينب ركلت بعضها بعيدًا بقدمها.
ثم قالت ببرود
قلت لك ألف مرة إن أمك ماتت ولن تعود أبدا.
لكنها أمي.
وأنا لا أريد سماع هذه الكلمة مرة أخرى.
انتهى التسجيل فجأة.
وساد الصمت.
هذه المرة كان الصمت أثقل من السابق.
لأن الجميع أدرك أن ما شاهدناه لم يكن مجرد انفعال عابر.
بل سلوك متكرر.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى أحمد.
كان ما يزال شاحب الوجه.
لكنه قال أخيرًا
ربما فقدت أعصابها فقط.
التفت نحوه ولم أقل شيئًا.
أما مريم ففعلت. رفعت رأسها الصغير وقالت بصوت مرتجف
لم تكن مرة واحدة.
نظر إليها
وقال
ماذا تقصدين؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم قالت
كانت تفعل ذلك دائمًا.
ماذا؟
تمزق صور أمي.. تمد يدها علينا دائما.
مريم...
قالتها زينب بسرعة.
لكن الطفلة أكملت وكأنها لم تسمعها.
وكلما بكينا بصوت مرتفع كانت تغضب.
بدأ وجه أحمد يتغير ببطء.
أما أنا فمددت يدي إلى الهاتف مرة أخرى.
لأنني كنت أعلم أن الحقيقة لم تنته بعد.
ضغطت على التسجيل التالي.
ومنذ اللحظة الأولى شعرت بأن شيئًا سيئًا سيظهر.
كانت الكاميرا هذه المرة في غرفة الطعام.
ويبدو أن علي ترك السيارة أسفل الطاولة دون أن يلاحظها أحد.
ظهر الطفل جالسًا على كرسي صغير.
وكان يتناول طعامه بصمت.
ثم دخلت زينب وتوقفت أمامه وقالت
هل اتصلت بجدك اليوم؟
رفع رأسه.
وقال
لا.
كاذب.
أقسم أنني لم أفعل.
اقتربت منه خطوة.
ثم خطوة أخرى.
وكان الغضب يزداد في ملامحها تدريجيًا.
أخبرتك أن تبتعد عنه.
لكنه جدي.
ساد الصمت ثانية واحدة.
ثم تحرك ذراعها بسرعة.
وارتفع صوت صفعة قوية داخل التسجيل.
شهقت مريم.
أما أحمد فانتفض واقفًا من مكانه.
لكن التسجيل لم يتوقف.
ظهر علي وهو يضع يده على خده وعيناه ممتلئتان بالدموع.
ثم قال بصوت مكسور
أنا لم أفعل شيئًا.
فصرخت فيه
اصمت.
ثم أمسكت ذراعه بعنف.
ودفعته إلى الخلف حتى ارتطم جسده الصغير بحافة الكرسي.
وتأوه من الألم.
في تلك اللحظة ظهر صوت مريم كانت تبكي.
وتقول
اتركيه. أرجوك اتركيه.
لكن زينب التفتت نحوها بغضب أكبر.
ثم أمسكتها من ذراعها وسحبتها بقوة خارج زاوية التصوير.
واستمر صوت بكاء الطفلة لعدة ثوانٍ طويلة.
شعرت بأن الدم يغلي في عروقي.
أما أحمد...
فلم يعد ينظر إلى زوجته بل كان ينظر إلى الشاشة فقط.
وكأنه يشاهد شخصًا غريبًا لا يعرفه.
ثم سمعنا صوت زينب بوضوح
إذا أخبرتما أباكما بأي شيء...
فسأجعلكما تندمان على ذلك.
وانتهى التسجيل.
هذه المرة لم يحاول أحمد
لم يقل إنها كانت غاضبة.
ولم يقل إن هناك تفسيرًا آخر بل ظل واقفًا في مكانه.
وعيناه معلقتان بالشاشة السوداء.
ثم نظر ببطء إلى الطفلين.
وقال بصوت مبحوح
هل حدث هذا أكثر من مرة؟
نظر علي إلى الأرض أما مريم فمسحت
متابعة القراءة