اتصل بي حفيدي ليلة العيد وهمس

لمحة نيوز

دموعها.
ثم قالت
كثيرًا.
عندما نبكي على أمي.
عندما نذكر اسمها.
عندما نطلب رؤية صورها.
ثم ضمت إحدى الصور القديمة إلى صدرها بقوة.
ونظرت إلى أحمد مباشرة.
وقالت الجملة التي جعلت الغرفة كلها تغرق في صمت مطبق
كنا نخاف أن نخبرك.
لأنها كانت تضربنا دائمًا عندما لا تكون في البيت.
بقي أحمد ينظر إلى ابنته لثوانٍ طويلة دون أن يتحرك، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا أطول من المعتاد حتى تصل إلى عقله وتستقر داخله.
ثم التفت نحو علي.
كان الصبي ما يزال متكئًا على كتفي، ووجهه شاحب بصورة مؤلمة، بينما تجنب النظر إلى والده كأنه يخشى رد فعله أكثر من أي شيء آخر.
قال أحمد أخيرًا بصوت مبحوح
علي... هل هذا صحيح؟
ابتلع الصبي ريقه بصعوبة.
ثم هز رأسه ببطء.
لم تكن حركة كبيرة.
لكنها كانت كافية لتحطم آخر ما تبقى من يقين داخل قلب أبيه.
تراجع أحمد خطوة إلى الخلف.
ثم جلس على طرف السرير وكأنه فقد فجأة القدرة على الوقوف.
أما زينب فبادرت قائلة بسرعة
إنهما طفلان.
الأطفال يبالغون أحيانًا.
وأنت تعرف كم كانا متعلقين بوالدتهما.
لكن أحدًا لم ينظر إليها.
وأدركت للمرة الأولى أن الكلمات التي كانت تنجح سابقًا لم تعد تجد من يصدقها.
مددت يدي إلى الهاتف مرة أخرى.
كنت أظن أن الحقيقة انتهت.
لكن شيئًا ما جعلني أفتح المجلد الأخير الموجود على بطاقة الذاكرة.
كان هناك تسجيل واحد فقط.
تاريخه يعود إلى الليلة السابقة.
ضغطت عليه.
فظهرت الصورة مهتزة للحظات.
ثم استقرت داخل المطبخ.
لم يكن أحد ظاهرًا في البداية.
لكن الأصوات كانت واضحة.
وفجأة دخلت زينب إلى المشهد
كانت تقف أمام منضدة المطبخ.
وبيدها كوبان من العصير. شعرت بأن نبضي يتسارع.
ظهر صوتها بعد لحظات.
وكان هادئًا بصورة غريبة.
قالت
بعد نصف ساعة سيكونان نائمين.
ثم سمعنا صوت امرأة أخرى.
ربما إحدى قريباتها.
تسألها باستغراب
هل تضعين الدواء لهما مرة أخرى؟
ضحكت زينب ضحكة قصيرة.
ثم قالت
وإلا كيف سأحصل على بعض الهدوء؟
لا تقلقي.
إنها مجرد حبة منومة خفيفة.
لن يحدث لهما شيء.
شعرت بأن مريم تمسك بطرف ثوبي بقوة أكبر.
أما علي فأغلق عينيه.
بينما ساد صمت ثقيل في الغرفة.
التفت أحمد نحو زوجته ببطء.
وكان وجهه خاليًا من أي تعبير.
ذلك النوع من الوجوه الذي يسبق الانهيار مباشرة.
قال بصوت منخفض
ما هذا؟
فتحت زينب فمها.
ثم أغلقته.
ولم تخرج منه كلمة واحدة.
لكن التسجيل لم ينته بعد.
استمر المشهد.
ثم سمعنا صوت المرأة نفسها تقول
وماذا لو أخبرا والدهما؟
ردت زينب فورًا
لن يفعلا.
إنهما يخافان مني أكثر مما يظنان.
ثم أضافت جملة جعلتني أشعر بأن الغرفة كلها تجمدت حولنا.
قالت
وحتى لو تحدثا...
أحمد لن يصدق شيئًا.
هو لا يرى ما يحدث أمامه أصلًا.
شعرت بأن أحمد توقف عن التنفس للحظة.
أما أنا فلم أنظر إلى الشاشة.
بل نظرت إليه.
لأنني كنت أعلم أن الضربة الحقيقية لم تصب زينب.
بل أصابته هو.
ظل التسجيل يعمل لثوانٍ أخرى.
ثم ظهر علي داخل الصورة كان يقف قرب باب المطبخ.
يبدو أنه لم يكن يعلم أن الكاميرا ما زالت تسجل.
وفجأة التفتت زينب نحوه.
واقتربت منه.
ثم قالت بصوت بارد
إذا اتصلت بجدك مرة أخرى...
فسأخبر أباك أنك تسرق المال من المنزل.
بقي الطفل
صامتًا.
فأكملت
وسأجعله يكرهك.
كما جعلته يبتعد عن جده.
ثم انحنت نحوه أكثر وأضافت
وأصلًا...
لا أبوك يراك.
ولا جدك يحتاجك.
وتوقف التسجيل.
انطفأت الشاشة.
لكن الكلمات بقيت معلقة في الهواء.
كأنها ما زالت تتردد بين الجدران.
لم يتحدث أحد.
ولم يتحرك أحد.
حتى زينب نفسها بدت عاجزة عن الدفاع عن نفسها هذه المرة.
وفجأة حدث شيء لم أتوقعه.
بدأ أحمد بالبكاء.
ليس بصوت مرتفع ولا بانفعال.
بل بذلك البكاء الصامت الذي يخرج عندما يعجز الإنسان عن حمل ما بداخله أكثر.
غطى وجهه بيديه.
وانحنى للأمام.
ثم قال بصوت مكسور
يا الله...
ماذا فعلت؟
في البداية ظننت أنه يتحدث إلى زينب.
لكنني أدركت بعدها أنه كان يتحدث إلى نفسه.
رفع رأسه نحو علي.
وكانت عيناه محمرتين.
وقال
منذ متى؟
لم يجب علي.
فكرر السؤال.
منذ متى يا بني؟
أجاب الصبي بصوت بالكاد سُمع
منذ سنتين تقريبًا.
أغلق أحمد عينيه.
وكأن تلك الإجابة كانت أشد عليه من أي شيء آخر.
سنتان كاملتان.
سنتان من الخوف.
وسنتان من الصمت.
وسنتان من الإشارات التي لم يرها.
قال بصوت مرتجف
ولماذا لم تخبرني؟
نظر علي إلى الأرض.
ثم قال
حاولت.
أكثر من مرة.
لكنها كانت تخبرني أنك ستغضب.
وأنك لن تصدقني.
وأنك ستطردني من البيت إذا اشتكيت.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
وبعد فترة...
صدقتها.
انخفض رأس أحمد أكثر.
وشعرت لأول مرة منذ سنوات أنه عاد يرى نفسه كما هو.
ليس أبًا قويًا.
ولا رجلًا ناجحًا.
بل أبًا غاب طويلًا عن أطفاله وهو يظن أنه يفعل الصواب.
نهض ببطء.
واتجه نحو ابنته.
ثم جثا على ركبتيه أمامها.
وقال
هل كنتِ خائفة
مني أيضًا؟
هزت مريم رأسها.
ثم قالت وهي تبكي
كنا خائفين أن تخسرنا إذا أخبرناك.
عندها لم يتمالك نفسه.
وضمها إلى صدره بقوة.
ثم مد ذراعه الأخرى نحو علي.
وبعد لحظات قليلة كان الطفلان يبكيان بين ذراعيه.
أما زينب فكانت تقف قرب الباب.
وحيدة.
للمرة الأولى منذ عرفتها.
لا تملك حجة.
ولا تملك كذبة.
ولا تملك شخصًا يصدقها.
وبعد دقائق طويلة من الصمت.
رفع أحمد رأسه.
ونظر إليها.
ثم قال جملة واحدة فقط
انتهى الأمر.
شحب وجهها فورًا.
وقالت
أحمد...
لكنه قاطعها.
انتهى.
ليس الليلة فقط.
بل منذ اللحظة التي جعلتِ فيها أطفالي يخافون من أبيهم.
ولم يحاول سماع شيء بعدها.
في تلك الليلة خرج الطفلان معي إلى منزلي.
أما أحمد فبقي هناك حتى الصباح يرتب ما تبقى من حياته.
وبعد أشهر قليلة انتهى الزواج رسميًا.
ولم يحاول أحد إقناع الأطفال بالعودة.
لأن الجميع عرف الحقيقة أخيرًا.
مرت سنة كاملة بعد تلك الليلة.
وجاء العيد من جديد.
وكانت رائحة الدولمة واللحم المشوي تملأ المنزل كما كانت دائمًا.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.
هذه المرة لم يكن هناك طفل يبكي خلف باب مغلق.
ولم يكن هناك أحد يخاف من قول الحقيقة.
كانت مريم تضحك في المطبخ.
وكان علي يساعد والده في ترتيب المائدة.
أما أحمد فكان يراقبهما بصمت بين الحين والآخر.
كأنه ما زال يحاول تعويض كل لحظة ضاعت منه.
وعندما اكتمل كل شيء جلسنا حول المائدة.
ورفعت عيني نحو الجدار المقابل.
هناك.
في المكان الذي أزيلت منه الصور يومًا.
كانت صورة أمهما معلقة من جديد.
ابتسامتها الهادئة تملأ الغرفة.
وتشبه
تمامًا الابتسامة التي كانت ترتسم على وجهي الطفلين وهما يضحكان.
ظللت أنظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم شعرت بشيء لم أشعر به منذ سنوات.
شعرت أن هذا البيت عاد أخيرًا بيتًا.
وأن أبناءها...
عادوا أخيرًا إلى المنزل.

تم نسخ الرابط