لما حماتي مسكت الكرسي اللي كنت قاعدة عليه وأنا في الشهر السابع
بعد مرور ثلاثة أشهر على ذلك الشجار، كانت مريم تجلس في الحمام وبيدها جهاز فحص الحمل. ظهر الخطان بوضوح شديد حتى شعرت أن الهواء هرب من رئتيها.
لم تبكِ دموع فرح، ولا دموع خوف. جلست مكانها بلا حراك، كمن أشعل أحدهم الضوء فجأة في غرفة مظلمة لم تكن تريد النظر إليها.
طرقت الحاجة إلهام الباب بقوة وهي تصرخ ماذا تفعلين بالداخل؟ هل تختبئين حتى لا تساعدينا؟
فتحت مريم الباب وأرتها جهاز الفحص قائلة أنا حامل.
صرخت أم زوجها بأعلى صوتها حتى أن الجيران لا بد وأنهم سمعوها حفيدي! أخيراً سيكون لهذا البيت وريث!
أنزلت مريم يدها وقالت ما زال الوقت مبكراً جداً، لا داعي للضجة.
لكن الحاجة إلهام كانت قد بدأت بالفعل بالاتصال بنصف معارفها. وفي تلك الليلة، نظر عمر إلى جهاز الفحص الموضوع على الطاولة وقال أنا سعيد، أخيراً ستتوقف والدتي عن إزعاجنا.
شعرت مريم بوخزة حزن وسألته هل هذا كل ما يعنيه الأمر بالنسبة لك؟
سكت عمر قليلاً ثم قال لا نخلط الأمور، هذا الطفل لا يعني أن هناك حباً بيننا.
أجابته دون أن ترمش لا تقلق، أنا أيضاً لا أحتاج حبك، كل ما أحتاجه منك هو أن تكون أباً حقيقياً.
لعدة أسابيع، بدا أن الهدوء قد حل في البيت. كانت الحاجة إلهام تحضر لها العصائر، وتسألها عن وحامها، بل وتتظاهر بالحنون
كزّت مريم على أسنانها وواصلت عملها في دائرتها، وتكفلت بدفع مصاريفها الخاصة، واعتنت بحملها بمفردها.
ثم عادت زينب إلى بغداد. انتشر الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي مطلقة، أنيقة، مبتسمة، ومتاحة من جديد. بدأ عمر يهتم بمظهره وهندامه أكثر، ويضع عطوراً جديدة، ويتفقد هاتفه في الخفاء. وفي أحد الأيام، لمحت مريم رسالة تضيء على شاشته
هل ما زلت تذكر المقهى الذي كنا نذهب إليه؟
قرأت مريم الرسالة بصوت عالٍ يا له من اجتماع عمل مليء بالاهتمام! حتى أنها تتذكر مقهاكم القديم.
خطف عمر الهاتف من يدها بغضب لا تتدخلي في شؤوني!
فردت لم أتدخل، الشاشة أضاءت وحدها.
استغلت الحاجة إلهام الفرصة لتهاجم إذا كان الرجل ينظر إلى الخارج، فذلك لأنه لا يجد الدلال والاهتمام في بيته. زينب كانت ناعمة ولطيفة، وليست كبعض الناس الذين قلوبهم كالحجر.
وضعت مريم شوكتها على الصحن وقالت إذن اذهبي إليها وتوسليها لتعود، على الرغم من أنني أذكر أنها فضلت الزواج من رجل غني وتركته من قبل.
ضرب عمر الطاولة بيده صائحاً كفى!
فقالت مريم لا، بل كفى منكم أنتم!
بعد يومين، وجدت مريم عمر يجلس على السرير وهو محطم تماماً، وكان الهاتف مفتوحاً على رسالة أرسلتها له زينب لتوها
عمر، لا تبحث عني بعد الآن. ما كان بيننا انتهى منذ سنوات. طلاقي لا يعني أبداً أنني أريد العودة إليك.
شعرت مريم بمزيج غريب من الشماتة والشفقة وقالت يبدو أن الباب قد صُفع في وجهك مجدداً.
غطى عمر وجهه بيده وقال أنا متعب يا مريم. متعب من أمي، ومن زينب، ومنكِ، ومن نفسي. ألا يمكننا العيش بسلام حتى لو كنا لا نحب بعضنا؟
نظرت إليه ببرود وقالت لا أحد يطلب السلام بعد أن يشعل النار في البيت.
منذ ذلك الوقت، تغير عمر قليلاً. أصبح قليل الكلام، وبدأ يساعد أكثر، وبدا عليه الخجل مما جرى. لكن الحاجة إلهام أصبحت أسوأ، وكأنها تلوم مريم لأنها أفقدتها السيطرة على ابنها.
عندما دخلت مريم شهرها السابع، حان موعد الذكرى السنوية لوفاة والد عمر. نظمت الحاجة إلهام مأدبة غداء ضخمة، ودعت إليها ما يقارب ثلاثين شخصاً من الأقارب.
منذ الساعة السادسة صباحاً، كانت مريم واقفة على قدميها، وتتلقى الأوامر اغسلي الخضار، حركي القدر، قدمي الماء، سخني الخبز، اكنسي الحوش.
حاول عمر التدخل وقال أمي، مريم لا تستطيع الوقوف
فردت بغضب أوه، لا تكن رجلاً ضعيفاً وتخاف من زوجتك. النساء في زمني كنّ يتحملن الصعاب، وها أنا واقفة على قدمي.
شعرت مريم بأن ساقيها تحولتا إلى حجر. وفي منتصف النهار، جلست على كرسي بلاستيكي لتستريح خمس دقائق فقط، فخرجت الحاجة إلهام إليها كالعاصفة
انظروا إليها! الجميع يعمل والهانم ترتاح كأنها ملكة. يا لها من كنة مخزية!
رفعت مريم رأسها وقالت أنا واقفة على قدمي منذ الفجر. أنا حامل ولست خادمة عندكِ.
ساد الصمت في الحوش. تقدمت الحاجة إلهام نحوها وهي ترتجف من الغضب، وصفعتها على وجهها بقوة حتى دار رأسها
احترميني يا قليلة الأدب.
وضعت مريم يدها على خدها، وشعرت بشيء ينكسر في داخلها. وقفت بقوة، ودفعت أقرب طاولة إليها، لتسقط الصحون على الأرض وتتحطم بصوت مدوٍ. صرخ الضيوف، وركض عمر من مدخل البيت صائحاً
مريم!
لكن قبل أن يلمسها، شعرت بألم ممزق وعنيف في بطنها. انحنت وهي شاحبة الوجه، وتمسكت ببطنها قائلة
طفلي... عمر... أنا متألمة جداً...
وفي اللحظة التي أدرك فيها الجميع أن الأمر لم يعد مجرد شجار عائلي، سقطت مريم فاقدة الوعي على الأرض الباردة.
حملها عمر بين ذراعيه بأقصى ما يستطيع، وكان قميصه ملطخاً بالطعام ويداه ترتجفان بشدة. كانت مريم بالكاد تفتح عينيها. وتحول