بعتلي جوزي رسالة بيقولي فيها إنه لسه في الشغل

لمحة نيوز

أول ما بصيت على الورقة اللي حطتها قدامي، كنت مستنية أشوف كلمة طلاق أو دعوى، أو أي حاجة، لكن اللي شوفته خلّى الدم يتسحب من وشي في ثانية، لأن أعلى الورقة كان مكتوب بخط واضح المستفيد بعد وفاة هدى المنصور. فضلت أبص على اسمي كذا مرة، يمكن أكون فاهمة غلط، يمكن الورقة دي مش بتاعتي، لكن لا... الاسم اسمي، والرقم رقمي، وكل حاجة بتقول إن الورقة دي بتتكلم عني أنا.
الكوباية وقعت من إيدي واتكسرت على الأرض، وصوتها كان المفروض يهز المطعم كله، لكن والله العظيم أنا ما سمعتش غير صوت دقات قلبي وهي بتخبط في صدري، وفي اللحظة دي أحمد اتكلم لأول مرة، وصوته ماكانش فيه ثقة الراجل اللي كان من شوية بيضحك، كان بيترعش وهو بيقول إيه ده؟ يعني إيه الكلام ده؟ لكن الست اللي لابسة البدلة السودة ما اتهزش فيها رمش، وبصتله بمنتهى البرود وقالت ده تحقيق في قضية تزوير أوراق رسمية، وانتحال بيانات، ومحاولة صرف مبلغ تأمين على الحياة بعد التبليغ كذبًا عن وفاة زوجتك.
الست الحامل حطت إيديها على بطنها وبصت له بذهول، وقالت بصوت مخنوق أحمد... هي بتقول إيه؟ لكنه ما بصشلهاش، ولا حتى حاول يطمنها، كل اللي عمله إنه رفع عينه وبصلي، ولأول مرة من شهور ما شفتش في عينيه الضيق ولا الملل ولا البرود اللي كنت كل يوم بموت بسببه، شفت خوف... خوف حقيقي، خوف واحد اتكشف خلاص ومبقاش عارف يكدب كدبة جديدة ينقذ بيها نفسه.
وقتها عمر وقف جنبي بهدوء، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين، وقال بصوت واطي لكنه وصل لكل واحد في المطعم ده معناه إن جوزك ماكانش بيخونك بس يا هدى... ده كان بيرتب اليوم اللي يموتك

فيه، علشان يبقى هو المستفيد الوحيد من كل حاجة. والله العظيم حسيت إن المكان كله سكت، لا مزيكا، ولا صوت شوك وسكاكين، ولا حتى همس، وكل اللي كانوا قاعدين بقوا يبصوا علينا من طرف عينهم، كأنهم قدام فيلم، وأنا الوحيدة اللي عارفة إن اللي بيحصل ده حياتي بجد.
قربت مني الست وقالت بهدوء حضرتك الأستاذة هدى المنصور؟ هزيت راسي وأنا مش قادرة أتكلم، فقالت أنا المحققة أمل كامل، ومحتاجة حضرتك تيجي معانا علشان في شوية إجراءات. سألتها وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني هو... أنا مقبوض عليا؟ فبصتلي نظرة كلها طمأنة وقالت لا يا مدام هدى، بالعكس... وجودك عايشة لحد اللحظة دي هو اللي بوظ الخطة كلها.
أحمد قام مرة واحدة وهو بيخبط الكرسي برجله وقال بعصبية الكلام ده هبل... إنتوا فاهمين غلط. لكن واحد من الظباط قرب منه وقال بلهجة حاسمة اقعد مكانك. فرد أحمد بسرعة أنا محامي، وعارف القانون كويس. فقلبت المحققة ورقة تانية من الملف، وقالت وهي بتبصله مباشرة يبقى أكيد عارف إن استخراج بوليصة تأمين باسم مراتك، وتزوير تقارير ومستندات، والتبليغ عن وفاتها وهي لسه عايشة، دي مش مخالفة إدارية... دي جناية كاملة.
في اللحظة دي الست الحامل انفجرت في العياط، وبصت له وهي بتهز راسها بعدم تصديق وقالت بس إنت قلتلي إنك منفصل من زمان... وإن مراتك بقت مجرد ورق. ماعرفتش أمنع نفسي، وطلعت مني ضحكة مرة، الضحكة اللي بتطلع من كتر الوجع، وقلت وأنا ببص لها وأنا بعتلي من عشر دقايق رسالة بيقولي فيها إنه لسه في الشغل، وبيعتذر إنه اتأخر عليا.
قفل أحمد عينيه وكأنه بيحاول يهرب من كل اللي بيحصل، وقال
بصوت مكسور هدى... اسمعيني. لكني قاطعته قبل ما يكمل، وقلتله وأنا حاسة إن كل حرف بيطلع من قلبي ما تنطقش اسمي... الاسم ده ما بقاش من حقك.

زقت المحققة الملف ناحيتي، وإيدي كانت بتترعش وأنا بقلب الورق، لقيت بطاقتي، وشهادة ميلادي، وتوقيع باسمي، وبعدها الورقة اللي خلت الدنيا تلف بيا... شهادة وفاة باسمي أنا، مختومة وممهورة وكأنها حقيقية، وبعدها بوليصة تأمين مكتوب فيها إن المستفيد الأول هو أحمد. رفعت عيني ناحية المحققة وسألتها بصوت يكاد ما يطلعش هو... كان ناوي يقبض كام مقابل موتي؟
ماحدش رد، غير عمر، اللي قال بهدوء غريب خمسة مليون دولار.
ساعتها والله العظيم ما افتكرتش إنه كان حاطط إيده على بطن الست الحامل، ولا افتكرت إنه كان بيبصلها بحنية، افتكرت كل مرة كنت بصحى قبل الشغل أعمله فطار، وكل مرة استنيته بالساعات علشان ناكل سوا، وكل مرة كنت أشتريله هدية من فلوسي وأنا فرحانة بابتسامته، افتكرت يوم جوازنا، والدبلة اللي لسه في صباعي، والدعوات اللي كنت بدعيهاله في كل صلاة... كل الذكريات دي، وكل الحب ده، كان تمنه عنده خمسة مليون دولار وبس.
بصيت لعمر وسألته وأنا لسه مش مستوعبة إنت مين؟ فسكت لحظة، وبعدين قال وهو مثبت عينه في أحمد أنا أخو أول ست حاول يعمل معاها نفس اللي كان بيحضره معاكي.
أول ما سمعته، الست الحامل شهقت وقالت بعدم تصديق أول ست؟! وفي نفس اللحظة أحمد صرخ فيه بعصبية اسكت يا عمر. وساعتها، من غير ما حد يقول كلمة زيادة، عرفنا كلنا إن اللي عمر بيقوله حقيقة، وإن اللي كنت فاكراه أول جريمة في حياة أحمد، ماكانش أول حاجة عملها... كان مجرد
مسلسل بيعيده مع ضحية جديدة.

بعدها المحققة أمل طلبت مننا ندخل واحد ورا التاني علشان ندي أقوالنا، واللي كنت فاكرة إنه هيخلص في نص ساعة، خد ساعات طويلة، أسئلة ورا أسئلة، تواريخ، رسائل، تحويلات، كشف حساب، وصور، وكل شوية كانت ترجع تسألني نفس السؤال بطريقة مختلفة، وأنا كنت برد وكأني بحكي حكاية واحدة عشتها ألف مرة، وفي الآخر سلمتها موبايلي، لأن كل حاجة كانت عليه، كل كدبة قالهالي، وكل رسالة كنت بصدقها من غير ما أشك فيه يوم، وحشتيني، لسه في الشغل، الاجتماع طول، استنيني متناميش غير وأنا جاي، وكل كلمة حب كتبها بإيده كانت متسجلة قدامهم، جنب صور عيد جوازنا، وإيصال حجز المطعم، والفاتورة اللي دفعتها وأنا فرحانة إني هفاجئه في الليلة اللي كنت فاكرة إنها هترجع بينا زي الأول.
فضلنا هناك لحد ما الساعة قربت من أربعة الفجر، وبعدها المحققة خرجت وسلمتني قرار حماية، وقالتلي بهدوء إن أحمد من اللحظة دي ممنوع يقرب مني، أو من شقتي، أو شغلي، أو حتى يحاول يتواصل معايا بأي طريقة، ومسكت الورقة بإيدي وأنا حاسة إنها أول مرة من شهور حد بيحاول يحميني، بعد ما كنت فاكرة إن الراجل اللي اتجوزته هو أكتر واحد هيخاف عليا، واكتشفت إنه كان أكتر واحد لازم أخاف منه.
بعدها بدقايق خرجت زينة، وشها كان أصفر، وعينيها وارمين من كتر العياط، وكانت حاطة إيدها على بطنها كأنها بتحاول تطمن طفل مالوش ذنب في أي حاجة، وقربت مني وقالت بصوت مكسور يا هدى... فرفعت إيدي أوقفها قبل ما تكمل، وقلت لها لو جاية تطلبي مني أسامحك... بلاش. هزت راسها بسرعة وقالت وهي بالعافية طالعة الكلام لا... والله
ما كنت جاية أطلب منك تسامحيني... أنا جاية

تم نسخ الرابط