بعتلي جوزي رسالة بيقولي فيها إنه لسه في الشغل
من زمان، وإنه نفسه يبقى أب، وإنه أول ما يخلص شوية إجراءات هيعيشوا مع بعض، وقالت إنه اشترى سرير صغير للبيبي، وكان كل يوم يحط إيده على بطنها ويكلمه ويضحك، نفس الحنية، نفس الكلام، نفس الوش اللي كنت بصدقه وأنا فاكرة نفسي سته الوحيدة.
وبعدين قالت وهي بتبص في الأرض طلب مني أمضي شوية ورق، وقال دي إجراءات تأمين صحي علشان الولادة، وأنا مضيت من غير ما أقرأ. غمضت عيني، وحسيت كأن حد بيوجعني من جوا، وقلت لها وأنا كمان... مضيت قبلك، ومن غير ما أقرأ.
سكتنا بعدها، وماكانش بينا أي كلام، لأن الحقيقة كانت أوضح من أي جملة، إحنا ماكناش ستين بيتخانقوا على راجل، إحنا كنا اتنين وقعوا في نفس الفخ، وكل واحدة فينا كانت ماسكة جزء من الحقيقة.
ومن اليوم ده، عملنا الحاجة الوحيدة اللي أحمد ما توقعهاش أبداً... اتكلمنا، وطلعنا كل اللي معانا، أنا جبت الرسائل والإيميلات القديمة، وصور المستندات اللي كان فاكر إنه مسحها، وزينة طلعت تسجيلات بصوته، وهو بيقول لها هدى قريب هتختفي من حياتنا. وعمر رجع فتح ملف أخته دينا من أول وجديد، والمحققة أمل كانت بتجمع كل الخيوط واحدة واحدة، ومع كل ورقة كانت الصورة بتكبر، والقضية ما بقتش قضية خيانة ولا نصب، بقت سلسلة كاملة من الجرائم.
لكن كل ما الحقيقة كانت بتقرب، الخطر كان بيقرب هو كمان.
في ليلة وأنا راجعة شقتي، لقيت ورقة مدسوسة من تحت الباب، فتحتها، وماكانش فيها غير سطر واحد الأفضل ليكي تفضلي ساكتة. ماكانش فيها اسم، ولا توقيع، ولا أي حاجة تدل مين اللي بعتها، لكن أنا ماكنتش محتاجة أعرف، لأن الرسالة وصلت.
في نفس اللحظة كلمت المحققة أمل، وبعدها كلمت أختي
والغريب، إن أحمد في نفس الوقت نزل بيان على السوشيال ميديا، بيقول فيه إنه بيمر بظروف عائلية صعبة، وإنه واثق إن الحقيقة هتظهر قريب، والناس صدقته، طبعًا صدقته، لأنهم كانوا شايفين الراجل اللي بيتبرع للجمعيات، وبيتكلم عن الأخلاق، وبيبتسم في الصور، ومحدش فيهم كان يعرف إن أسهل حاجة في الدنيا إن الوحش يلبس بدلة شيك، ويحجز ترابيزة في أفخم مطعم، ويتكلم عن القيم وهو في نفس الوقت بيخطط يبيع أقرب الناس ليه مقابل مبلغ تأمين.
أول حاجة عملتها بعد ما ورق الطلاق خلص، إني قلعت الدبلة من صباعي، فضلت أبصلها شوية، وأنا فاكرة اليوم اللي لبسهالي فيه، والوعود اللي قالها وهو بيبص في عيني، وقتها كنت فاكرة إن الخاتم ده أمان، وإنه هيفضل شاهد على عمر كامل هنعيشه سوا، لكن في الآخر طلع مجرد دايرة دهب، مالهاش أي قيمة قدام الحقيقة، حطيته في كيس قطيفة صغير، وما فكرتش أرجعه لأحمد، بعته، والفلوس اللي جت منه كانت أول فلوس أصرفها على نفسي من غير ما أستأذنه ولا أحسب حساب رأيه، دفعت بيها جلسات العلاج النفسي اللي كنت محتاجاها علشان أعرف أنام من غير كوابيس، وغيرت أقفال الشقة كلها، وكمان أخدت أختي مريم على مطعم شيك، وطلبنا أغلى أكل في المنيو، والغريب إن ولا واحدة فينا كانت جعانة، لكننا كنا محتاجين نحس إن في يوم في حياتنا اتعمل علشان نفرح، حتى لو الفرحة كانت صغيرة.
وسط الأكل، بصتلي مريم وقالت وهي مبتسمة قوليلي بقى... إنتِ بقيتي كويسة؟
بعدها بكام أسبوع، كلمني عمر، وقالي إن زينة ولدت، ما روحتش المستشفى يومها، كنت لسه محتاجة مسافة بيني وبين كل اللي حصل، لكن بعد تلات أيام روحت أشوفها، ولما دخلت الأوضة، لقيتها شايلة طفل صغير قوي، ملامحه هادية، وإيده الصغيرة مقفولة كأنها ماسكة الدنيا كلها، أول ما شفته حسيت إنه مالوش أي ذنب في اللي أبوه عمله.
ابتسمت زينة وسط دموعها وقالت سميته غيث... وما سميتوش أحمد. ابتسمت لأول مرة من قلبي، وقلت لها أحسن قرار خدتيه. ضحكنا إحنا الاتنين، وبعدها من غير ما نحس، لقينا دموعنا نازلة، لأنها ما كانتش دموع على راجل ضيعنا، كانت دموع على العمر اللي ضاع وإحنا بنصدق واحد ما عرفش يحب غير نفسه.
بصتلي زينة بعد شوية وقالت لو تقدري... سامحيني. سكت شوية، لأن في زمان كنت هقول مستحيل، لكن الحياة علمتني إن التسامح مش معناه النسيان، فقلت لها بهدوء يمكن مقدرش أسامح على كل حاجة، لكن كمان مقدرش أفضل شايلة كره ليكي طول عمري، إنتِ كنتِ ضحية زَيّي.
هزت راسها وهي بتمسح دموعها وقالت الكلمة دي كفاية.
أما دينا، فقررت تعمل مكان يساعد أي ست تتعرض لنفس اللي اتعرضناله، وكنت بروح أساعدها كل يوم سبت، مش علشان أبقى بطلة، ولا علشان الناس تقول عليا قوية، لكن لأني اكتشفت إن الوجع لما
وهناك سمعت حكايات تخلي قصتي نفسها تهون، ستات خسروا بيوتهم، وستات مضوا على قروض باسمهم، وستات ضيعوا عمرهم كله لأنهم افتكروا إن الحب معناه تمضي من غير ما تقري، وكنت كل مرة أقول لهم نفس الجملة الراجل اللي يحبك، عمره ما يطلب منك تمضي على ورقة وإنتِ مش فاهمة فيها كلمة.
وبعد سنة كاملة، كنت ماشية في نفس المنطقة اللي بدأت فيها حكايتي، المطر بينزل بهدوء، والهوا بارد، وقفت وطلعت موبايلي، ولقيت لقطة الشاشة اللي احتفظت بيها من يومها، الرسالة اللي كتب فيها أنا لسه في الشغل... وكل سنة وإنتِ حبيبتي.
زمان كانت الرسالة دي بتخليني أرتعش.
المرة دي... بصيت لها دقيقة، وضغطت على زر الحذف.
ولا دمعة نزلت.
ولا إيدي اترعشت.
بعدها فتحت الكاميرا، وخدت أول صورة ليا من سنين وأنا لوحدي، من غير دبلة، ومن غير راجل، ومن غير خوف، ونزلتها على صفحتي، وكتبت تحتها كلمتين بس
الحمد لله... أنا لسه عايشة.
وأول تعليق جه كان من عمر، كتب
وعايشة حرة.
قفلت الموبايل، ورجعت بيتي، عملت كباية شاي، وقفلت الباب وراجعت القفل مرة واتنين، بس المرة دي ماكنتش بخاف... كانت مجرد عادة من أيام انتهت.
وقبل ما أنام، افتكرت كوباية العصير اللي كنت عايزة أكسرها على دماغ أحمد في المطعم، وابتسمت بيني وبين نفسي، لأني فهمت متأخر إن الكوباية لو كانت اتكسرت، كان الناس هتنسى اللي حصل بعدها بساعات، لكن محضر القضية، والأوراق اللي فضحت كل جرائمه، هتفضل شاهدة عليه طول عمره.
هو كان فاكر إنه هيكتب شهادة وفاتي بتوقيع مزور، لكن اللي ما حسبوش، إن ربنا
خانة المتوفاة... لكن في خانة الشاهدة اللي فضحت كل حاجة.