بعتلي جوزي رسالة بيقولي فيها إنه لسه في الشغل
المحتويات
تحت عينيها، وشعرها مربوط بسرعة، وكأنها كبرت عشر سنين في كام يوم. بصتلي وقالت شكراً إنك جيتي. فقلت وأنا بدخل أنا ماجتش علشانك... أنا جيت علشان الطفل اللي مالوش ذنب في أي حاجة. هزت راسها وقالت عارفة.
قعدنا في المطبخ، وبدأت تحكي، وكل كلمة كانت بتحكيها كنت حاسة إنها بتحكي حكايتي أنا، قالت إنه قابلها في مؤتمر، وإنه فضل يحكيلها قد إيه مراته بعيدة عنه، وإن حياتهم انتهت من زمان، وإنه نفسه يبقى أب، وإنه أول ما يخلص شوية إجراءات هيعيشوا مع بعض، وقالت إنه اشترى سرير صغير للبيبي، وكان كل يوم يحط إيده على بطنها ويكلمه ويضحك، نفس الحنية، نفس الكلام، نفس الوش اللي كنت بصدقه وأنا فاكرة نفسي سته الوحيدة.
وبعدين قالت وهي بتبص في الأرض طلب مني أمضي شوية ورق، وقال دي إجراءات تأمين صحي علشان الولادة، وأنا مضيت من غير ما أقرأ. غمضت عيني، وحسيت كأن حد بيوجعني من جوا، وقلت لها وأنا كمان... مضيت قبلك، ومن غير ما أقرأ.
سكتنا بعدها، وماكانش بينا أي كلام، لأن الحقيقة كانت أوضح من أي جملة، إحنا ماكناش ستين بيتخانقوا على راجل، إحنا كنا اتنين وقعوا في نفس الفخ، وكل واحدة فينا كانت ماسكة جزء من الحقيقة.
ومن اليوم ده، عملنا الحاجة الوحيدة اللي أحمد ما توقعهاش أبداً... اتكلمنا، وطلعنا كل اللي معانا، أنا جبت الرسائل والإيميلات القديمة، وصور المستندات اللي كان فاكر إنه مسحها، وزينة طلعت تسجيلات بصوته، وهو بيقول لها هدى قريب هتختفي من حياتنا. وعمر رجع فتح ملف أخته دينا من أول وجديد، والمحققة أمل كانت بتجمع كل الخيوط واحدة واحدة، ومع كل ورقة كانت الصورة بتكبر، والقضية
لكن كل ما الحقيقة كانت بتقرب، الخطر كان بيقرب هو كمان.
في ليلة وأنا راجعة شقتي، لقيت ورقة مدسوسة من تحت الباب، فتحتها، وماكانش فيها غير سطر واحد الأفضل ليكي تفضلي ساكتة. ماكانش فيها اسم، ولا توقيع، ولا أي حاجة تدل مين اللي بعتها، لكن أنا ماكنتش محتاجة أعرف، لأن الرسالة وصلت.
في نفس اللحظة كلمت المحققة أمل، وبعدها كلمت أختي مريم، وبعدها الشرطة، وما رجعتش أنام في شقتي الليلة دي، روحت عند مريم، لأن لأول مرة أحس إن اللي بيطاردني مش مجرد راجل خاين... ده واحد مستعد يعمل أي حاجة علشان ينجو بنفسه.
والغريب، إن أحمد في نفس الوقت نزل بيان على السوشيال ميديا، بيقول فيه إنه بيمر بظروف عائلية صعبة، وإنه واثق إن الحقيقة هتظهر قريب، والناس صدقته، طبعًا صدقته، لأنهم كانوا شايفين الراجل اللي بيتبرع للجمعيات، وبيتكلم عن الأخلاق، وبيبتسم في الصور، ومحدش فيهم كان يعرف إن أسهل حاجة في الدنيا إن الوحش يلبس بدلة شيك، ويحجز ترابيزة في أفخم مطعم، ويتكلم عن القيم وهو في نفس الوقت بيخطط يبيع أقرب الناس ليه مقابل مبلغ تأمين.
بعد اللي حصل، قفلت على نفسي الشقة تلات أيام كاملين، لا كان ليا نفس آكل غير لقمتين يسندوا روحي، ولا كنت بعرف أنام غير ساعة وأصحى مفزوعة، وكل ما أغمض عيني أشوف أحمد وهو بيبص للست الحامل بنفس النظرة اللي كنت فاكرة إنها بتاعتي أنا، وأصحى وأنا حاسة إن حد واقف فوق صدري. الحاجة الوحيدة اللي كنت بعملها هي إني أرد على مكالمات المحامي كل شوية، وكل مرة كان يطلب مني ورقة أو يراجع معايا تاريخ
فضلت أمسح الرسائل واحدة ورا التانية وأعمل حظر لكل واحد فيهم، لأنهم ماكانوش بيدافعوا عن أحمد بس، كانوا بيدافعوا عن فكرة إن الست لازم تسكت مهما كان اللي اتعمل فيها.
في اليوم الرابع، رن موبايلي، ولما بصيت لقيت عمر، أول ما رديت ما سلمش ولا سألني عاملة إيه، قال بصوت جاد هدى... لقينا حاجة لازم تشوفيها بنفسك.
اتقابلنا في كافيه هادي في الكرادة، مكان كله زرع متدلي وإضاءة هادية، والناس قاعدة تضحك وتشرب قهوتها كأن الدنيا ماشية عادي، وأنا كنت حاسة إن العالم كله اتقلب من تحت رجلي. أول ما قعد، حط ملف قدامي وقال إحنا راجعنا كل أوراق أحمد، واكتشفنا إنه ماكانش عامل بوليصة تأمين واحدة. استغربت وبصيتله وقلت يعني إيه؟ قال وهو بيفتح الملف كان عامل تلاتة... واحدة باسمك، وواحدة مرتبطة بزينة، وواحدة خاصة بالطفل.
اتجمدت وأنا ببصله، وحسيت الدم بينسحب من وشي، وقلت من غير ما أفكر الطفل؟! ده لسه ما اتولدش. هز راسه وقال مش بوليصة عليه باعتباره متوفى، لكن عامل ترتيبات مالية تخليه هو المسؤول عن كل حاجة تخص الطفل لو حصل لزينة أي مضاعفات أثناء الولادة أو بعد الولادة، يعني حتى الطفل
حطيت إيدي على بقي وأنا مش قادرة أستوعب، وقلت يعني حتى الجنين...؟ قاطعني وقال أيوه... بالنسبة له مافيش حد ليه قيمة، كل واحد في حياته مجرد رقم، أو ورقة، أو مبلغ ممكن يقبضه.
ساعتها حسيت إن الكره اللي جوايا اتغير، ما بقاش نار بتلسعني، بقى تلج، تلج يخوف، لأن الراجل اللي كنت فاكرة إني أعرفه طلع عمره ما حب حد، ولا عرف يعني إيه رحمة، كان بيحسب كل إنسان حواليه بعقله، مش بقلبه.
سألته بعدها وزينة فين؟ قال قاعدة عند بنت عمتها... وطلبت تشوفك. هزيت راسي بسرعة وقلت لا... مش قادرة. بصلي وقال بهدوء عارف إنها مش صاحبتك، ولا مطلوب منك تسامحيها، لكن إنتِ الوحيدة اللي فهمت الحقيقة... أحمد عمره ما كان بيحب حد، أحمد كان بيستثمر في الناس.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل، كل ما أفتكرها أحس بقشعريرة، وأراجع حياتي معاه من أول يوم، وأكتشف إن كل كلمة حلوة قالهالي، وكل هدية، وكل حضن، كان وراه مصلحة، وكأن الحب بالنسبة له مشروع بيحسب مكسبه وخسارته.
تاني يوم الصبح لبست ونزلت، وروحت لزينة، كانت قاعدة في شقة صغيرة في زيونة، أول ما فتحت الباب عرفتها بالعافية، وشها كان شاحب، والهالات سودة تحت عينيها، وشعرها مربوط بسرعة، وكأنها كبرت عشر سنين في كام يوم. بصتلي وقالت شكراً إنك جيتي. فقلت وأنا بدخل أنا ماجتش علشانك... أنا جيت علشان الطفل اللي مالوش ذنب في أي حاجة. هزت راسها وقالت عارفة.
قعدنا في المطبخ، وبدأت تحكي، وكل كلمة كانت بتحكيها كنت حاسة إنها بتحكي حكايتي أنا، قالت إنه قابلها في مؤتمر، وإنه
متابعة القراءة