من النهارده مالكيش أب بقلم عبير سليم
من النهارده مالكيش أب. دي كانت آخر جملة سمعتها من أبويا وهو بيرميني برا البيت وأنا حامل في ابني. خرجت يومها وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتقفلت في وشي، وعشت عشر سنين وأنا بكره اليوم اللي اتولدت فيه. لحد ما رجعتله بصورة قديمة كنت مخبياها طول السنين دي والله العظيم، أول ما وقعت عينه عليها، الراجل اللي عمري ما شوفته بيعيط خر على ركبته وفضل يصرخ بطريقة خلتني أعرف إن اللي اتقاللي زمان ماكانش الحقيقة وإن فيه سر مدفون من يوم طردني.
لقيت أمي واقفة ورا الستارة، حاطة إيديها على بوقها وبتحاول تكتم شهقتها بالعافية.
عيونها كانت مليانة دموع ..دموع عمري ما هنساها طول ما أنا عايشة.
ساعتها فهمت إنها نفسها تجري عليا تحضني. تشدني من إيدي.
وتقوله ما يطردش بنته الوحيدة بالشكل ده.
بس كان في حاجة مكسراها.
حاجة خلتها واقفة مكانها، لا قادرة تقرب ولا قادرة حتى تنطق.
بصيتلها آخر بصّة.
وبعدين خرجت.
خرجت وأنا حاسة إن قلبي بيتخلع من مكانه.
ولا مرة بصيت ورايا.
لأني كنت عارفة إن أول ما أبص...
هقع.
ونمت الليلة دي على كرسي قديم في محطة الأوتوبيس، حاضنة بطني بإيديا كأني بحمي آخر حتة فاضلة ليا في الدنيا.
الناس كانت رايحة جاية.
والدنيا ماشية عادي.
إلا أنا.
أنا بس اللي كانت حياتي كلها واقفة.
وكل اللي كان بيلف في دماغي سؤال واحد
هو ابني هيكبر من غير ما يعرف يعني إيه يبقى عنده جد؟
هييجي يوم ويسألني ليه محدش من أهلي كان معانا؟
هقوله إيه ساعتها؟
عدت الليلة. وعدى بعدها أسبوع. وبعدين شهر. وبعدين سنة.
والسنين جريت بينا جري.
كل سنة كانت بتاخد حتة مني وتسيب مكانها ندبة جديدة.
لحد ما بقيت ست تانية خالص.
ست اتعلمت تعتمد على نفسها.
وتخبّي وجعها ورا ابتسامة.
وتصحى كل يوم عشان خاطر ابنها وبس.
وعشر سنين كاملة مروا...
وأنا بهرب من الذكرى دي.
لحد ما جه اليوم اللي ما بقيش فيه
اليوم اللي اضطرني أرجع.
ولما رجعت بعد عشر سنين...
والله العظيم حسيت إني داخلة بلد عمري ما شفتها قبل كده.
البيوت اللي كانت مليانة ناس وضحك بقت مقفولة.
شبابيك متسمرة.
وأبواب متهالكة.
والحدايق اللي كنا بنلعب فيها واحنا صغيرين بقت شوك وحشائش يابسة.
حتى الشارع...
الشارع اللي كنت بجري فيه وأنا طفلة، كان مليان شروخ كأنه هو كمان اتوجع واتكسر مع السنين.
رفعت عيني للسما.
لقيتها باهتة.
مخنوقة.
كأنها شايلة هم البلد كلها فوق كتافها.
حتى الهوا كان تقيل.
تقيل بشكل يخليك تحس إن صدرك مش قادر ياخد نفسه.
كنت ماسكة إيد ضنايا عمر.
ابني اللي بقى عنده عشر سنين.
حتة مني.
وسندي الوحيد في الدنيا.
بص حواليه باستغراب، وبعدين رفع عيونه العسلية ليا وقال بهدوء
هو ده المكان اللي اتولدتي وكبرتي فيه يا ماما؟
بصيت حواليّا.
وحسيت قلبي وقع بين رجليا.
أيوه...
هنا كنت بضحك.
وهنا كنت بحلم.
وهنا اتكسرت.
ابتسمتله ابتسامة مكسورة وقلت
أيوه يا حبيبي... هنا كانت حياتي كلها.
بس جوايا كنت بقول حاجة تانية.
إن حياتي في المكان ده ماتت من عشر سنين.
ماتت يوم ما حطيت اختبار الحمل قدام أبويا.
ويوم ما سمعت منه الجملة اللي فضلت تطاردني في نومي وصحيايا سنين
من النهارده مالكيش أب.
ولما وقفت قدامه من جديد...
بعد العمر ده كله...
أخدت نفس طويل.
وحاولت أثبت رعشة صوتي.
وقلت وأنا ببصله في عينه
أنا رجعت... عشان أقول الحقيقة.
فضل باصصلي كام ثانية.
وشه باهت.
وعيونه مليانة خوف غريب.
كأنه شاف شبح طالعله من الماضي.
وبعدين بلع ريقه بالعافية وقال
بعد عشر سنين؟... جاية دلوقتي؟
قبضت على الملف اللي في إيدي.
الملف اللي خبيت جواه السر طول السنين دي كلها.
وكنت لسه هفتحه...
ولسه هطلع الصورة اللي قادرة تقلب حياة ناس كتير رأسًا على عقب...
وفجأة...
سمعنا صوت عربية سودا فخمة بتقف قدام البيت بالراحة.
بصيت من طرف الستارة.
عربية دفع رباعي، إزازها كله فاميه، والموتور شغال من غير ما حد ينزل منها.
أبويا أول ما شافها...
وشه اتسحب منه الدم كله.
وإيده بدأت تترعش بطريقة خوفتني.
جرى عليا، مسك دراعي جامد وقال بصوت كله رعب
ادخلوا... بسرعة... حالًا.
شدني أنا وابني لجوه، وقفّل الباب بالمفتاح والترابيس، وبعدها جرى قفل الشبابيك وسحب الستاير كلها، لحد ما البيت بقى غرقان في الضلمة.
أول مرة أحس إن بيتنا اللي اتربيت فيه بقى سجن.
التراب مالي الأركان...
والريحة القديمة اللي كلها كتمة وحزن كانت خانقة.
أبويا فضل رايح جاي في الصالة، وكل شوية يبص من فتحة صغيرة في الستارة.
كان عامل زي واحد مستني الموت يخبط عليه.
قال من غير ما يبصلي
مكانش ينفع ترجعي... هما عمرهم ما بطلوا يراقبونا.
قلت وأنا حاسة إن أعصابي خلاص هتنفجر
مين هما يا أبويا؟... صاحب المصنع؟... الراجل اللي خرب البلد كلها؟
وقف مكانه.
كتفه نزل.
وكأنه خلاص تعب من الكدب.
فتحت الملف الأصفر، وطلعت صورة قديمة.
وحطيتها على نفس الترابيزة...
نفس المكان اللي من عشر سنين حطيت عليه اختبار الحمل.
الصورة كان فيها شاب لابس خوذة أمان، واقف جنب أبويا قدام المصنع، ووشه كله أمل.
ابني عمر قرب، مسك الصورة بإيده الصغيرة وقال
مين الراجل ده يا ماما؟
بصيتله، وحسيت دموعي هتنزل لوحدها.
قلت
ده أبوك يا حبيبي.
البيت كله سكت.
أمي شهقت، وقعدت على الكنبة وهي بتستخبى في دموعها.
أما أبويا...
فضل يبص للصورة، وكأنها رجعته عشر سنين لورا.
همس باسمه وهو بيبكي
كان أنضف شاب شوفته في حياتي... ربنا يرحمه.
بعدين رفع عينه ليا وقال
أبوك الحقيقي كان شغال مهندس تحت التدريب في المصنع... واكتشف إن المصنع بيرمي مخلفات سامة في الترعة اللي الناس بتشرب منها، والمرض اللي انتشر في البلد، والناس اللي كانت بتموت، والستات اللي كانت بتفقد حملها.
أنا بصيتله بغضب سنين.
وقلت
طالما كنت عارف كل ده... ليه رميتني في الشارع؟... ليه سيبتني أربي ابني لوحدي؟... ليه كرهتني بالشكل ده؟
وفجأة...
أبويا وقع على ركبته.
أول مرة في حياتي أشوفه بالشكل ده.
راجل طول عمره جبل...
وقع قدامي وهو بيعيط زي الأطفال.
قال وهو مخبي وشه بين إيديه
أنا ما كرهتكيش يا بنتي... والله العظيم ما كرهتك يوم.
سكت شوية...
وبعدين قال الجملة اللي قلبت حياتي كلها
أنا كنت فاكر إني أنا اللي قتلته.
اتجمدت مكاني.
إيه؟!
قال وهو بينهج
قبل الليلة اللي طردتك فيها بيوم... هو طلب مني أساعده يهرب المستندات اللي تثبت جريمة المصنع... لكن رجال صاحب المصنع مسكونا... وضربونا... وحقنوني بحاجة معرفهاش.
كان بيحاول يفتكر وهو ماسك دماغه.
لما فوقت... لقيت نفسي في العربية... هدومي كلها دم... وخوذته جنبي... ومفتكرش أي حاجة حصلت.
سكت...
وبعدين بصلي بعين كلها وجع.
خلوني أصدق إني قتلته... وكل ما كنت أحاول أفتكر... دماغي كانت بتقف.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وأبويا كمل
ولما قلتي إنك حامل... وعرفت إن الطفل ابنه... خوفت... قلت لو الناس دي عرفت إن ليه ابن... هيقتلوكي... وهيقتلوا ضناك... فطردتك... كنت فاكر إني ببعدك عن وحش... والوحش ده أنا.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
عشر سنين وأنا شايلة في قلبي كره وغضب...
وفي ثانية واحدة...
كل ده وقع.
أبويا ما طردنيش عشان العار...
طردني وهو فاكر إنه بينقذ حياتي.
وفجأة...
أمي قامت من مكانها.
إيديها كانت بتترعش.
طلعت من جيب جلابيتها ورقة صغيرة مطبقة، لونها اصفر من الزمن، وعليها بقع دم ناشفة.
أبويا بصلها بصدمة.
إيه دي؟
فضلت تبكي وهي بتقول
لقيتها تاني يوم مستخبية جنب سور البيت... بخط إيد كريم.
خدت الورقة منها بسرعة.
كانت مكتوبة بعجلة شديدة.
يا عم حسن... لو الرسالة دي وصلتلك... يبقى عرفوا مكاني.
قرأت آخر سطر بصوت عالي
مخزن النور.
بصينا كلنا لبعض.
أبويا فجأة رفع راسه، وكأنه افتكر حاجة كانت مدفونة