من النهارده مالكيش أب بقلم عبير سليم
المحتويات
جواه.
قال بسرعة
المخزن القديم اللي جنب الميناء... زمان كنا بنسميه مخزن النور بسبب الكشافات الكبيرة اللي كانت بتنوره... هناك كانت لنا مخازن مقفولة.
طلعت فلاشة صغيرة من جيبي.
وقلت
دي فيها جزء من الملفات... أما الدليل الكامل... فهو هناك.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت معدني خبط في شباك الصالة.
وبعدها بثانية...
الكهربا قطعت.
البيت كله غرق في ضلمة تخوف.
ولسه هنتكلم...
لقينا إزاز الشباك انفجر مرة واحدة.
وزجاجه اتناثر علينا.
ودخلت منه زجاجة مولوتوف مشتعلة.
وقعت على السجادة...
وفي ثواني...
النار أكلت الصالة كلها.
أبويا صرخ بأعلى صوته
هما وصلوا... خدوا الولد واجري!
الحرارة بقت لا تطاق.
والدخان ملّى البيت.
مسكت الملف، وشديت أمي من إيديها، وأبويا شال عمر وجري ناحية الباب الخلفي.
خرجنا نلهث وسط الضلمة.
وكانت عربية أبويا القديمة واقفة تحت شجرة كبيرة.
ركبنا بسرعة.
وأول ما العربية دارت...
طلع راجلين لابسين أسود من آخر الحارة، وفي إيديهم عصيان حديد.
أبويا ضغط بنزين بكل قوته.
العربية كسرت سور خشب، وخرجت على الطريق، وأنا حاضنة ضنايا في حضني، وهو بيرتعش من الخوف.
وقلت وأنا بصوتي بيغطي على صوت الموتور
لازم نهرب... ولازم نوصل لصحفي نثق فيه... الحقيقة دي لازم الناس كلها تعرفها.
بصلي أبويا للحظة...
ومن غير ما ينطق...
ضغط على البنزين أكتر.
لكن ساعتها...
ظهر وراينا نفس العربية السودة.
ولما بصيت في المراية...
شفتها بتقرب بسرعة مرعبة...
وعرفت إن اللي جاي هيكون أخطر بكتير من كل اللي فات.
لما وصلنا شقة صاحبة عمري، ريهام، وكنا بنخبط على الباب بإيدين بتترعش، كانت هدومنا كلها سودة من الدخان، ووشوشنا مليانة تراب، وأنفاسنا طالعة بالعافية، أما الخوف... فكان باين في عنينا من غير ما حد ينطق بكلمة.
أول ما فتحت الباب، بصتلنا نظرة واحدة، وعرفت إن اللي حصل أكبر من أي شرح.
دخلتنا بسرعة، قفلت الباب بالمفتاح، وقفلت الشبابيك، وشغلت اللابتوب اللي عمرها ما كانت توصله بالإنترنت، لأنها كانت دايمًا تقول إن الشغل الحقيقي
قلت وأنا بطلع الورقة اللي عليها بقع الدم
لازم نروح المخزن... دلوقتي... لو الدليل الكبير لسه هناك، يبقى إحنا سابقينهم بخطوة.
ريهام خطفت الورقة من إيدي، قرتها بسرعة، وبعدين بصتلي وقالت من غير تردد
أنا جاية معاكم... وكل اللي هيحصل هيتصور لحظة بلحظة... لو حاولوا يعملوا فيكم حاجة، الناس كلها هتشوف.
أمي فضلت مع عمر.
قبل ما أخرج، ابني حضني جامد، وحط راسه على صدري وقال بصوت هادي كسر قلبي
ارجعي يا ماما... وهاتي حق بابا.
بست راسه، وأنا بدعي ربنا يحفظه.
ركبنا عربية أبويا القديمة، واتجهنا ناحية الميناء القديم.
المكان كان مهجور...
حديد صدي...
ورش مقفولة...
وصوت الهوا وهو بيصفر بين المخازن كان كفيل يخلي أي حد يرجع.
وقفنا قدام المخزن اللي كان الناس زمان بتسميه مخزن النور، مع إنه بقى أغرق مكان في الضلمة.
كسر أبويا القفل الحديدي، ودخلنا بحذر.
ريحة الرطوبة والزيت القديم كانت خانقة.
نور الكشافات الصغيرة اللي في إيدينا كان بيعدي على صفوف طويلة من الخزن الحديد.
أبويا فضل يعد الأرقام وهو بيهمس
مية واثناشر... مية وتلاتاشر...
وقف فجأة.
وأشار قدامه.
أهو... مية واربعتاشر.
كسر القفل.
فتحنا الخزنة.
كان فيها كرتونة قديمة، فوقها شوية أوراق صفراء وخوذة أمان.
رفعتها.
وحسيت إن في حاجة تحتها.
كان فيه قاع خشب معمول بإتقان.
شيلته.
ولقيت فلاشة معدنية تقيلة.
وقفت مكاني.
وعيني دمعت.
همست من غير ما أحس
لقيتها... الحمد لله.
لسه هلف عشان نخرج...
سمعنا صوت أبواب حديد ضخمة وهي بتتقفل مرة واحدة.
رجّ المكان كله.
وبعدها بثواني...
كل الكشافات الكبيرة اللي في سقف المخزن اشتغلت فجأة.
النور ضرب في عنينا.
وقفنا مش شايفين.
ولما قدرت أبص قدامي...
لقيته واقف.
صاحب المصنع.
واقف بكل هدوء، لابس بدلة غالية، وكأنه داخل اجتماع مش مخزن مهجور.
وورا منه أربع رجالة ضخام.
كل واحد ماسك ماسورة حديد.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
يا للخسارة... بعد عشر سنين اتجمعتوا أخيرًا... بس واضح إن النهاية هتكون جماعية.
أبويا وقف قدامي بسرعة.
وقال من بين سنانه
حرام عليك... ضيعت عشر سنين من عمري... خليتني أعيش فاكر إني قاتل.
الرجل ضحك.
ضحكة خلت جسمي يقشعر.
وقال
الخوف يا عم حسن... أرخص وسيلة تخلي الناس تسكت.
وبعدين أشار لرجالته.
هاتوا الفلاشة... وبعدها ولعوا المكان... ومحدش يخرج حي.
رجالته بدأوا يقربوا.
لكن في اللحظة دي...
سمعنا صوت خافت جاي من موبايل ريهام.
كانت فاتحة بث مباشر.
ابتسمت وأنا رفعت الفلاشة في الهوا وقلت بأعلى صوتي
كل كلمة بتقولها دلوقتي الناس كلها سامعاها... والبث شغال... والصور وصلت للقنوات والنيابة.
الابتسامة اختفت من وشه للحظة.
بس رجعت تاني بسرعة.
وقال باستهزاء
خليهم يتفرجوا... لما الشرطة تيجي هتلاقى المخزن رماد... وهيقولوا حادث.
وبعدين صرخ
خلصوا عليهم.
أكبر واحد فيهم جري ناحيتي، ورفع الماسورة عشان يضربني.
غمضت عيني.
لكن الضربة عمرها ما وصلت.
لأن أبويا رمى نفسه عليه.
الاتنين وقعوا على الأرض.
والماسورة نزلت على كتف أبويا بصوت خلاني قلبي يقع.
صرخ من الوجع...
بس فضل ماسكه.
وهو بيكح دم، بصلي وصرخ
اجري يا بنتي... متضيعيش حقه.
صرخت وأنا بعيط
مش هسيبك تاني.
وفي نفس اللحظة...
واحد تاني جري ناحية ريهام.
وهي لسه ماسكة الموبايل وبتقول قدام الكاميرا
الناس كلها تشهد... صاحب المصنع بيحاول يقتلنا دلوقتي.
استغليت انشغالهم.
خطفت خوذة الأمان القديمة من الخزنة.
وضربت بيها الراجل اللي كان بيجري عليا.
وقع على الأرض وهو بيتلوى.
صاحب المصنع فقد أعصابه.
طلع ولاعة من جيبه.
وساعتها شمّيت ريحة البنزين.
بصيت حواليا...
ولقيت الأرض كلها متغرقة.
كان ناوي يحرقنا كلنا.
رفع الولاعة...
وقال وهو بيبصلي بكره
خلاص... موتوا مع الحقيقة.
وقبل ما النار تلمس الأرض...
دوّى صوت صفارات عربيات الشرطة في المكان كله.
والأنوار الزرقا والحمراء انعكست على شبابيك المخزن.
صاحب المصنع اتجمد مكانه.
وفي ثانية...
الأبواب الحديد اتفتحت بقوة.
ودخلت قوات الأمن من كل اتجاه، والسلاح موجه ناحيته.
ارموا السلاح... وارفعوا إيديكم.
الرجالة
وصاحب المصنع فضل واقف، والولاعة لسه في إيده، ووشه الأصفر كان بيقول إنه لأول مرة في حياته... عرف يعني إيه النهاية الحقيقية.
أول ما شفت أبويا واقع على الأرض، جريت عليه من غير ما أفكر، وقعدت جنبه وأنا برتعش، مسكت وشه بين إيديا، ولقيت كتفه كله دم، ونفسه طالع بالعافية، لكن لأول مرة من عشر سنين... كان بيبتسم.
ابتسامة صغيرة...
متعبة...
بس فيها راحة غريبة.
بصلي بعينه اللي رجعلها النور بعد سنين وقال بصوت متقطع
المرة دي... عرفت أحميكي يا بنتي.
ماقدرتش أتمالك نفسي.
حضنته وأنا بعيط زي الأطفال، ولسقت جبيني في جبينه، وقلت
حميتني يا أبويا... والله حميتني... وأنا اللي ظلمتك عشر سنين.
قفل عينه وهو بيبتسم...
وأنا لأول مرة من يوم ما خرجت من البيت، حسيت إن ليا أب من تاني.
بعد ساعات...
كانت الشمس بدأت تطلع، ونورها الباهت بيحاول يخترق الدخان اللي مغطي سما البلد.
الراجل اللي كان فاكر نفسه فوق القانون بقى في قبضة الجهات المختصة، واتقبض عليه هو وكل اللي اشتغلوا معاه، واتفتحت تحقيقات كبيرة بعد الأدلة اللي طلعت، وأبويا رجع من المستشفى وكتفه متجبس، صحيح كان بيتوجع، لكن الوجع اللي كان ساكن قلبه بقاله عشر سنين... اختفى.
فضل حاجة واحدة بس...
الحقيقة الأخيرة.
قعدنا كلنا حوالين سفرة شقة ريهام.
أنا...
وأبويا...
وأمي...
وريهام...
وعمر، اللي كان لازق في حضني، وعينه متعلقة بالفلاشة كأنها كنز هيغير حياته.
طلعت الفلاشة الكبيرة.
وصلتها باللابتوب.
كلنا كنا ساكتين.
الشاشة نورت...
وبعدين ظهر مربع صغير.
مكتوب فيه
أدخل كلمة السر.
افتكرت الرسالة.
كتبت
مخزن النور.
إيدي كانت بتترعش.
ودست.
ثانية...
واتنين...
وفجأة...
الشاشة اتملت ملفات.
مئات الملفات.
حسابات...
تحويلات فلوس...
تقارير طبية مزورة...
تقارير تثبت إنهم كانوا عارفين إن الميه مسمومة، وإن الناس بتموت بسببهم، ومع ذلك كانوا بيزوروا كل حاجة.
ريهام شهقت.
وقالت
كفاية الملفات دي لوحدها تخليهم يفضلوا عمرهم كله ورا الشمس.
لكن عيني وقعت على ملف واحد.
كان لوحده.
ومختلف عن الباقي.
اسمه...
عمر.
اتجمدت.
إيدي بردت.
همست
هو... كان عارف.
أبويا بص للشاشة باستغراب.
وأمي حطت إيدها على قلبها.
فتحت الملف.
لكن طلعلي رسالة جديدة.
لا يمكن فتح الملف إلا بعد التحقق من
متابعة القراءة