من النهارده مالكيش أب بقلم عبير سليم
هوية الوريث.
كلنا بصينا لبعض.
وفجأة...
نور الكاميرا الصغيرة اللي فوق شاشة اللابتوب اشتغل.
ريهام قربت وهي بتبص للشاشة وقالت
واضح إنه عامل نظام أمان... الملف ده معمول مخصوص لابنه... ومحدش غيره يقدر يفتحه.
بصيت لعمر.
كان واقف ساكت.
مش فاهم كل التفاصيل...
بس حاسس إن أبوه سايبله حاجة من عشر سنين.
مسكت إيده.
وقلتله بابتسامة كلها دموع
تعالى يا ضنايا.
وقف قدام اللابتوب.
نور الكاميرا وقع على وشه.
وفي اللحظة دي...
أنا شفت أبوه.
نفس العينين.
نفس ملامح الوش.
حتى طريقة وقوفه.
كأن الزمن رجع بيا عشر سنين.
خطوط خضرا بدأت تتحرك على الشاشة، وهي بتفحص وشه.
ولا نفس كان بيتسمع في الأوضة.
كل واحد فينا كان بيدعي في سره.
يارب...
وفجأة...
اللابتوب طلع صوت خفيف.
وظهرت كلمة كبيرة على الشاشة.
تم التحقق.
وفي ثانية...
اشتغل فيديو.
الصورة كانت مهزوزة.
واضح إنها متصورة في مكان ضلمة.
ورغم إن وشه كان مليان كدمات، وهدومه متبهدلة...
عرفته من أول لحظة.
كريم.
أبو عمر.
حبيبي اللي اختفى من عشر سنين.
صرخة خرجت مني من غير ما أحس.
أمي كتمت شهقتها بإيديها.
وأبويا قرب من الشاشة، وإيده السليمة كانت ماسكة الترابيزة بقوة.
أما أنا...
فكنت ببصله كأني شايفة واحد رجع من الموت.
رفع عينه للكاميرا...
وابتسم نفس الابتسامة اللي وقعتني في حبه زمان.
وبعدين قال بصوت متقطع، لكنه مليان يقين
يا هناء... لو الفيديو ده وصلك... يبقى أنا للأسف مقدرتش أرجعلك... سامحيني.
قلبي اتقبض.
وحسيت الدنيا كلها وقفت.
وكمل وهو بيبص للكاميرا كأنه
عرفوا إن معايا الدليل الكامل... وكان لازم أخبيه... لكن فيه حاجة أهم من كل الملفات دي... حاجة مستخبيّة من عشر سنين... ولما تعرفيها... هتفهمي ليه كنت مستعد أموت...
وسكت للحظة...
وبص مباشرة ناحية الكاميرا...
وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي...
سكت كريم لحظة، أخد نفس طويل، وبعدين بص للكاميرا بعين كلها وجع وقال
في حاجة لازم تعرفيها يا هناء... وأقسم بالله دي أهم من أي ملف هتشوفيه.
بلع ريقه، وكمل بصوت متقطع
أبوكي عمره ما خانّي... ولا باعني... ولا سلّمني لحد.
بصيت على أبويا...
لقيته اتخشب مكانه.
أما كريم فكمل
عم حسن وافق يساعدني أنقل الأدلة، لكن رجال صاحب المصنع سبقونا... ضربونا... وحقنوه بحقنة خلت ذاكرته تضيع، وأنا شوفت كل حاجة بعيني... حاولت أنقذه، بس مقدرتش... كانوا أكتر مني.
دموعي نزلت لوحدها.
كريم قال وهو بيحاول يتمالك نفسه
أوعي تكرهيه... لو وصلّك الفيديو ده... اعرفي إنه راجل شريف، وربنا يشهد إنه حاول ينقذني.
في اللحظة دي...
أبويا انهار.
أول مرة أشوف راجل في سنه بيعيط بالشكل ده.
كان بيبكي بحرقة، كأنه بيطلع وجع عشر سنين دفعة واحدة، والذنب اللي كان عايش بيه بقى بيتسحب من قلبه مع كل دمعة.
أما كريم...
فسكت شوية.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة، كلها حنين.
وبص للكاميرا، كأنه شايف عمر واقف قدامه.
وقال
ولو ربنا كتب إن هناء كانت فعلًا حامل... وإن ابني بقى قدام الشاشة دلوقتي...
ابتسم عمر من غير ما يحس.
وكريم قال
السلام عليكم يا بطل.
الدموع نزلت من عيني في اللحظة دي.
قال
لو
وبعدين كمل
أنا سيبتلك أمانة... كل التعويضات، وكل حقوق أهل البلد، وكل القضايا اللي هتتفتح بعد ظهور الملفات... عملتلها إجراءات قانونية، وخليت حق التصرف فيها باسمك، علشان محدش يقدر يسرق حق الناس تاني.
عمر قرب من اللابتوب.
وحط كف إيده الصغيرة على الشاشة.
كأنه بيحاول يلمس وش أبوه...
اللي عمره ما حضنه.
كريم ابتسم.
وقال آخر كلام ليه
أوعوا تخافوا منهم... الخوف هو السلاح الوحيد اللي كانوا بينتصروا بيه... لكن الحق عمره ما بيموت... وأنا بحبكم... وربنا يجمعنا في الجنة.
وفجأة...
الصورة قطعت.
والشاشة اسودّت.
ساعتها...
ولا واحد فينا اتكلم.
لكن السكوت المرة دي ماكانش وجع...
كان راحة.
راحة ناس أخيرًا عرفت الحقيقة.
عدّى كام شهر.
المصنع اتقفل نهائي.
وكل الملفات اللي كريم خبّاها فتحت أبواب تحقيقات كبيرة، واتقبض على صاحب المصنع وكل اللي شاركوه، واتحاكموا على السنين اللي ضيعوها من عمر الناس.
وبعد بحث طويل...
لقوا جثمان كريم.
مدفون في مكان بعيد، بعد ما حاولوا يخفوا جريمته للأبد.
يومها...
أخيرًا...
عرفنا نزوره، وندعيله، وندفنه الدفنة اللي يستحقها.
أما البلد...
فكانت لسه تعبانة.
لكن لأول مرة...
بقى عندها أمل.
التعويضات بدأت توصل لأصحابها.
والمرضى أخيرًا لقوا علاج.
والناس بطلت تخاف.
وفي يوم هادي...
بعد صلاة العصر...
وقفنا كلنا عند قبر كريم.
حطيت باقة ورد أبيض فوق التراب.
أما عمر...
فطلع
ست...
وطفل...
وراجل لابس خوذة أمان...
التلاتة ماسكين إيد بعض.
حط الرسمة فوق القبر، وقال بصوت واطي
دي أول صورة ليا مع بابا.
قلبي وقتها اتقطع...
وفي نفس الوقت...
اتداوى.
بعد ما الناس بدأت تمشي...
أبويا وقف جنبي.
كتفه لسه متجبس.
وشعره بقى أبيض أكتر من الأول.
فضل باصص للقبر، وقال من غير ما يبصلي
عارف إن كلمة آسف... مستحيل تعوض عشر سنين ضاعوا منك... وماليش حق أطلب منك تسامحيني.
فضلت ساكتة شوية.
افتكرت الليلة اللي رماني فيها برا البيت...
وافتكرت النار...
والمخزن...
والحقنة اللي ضيعت عمره.
بعدين بصيتله وقلت بهدوء
أنت فعلًا مالكش حق تطلب.
وطّى راسه.
وقبل ما يتحرك...
مسكت إيد عمر، ووقفته جنب جده.
وقلت
بس في واحد هو اللي من حقه يقرر... هيعتبرك جده... ولا لأ.
عمر بص لأبويا.
لا جري حضنه.
ولا ناداه يا جدو.
وقف قدامه بثبات، وقال
هتوعدني بحاجة؟
أبويا هز راسه بسرعة، ودموعه نازلة.
أوعدك بأي حاجة يا حبيبي.
عمر قال
متخافش من حد بعد النهارده... لأن الخوف هو اللي ضيع عمرنا.
ابتسامة طالعة من قلبه ظهرت على وش أبويا.
وقال
أوعدك... قدام ربنا.
وأنا واقفة بينهم...
افتكرت البنت اللي خرجت من بيتها وهي عندها تسعتاشر سنة، حاملة سر في قلبها، ومش عارفة رايحة على فين.
وساعتها...
فهمت الحقيقة اللي غيرت حياتي كلها.
العيلة مش بيدمرها الفقر...
ولا الظلم...
ولا حتى المصايب.
العيلة بيدمرها السكوت على الباطل.
ولما يطلع حد فيهم يواجه الحقيقة، مهما كان تمنها...
ساعتها بس...
البيوت
ولو وصلت لحد هنا، ادعي بالرحمة لكل مظلوم مات وهو بيدافع عن الحق، وقوليلي في تعليق... لو كنت مكاني، كنت هتقدر تسامح أبوك بعد كل اللي حصل... ولا لأ؟