طلبت مني ابنتي أن أعتني بطفليها لساعات

لمحة نيوز

قالت بصوت خافت
الرسالة كانت بتقول إن واحدًا من الأجنة بتوعي لسه عايش.
شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدمي.
قبل خمس سنوات، وبعد ولادة ليلى، كانت إيمان وزوجها السابق جمال يحلمان بطفل آخر.
ولأن الحمل لم يكن سهلًا، خضعت وقتها لعلاج طويل للخصوبة، وتم تكوين عدة أجنة في المعمل، ثم حُفظت الأجنة المتبقية بالتجميد.
لكن بعد الطلاق، وقّعت هي وجمال على كل الأوراق التي تُجيز للمركز التخلص من تلك الأجنة.
أتذكر ذلك اليوم جيدًا...
ظلت إيمان تبكي أيامًا كاملة، ثم أقنعت نفسها أن الأمر انتهى.
أو هكذا كنا نظن.
هزت رأسها ببطء وقالت
كانوا بيكدبوا.
مالت المحققة كوثر إلى الأمام وسألتها
تقصدي إن المركز احتفظ بجنين من غير علمك؟
ردت إيمان وهي تنظر إلى الرضيعة
مش بجنين واحد... بأكتر من جنين.
ساد الصمت في الغرفة.
ثم سألتها المحققة
من غير موافقتك؟
قالت إيمان بمرارة
ومن غير موافقة الست اللي حملت بيه كمان.
سألتها المحققة
مين هي؟
أجابت بعد لحظة صمت
اسمها تسنيم... وعندها ستة وعشرون سنة.
كانت تسنيم قد فقدت أكثر من حمل، وبعد سنوات من الانتظار قررت اللجوء إلى مركز الدكتور فؤاد للعلاج.
قالوا لها إنهم هيزرعوا لها جنينًا مكوَّنًا من بويضتها هي وحيوان منوي من متبرع.
فوافقت دون تردد.
ولما وصلت إلى الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل، سمعت بالصدفة ممرضتين تتشاجران.
كانت إحداهما تتهم الأخرى بأنها بدلت بطاقات تعريف الأجنة.
من يومها بدأت تسنيم تطالب بمعرفة الحقيقة.
لكن بعد يومين فقط...
أعلن المركز أنها
تعاني من اضطراب نفسي خطير.
سحبوا منها هاتفها.
ومنعوا عنها الزيارات.
وأخبروا أسرتها أنها لا تريد رؤية أحد.
قاطعتها المحققة كوثر قائلة
طيب وصلت لك إزاي؟
أجابت إيمان
واحدة من الممرضات ساعدتها.
اسمها؟
كارولين.
تبادلت المحققة نظرة سريعة مع أحد الضباط.
أما أنا، فما إن سمعت الاسم حتى تذكرت.
كارولين كانت الممرضة التي أعلنت الشرطة اختفاءها قبل اختفاء إيمان بثمانية أيام.
كانت صورتها تُعرض في نشرات الأخبار إلى جانب صورة إيمان.
ويومها ظن الجميع أن الحادثتين لا علاقة لهما ببعض.
لكن الحقيقة...
أنهما كانتا جزءًا من القصة نفسها.
قالت المحققة كوثر
يبقى كارولين هي اللي بعتتلك الرسالة.
هزت إيمان رأسها بالإيجاب.
وقالت
وبعتت مع الرسالة نتائج تحاليل، وسجلات الأجنة، وحتى نسخة من الورقة اللي أنا وجمال وقعناها علشان يتخلصوا من الأجنة.
سألتها المحققة
وبس؟
قالت إيمان
لأ.
ثم فتحت سحاب الجاكيت الذي كانت ترتديه.
ومن داخل البطانة أخرجت وحدة تخزين صغيرة كانت مخيطة بإحكام.
رفعتها أمام الجميع وقالت
بعدها قابلت كارولين.
سألتها المحققة بسرعة
فين؟
وقالت لك إيه؟
أغلقت إيمان عينيها للحظة، ثم قالت
قالت إن اللي بيحصل في مركز الدكتور فؤاد بقاله سنين.
وسكتت لحظة قبل أن تكمل
قالت إنهم كانوا بيدوروا على العائلات اللي عندها أجنة مجمدة.
أوقات أصحابها كانوا بيطلبوا التخلص منها.
وأوقات كانوا يبطلوا يدفعوا رسوم حفظها.
وفي الأوراق الرسمية كانوا بيسجلوا إن الأجنة اتعدمت.
تنهدت، ثم قالت
لكن الحقيقة.
.. إنهم ماكانوش بيتخلصوا منها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وسألتها
أمال كانوا بيعملوا بيها إيه؟
قالت وهي تنظر إلى الرضيعة
كانوا بيبيعوها.
ساد صمت مرعب.
ثم أكملت
مش عن طريق التبرع القانوني... ولا بالطرق اللي يسمح بيها القانون.
كانوا بيبيعوها في صفقات سرية، لأشخاص أغنياء مستعدين يدفعوا أي مبلغ علشان يبقى عندهم طفل.
قلت وأنا بالكاد أصدق ما أسمعه
يعني أي حد كان يقدر يشتري جنين؟
هزت إيمان رأسها بالنفي.
وقالت بصوت مكسور
لأ... الدكتور فؤاد هو اللي كان بيختار.
سألتها
بيختار إيه؟
ردت وهي تكاد تنهار
بيختار مين يستحق يبقى أب... ومين ما يستحقش.
في تلك اللحظة تحركت الرضيعة الصغيرة بهدوء داخل سريرها.
وساد الصمت من جديد.
ثم همست إيمان
وتسنيم... ماكانش المفروض تخرج من المركز وهي شايلة البيبي.
وبحسب سجلات المركز...
كانت مجرد أم بديلة... لا أكثر.
بعد ولادة رحمة، كان من المفترض أن تُسلَّم مباشرة إلى زوجين ثريين من محافظة أخرى.
كانا قد دفعا لمركز الدكتور فؤاد مبلغًا وصل إلى مائتين وأربعين ألف دولار مقابل الحصول عليها.
شعرت بالغثيان.
لم أكن أصدق ما أسمعه.
لكن إيمان لم تكن تصدقه هي الأخرى.
سألتها المحققة كوثر
إيه اللي حصل من عشرة أيام؟
أخذت إيمان نفسًا عميقًا وقالت
كارولين اتصلت بيا الساعة ستة الصبح... وقالت إن تسنيم دخلت الولادة.
أوضحت أنها أحضرت نوح وليلى إلى بيتي لأنها كانت متفقة تقابل كارولين في فندق صغير قريب.
كانت فاكرة إنها هتغيب كام ساعة بس.
لكن كارولين لم تصل
أبدًا.
وبدلًا منها...
وصل إلى هاتفها مقطع فيديو.
ظهر فيه كارولين مربوطة على كرسي داخل مركز الدكتور فؤاد.
كان وجهها مليئًا بالكدمات.
وخلفها وقف الدكتور فؤاد ينظر إلى الكاميرا بكل هدوء.
قالت إيمان
كان عارف إنها سلّمتني الملفات.
سألتها المحققة
وقال لك إيه؟
أجابت
قالي أروح لوحدي... لو عايزة أشوف كارولين عايشة.
سألتها المحققة
ورحتي؟
هزت رأسها بالإيجاب.
أيوه.
ليه ما بلغتيش الشرطة؟
أغلقت إيمان عينيها وقالت
لأنه بعتلي صورة.
صورة لمين؟
قالت بصوت مرتجف
للمقدم هاني... وهو واقف جوه مكتب الدكتور فؤاد.
ساد الصمت.
المقدم هاني نفسه...
الضابط الذي كان مسؤولًا عن البحث عن إيمان.
ونفس الرجل الذي جلس في مطبخي، ووعدني أنه لن يهدأ قبل أن يعيد ابنتي إلى البيت.
وقتها فقط...
فهمت لماذا لم يجدوا شاهدًا واحدًا.
ولا كاميرا مراقبة واحدة.
ولا أي خيط يقود إليها.
لأن الرجل الذي كان يقود عملية البحث...
كان هو نفسه يتأكد أن أحدًا لن يصل إليها.
أغلقت المحققة كوثر جهاز التسجيل بهدوء.
ثم خرجت من الغرفة لدقائق.
وعندما عادت، لاحظت أن اثنين من الضباط اختفيا.
نظرت إلى إيمان وقالت
كملي.
قالت إيمان
روحت مركز الدكتور فؤاد من المدخل الخلفي.
أول ما دخلت...
أخذ مني تليفوني.
ثم وداني أوضة الإفاقة.
كانت تسنيم هناك.
فاقدة الوعي تقريبًا بسبب المهدئات.
ومثبتينها في السرير.
أما كارولين...
فكانت لسه عايشة.
قال الدكتور فؤاد
قدامك اختيار واحد.
إيه هو؟
تمضي أوراق جديدة... تتنازلي فيها عن أي حق ليك في الجنين.

سألتها المحققة
وإنتِ مضيتي؟
أطرقت إيمان برأسها وقالت
أيوه.
قالت المحققة بدهشة
يعني تنازلتي عن رحمة؟
قالت وهي تبكي
كنت بحاول أنقذ حياتهم.
لكن حتى بعد ما وقعت...
لم
تم نسخ الرابط