طلبت مني ابنتي أن أعتني بطفليها لساعات
المحتويات
يسمحوا لها بالمغادرة.
أجبروها تفضل في المركز، بينما كان العاملون يجهزون رحمة لتسليمها.
وهناك...
لفت انتباهها شيء غريب.
كانت على الجدار شاشات مراقبة كبيرة.
كل رضيع في المركز كان يلبس سوارًا إلكترونيًا في كاحله.
وبجوار اسم كل طفل...
كانت تظهر بيانات الدفع.
وكأن الأطفال معروضون للبيع.
بعض الأسماء كان بجوارها دائرة خضراء.
وأسماء أخرى بجوارها دائرة حمراء.
أما ملف رحمة...
فكان عليه علامة ذهبية.
ومكتوب أمامها
اكتملت إجراءات التسليم الخاص.
وكان من المقرر أن يصل المشترون صباح اليوم التالي.
انتظرت إيمان حتى غادر الدكتور فؤاد جناح الإفاقة.
وكانت كارولين قد أخفت قبل ذلك بطاقة إلكترونية صغيرة داخل حذائها.
استخدمتها لفتح الأبواب.
وقالت لهم إن نظام الطوارئ سيغلق المخارج الرئيسية...
لكنه سيفتح أبواب الحريق القديمة.
وبالفعل...
تمكنت النساء الثلاث من الهرب.
لكن تسنيم كانت ما تزال ضعيفة جدًا بعد الولادة.
لذلك حملت إيمان رحمة بنفسها.
وحين وصلن إلى موقف السيارات...
وجدن المقدم هاني في انتظارهن.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قالت إيمان وصوتها يرتجف
كارولين صرخت فينا وقالت نجري.
وهي؟
فضلت ورا.
سألتها وأنا أكاد أختنق
ماتت؟
هزت رأسها ببطء.
معرفش.
ثم قادت إيمان السيارة، وأخذت تسنيم ورحمة إلى كوخ صيد قديم كانت كارولين قد جهزته قبل أيام.
ظلوا مختبئين هناك تسعة أيام كاملة.
من غير هواتف.
ومن غير بطاقات بنكية.
ومن غير ما يقربوا من أي طريق فيه كاميرات مراقبة.
قالت المحققة
علشان المقدم هاني كان
هزت إيمان رأسها.
ثم نظرت إليّ وقالت
أول ما كنت هظهر... كان هيعرف مكان تسنيم.
وفي الليلة التاسعة...
ارتفعت حرارة تسنيم بشدة.
وازداد النزيف بصورة خطيرة.
فاضطرت إيمان تقودها إلى مستشفى في محافظة تانية.
أنزلتها عند قسم الطوارئ.
وتركت معها فلاشة الأدلة.
وانتظرت حتى شافت الأطباء بياخدوها للداخل.
وبعدها فقط...
رجعت إلى البيت وهي تحمل رحمة.
سألتها وأنا غير مصدقة
سيبتي تسنيم لوحدها؟
أغمضت إيمان عينيها، وانحدرت دموعها على خديها، ثم قالت
هي اللي طلبت مني أمشي.
امتلأت عينا إيمان بالدموع، لكنها لم تنطق بكلمة.
وفجأة نهضت المحققة كوثر من مكانها، وقالت بحزم
لازم نتحرك... حالًا.
سألتها بارتباك
ليه؟
نظرت إلى النافذة المغلقة بالستائر وقالت
لأن المقدم هاني عرف إن إيمان هنا.
في اللحظة نفسها...
توقفت سيارة أمام المنزل.
ثم لحقتها سيارة ثانية.
أخرجت المحققة كوثر سلاحها بسرعة.
وصاحت
الكل ينزل على الأرض!
وقبل أن نستوعب ما يحدث، دوى طرق عنيف على الباب، حتى اهتز المنزل كله.
ضمت إيمان رحمة إلى صدرها بعفوية.
فأمسكتها المحققة من ذراعها وقالت
سيبي البيبي.
هزت إيمان رأسها بقوة.
مستحيل.
قالت المحققة بنبرة حازمة
إيمان... اسمعيني.
لكن في الخارج، جاء صوت المقدم هاني هادئًا، كما اعتدنا أن نسمعه طوال أيام البحث.
قال
إيمان... إنتِ مش متهمة في حاجة... افتحي الباب.
كان صوته مطمئنًا...
هادئًا...
ويجبر أي شخص على تصديقه.
وفي منتصف السلم، ظهر نوح فجأة.
وأشار ناحية الباب وقال
ده الظابط اللي جه
جريت ناحيته بسرعة.
لكن قبل أن أصل إليه...
انفجر زجاج النافذة الأمامية بقوة.
وتدحرجت أسطوانة معدنية صغيرة فوق سجادة الصالة.
صرخت المحققة كوثر
اخرجوا من هنا... بسرعة!
حملت ليلى بين ذراعي.
وتشبث نوح بملابسي وهو يرتجف.
أما إيمان، فكانت تجري خلفنا وهي تضم رحمة بقوة إلى صدرها.
اندفعنا جميعًا نحو المطبخ، ثم إلى باب الجراج.
وفجأة...
دوّى صوت طلقة نارية.
التفتُّ لأجد أحد الضباط يسقط أرضًا خلفنا.
صرخت إيمان من الرعب.
وأطلقت المحققة كوثر النار باتجاه مدخل المنزل وهي تصرخ
اركبوا العربية... بسرعة!
قفزت خلف المقود، وأدارت المحرك، ثم انطلقت بالسيارة إلى الخلف بأقصى سرعة.
وبينما كنا نخرج من أمام المنزل...
ظهر المقدم هاني من خلف سيارتي.
رفع مسدسه وصوبه نحونا.
لكن قبل أن يضغط الزناد...
انطلقت طلقة أخرى.
توقف في مكانه للحظة...
ثم سقط على الأرض.
التفتنا جميعًا.
كانت تسنيم تقف على بعد أمتار قليلة.
ترتدي معطفًا واسعًا فوق ثوب المستشفى.
وكانت الدماء تغطي إحدى ساقيها.
وخلفها كان اثنان من رجال الشرطة يركضان باتجاهها.
أنزلت المسدس ببطء من يدها.
ولم تنطق بكلمة.
انطلقت بنا المحققة كوثر بعيدًا عن المكان.
ومع أول ضوء للصباح...
كانت قوات الشرطة والجهات المختصة قد حاصرت مركز الدكتور فؤاد بالكامل.
وأُلقي القبض على الدكتور فؤاد، بينما كان يحاول الهرب عبر نفق مخصص لأعمال الصيانة.
أما المقدم هاني...
فقد نجا من الإصابة.
وكذلك كارولين.
وكانت الأدلة الموجودة داخل وحدة التخزين التي أخفتها إيمان
فقد توصل المحققون إلى ثلاثة وعشرين طفلًا وُلدوا نتيجة عمليات نقل أجنة غير قانونية.
كان بعضهم لا يزال رضيعًا.
بينما اقترب بعضهم الآخر من سن المراهقة.
ولم تكن كل العائلات تعلم الحقيقة.
فكثير منهم كانوا يعتقدون أنهم سلكوا كل الإجراءات القانونية، ولم يخطر ببالهم يومًا أن الأطفال الذين احتضنوهم جاءوا إلى حياتهم عبر جريمة امتدت لسنوات طويلة.
أصبحت قضية رحمة محور التحقيق كله.
وبعد إجراء تحليل الحمض النووي، تأكدت الحقيقة التي كانت إيمان تعرفها منذ البداية.
فالجنين تكوَّن من بويضة إيمان وحيوان منوي لزوجها السابق جمال.
أي أن رحمة كانت ابنتهما البيولوجية بالفعل.
لكن تسنيم هي التي حملت بها طوال شهور الحمل، وهي التي أنجبتها بعد أربع عشرة ساعة كاملة من المخاض، بينما كان هناك من يستعد لبيع الطفلة فور ولادتها.
ولأسابيع طويلة، لم يتوقف الصحفيون عن طرح السؤال نفسه
من هي الأم الحقيقية لرحمة؟
وكانت إيمان تكره هذا السؤال.
وكذلك تسنيم.
وفي أول جلسة أمام المحكمة للنظر في حضانة الطفلة، سأل القاضي كلتيهما
هل تنوي إحداكما المطالبة بالحضانة الكاملة؟
نظرت إيمان إلى تسنيم.
ونظرت تسنيم إلى رحمة.
ثم قالت إيمان بهدوء
لأ... كفاية ناس قرروا مصير البنت دي من غير ما حد يسألنا.
وبعد فترة قصيرة، انتقلت تسنيم لتسكن في الشقة الموجودة فوق جراج منزل إيمان.
كان الاتفاق في البداية أن تظل هناك أيامًا قليلة فقط...
لكن مرت ثمانية أشهر كاملة، وما زالت هناك.
كل ليلة، تنام رحمة في غرفة إيمان.
أما تسنيم، فتتولى إرضاعها في الساعات الأولى من الصباح، وكانت تضحك دائمًا وهي تقول
أنا أصلًا ببقى صاحية.
أما ليلى...
فبدأت تنادي تسنيم باسم
ماما التانية.
وكان
متابعة القراءة